بقيّت ثمانينات شاعر العرب الأكبر، محمد مهدي الجواهري (1899-1997) دون توثيق ملموس، باستثناء بعض اللقطات المتناثرة، هنا وهناك.. وقد كان قد أصدر في دمشق مجلدا بجزأين، عامي 1989 و1990 وبعنوان (ذكرياتي) شمل  تأرخة مواجيز ومحطات عن بعض سيرته وحياته المديدة: الشعرية والسياسية والاجتماعية والانسانية، من الولادة وحتى عام 1969 وعلى اساس ان يليهما جزء ثالث ليغطى السنوات اللاحقة. ولكن ذلك لم يحدث وحتى رحيله في دمشق بتاريخ 1997.7.27  بل انه لم يركن لذلك اصلا، لاسباب ودوافع يطول ويعرض التكهن والتوثيق بشأنها.

    ولأن الحال هكذا، شئنا في هذا التوثيق والبحث ان نساهم في المسعى على طريق تارخة تلك الفترة (1969-1997)  بخلاصات ومحطات موجزة كما نظن، اذ ثمة في ما يقارب ثلاثة عقود، الكثير الكثير الذي يتطلب  التوقف عنده، وخاصة انها شهدت احداثا ووقائع، بل وعواصف، عراقية وعربية ودولية، عاشها الجواهرى، وعايشها عن قرب، بل وفي صميمها،  بالموقف او الشعر او الرؤى، ما طفح منها، وما خفي وربما كان أعظم.. وذلك ما نأمل ان يتوقف عنده  توثيقنا هذا للفترة من 1980 الى 1989  الى جانب سابقه المنشور قبل فترة وجيزة، الذي خـصّ الاعوام 1970-1979 .(1)

أن أهمية هذا التوثيق لبعض سجل الجواهري تتعاظم لسبب تزامن ثمانيناته مع ثمانينات القرن العشرين تماماً، حين شهدت البلاد العراقية أحداثاً وشؤوناً وشجوناً بالغة الاستثناء كما يثبت المؤرخون، وخاصة حرب النظام الدكتاتوري مع إيران في مطلع العقد، وغزوه الكويت في نهايته، وما ترتب على ذلك من مآسٍ ودمار وكوارث، جنبا لجنب مع سياسة الاضطهاد والعسف الحرب الداخلية ..    

اولاً:  شؤون وشجون سياسية  

   لقد أرخت وقائع تلكم الفترة  (1980-1989) شيوع الارهاب، ولمديات قصوى في العراق، ليطال حتى بيت الشاعر، وشمل احتجاز ابنته الوسطى (خيال) ساعات في احدى دوائر الامن، واعتقال وتعذيب أصغر أبنائه (كفاح) لعدة أيام، إضافة لايذاء وتهجير العديد من أفراد الأسرة الجواهرية. وقد أكد ذلك قناعات جديدة بشأن الطريق التي صممت على انتهاجها قيادات حزب البعث الحاكم آنذاك، باصرار، كما أكدت السنوات اللاحقة.  ومع ازدياد أوضاع البلاد العراقية تدهوراً في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وسقوط الأوهام والمراهنات على امكانية ابعاد النظام الحاكم من اعتماد الارهاب والقمع طريقاً وحيداً لبسط الهيمنة والنفوذ، عند ذلك تأصل قرار الجواهري في اتخاذ الغربة موقفاً احتجاجياً ذا أكثر من مغزى.

 وفي خلاصات عن رواهن تلكم الفترة، تبيّـن نونية الجواهري الغاضبة الى الزعيم الكردي – العراقي، جلال طالباني، عام 1980 آراء ورؤى معبرة تجاه العراق نظاماً ومعارضة، ومجتمعا.. كانت القصيدة بعنوان "ماذا أغني؟ "وقد راح مستهلها، بصيغة اخوانية ومن ثم انطلقت بما عـنّ للشاعر في حينها، وجاش في حناياه ووجدانه، ولربما كان توصيفه للواقع، وتنبؤاته عن المستقبل، بمثابة "برنامج"عمل سياسي ووطني جامع. كما ان هناك  قصائد عديدة اخرى، في سنوات العقد الثمانيني، تصبّ جميعها في تقييم الاوضاع في العراق، ومنها قصيدة "بغــداد“  الرائية عام 1980 وبائيّة  "برئت من الزحوف" المنظومة عام 1985 ..

ثانيا:  في براغ.. اقامةً وشعرا

  الى براغ، مغتربه القديم – الجديد، يعود الجواهري ربيع عام  ليقيم في "شقيّقة" مؤجرة لا تتعدى مساحتها الستين متراً مربعاً أو تكاد، منشغلاً بالشعر والوطن وما بينهما، باحثاً عن استقرار ما، عارفاً سلفاً أن ذلك وهماً بعيد المنال لمن مثله.  وهكذا تعود تلك "الشُقيّقة" في ثمانينات القرن الماضي، كعهدها  في ستيناته وسبعيناته، مزاراً وملتقىً لشخصيات وطنية وسياسية معارضة، ولنخب وشخصيات عراقية وعربية، تستمع لآراء الجواهري، واستشرافاته..

 كما تشهد تلك "الشقيّقة" ولادة العديد  من القصائد الوجدانية والسياسية، وغيرها، جاء أغلبها موثقاً لنظرته وآرائه في رواهن الأحداث والوقائع العراقية والعربية السائدة آنذاك، وان اتخذت الحوارات والمخاطبة الذاتية إطاراً لها، ومن بين جديده في تلك الفترة، وكان غالباً ما يعبر بهذا الصدد "ان جلَّ قديمي جديد أيضاً"  قصيدته الشــهيرة "يا ابن الثمانين" ليبث فيها هموماً وشجوناً وبعض غضب ومرارة من الوطن و"أصحاب" و"زعاماتٍ من كثرِ ما اعتلفتْ بها مسٌ من الحبلِ" على حد وصفه. كما نوّه فيها لتجاوزات "متطاولين" حاولوا هزّ دوحه، وحذّر أن يسيّر فيهم "الأمثال" خالدات! وقد نشرت تلك القصيدة لأول مرة صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 19/2/1982.

ومن الطبيعي، والبلدان العربية شهدت ما شهدته، في تلك الفترة التي نوثق لها، ان يشارك الجواهري بالرأي والكلمة والحرف، متابعا ومحرضا ومنورا، ومنه ما جاءت به ميميته بتاريخ 1983.7.5  ومطلعها: أأبا مهند والجراح فـمً، وعلى الشفاه من الجراحِ دمُ. وفي ختامها: أأبا مهند شرّ من حكموا، ما كان لولا ذلّ من حُكموا/ ماذا على الراعي اذا أغتصبت عنـزٌ، ولم تتمرد الغنــمُ.  وهي رد على رسالة في  قصيدة  بعث بها اليه نقيب الصحفيين السوريين، صابر فلحوط، وكنّاه فيها بـ "أبي مهند"  فظن الكثيرون بأن المقصود هو العلامة مهدي المخزومي، أوضحنا ذلكم اللبس  في كتابة سابقة. (2)

وللتوثيق ايضا، نشير الى ان للجواهري، نظم في الأعوام الخمسة الأخيرة من ثمانينات القرن الماضي قصائد أخرى عديدة  اختلفت محاورها، كما ورؤاها، وتنوعت بين دالية "عهد المروءة" في مناجاة براغ عام 1985 وميمية " عشرون بلفور في عشرين عاصمة" السياسية عام 1986 ورثائــية حزينة مؤثرة لشقيقته الوحيدة "نبيهة"  التي  ألقاها وهو ينتحبُ في دمشق خلال تشييع ومراسم مواراتها  الثرى هناك عام 1987..

ثالثا: في دمشق الشام

 في مطالع الثمانينات تجدد الجهات الرسمية السورية، وعلى ارفع المستويات دعوتها للجواهري، باستضافة مؤقتة أو دائمة، وبالشكل الذي يراه مناسباً، والصورة التي يريد. وهكذا يقرر الشاعر الكبير قبول الدعوة، بكل ما يترتب عليها من تداعيات سياسية، فيسري إلى دمشق مع عقيلته، عام 1983 وحتى تاريخ رحيله الى الخلود في 1997.7.27 وموراته الثرى في تربتها، حتى اليوم. وقد ابقى براغ "مستقراً" آخــر، يتقاسمه مع "مستقره" الجديد...

 لقد كان هناك احتفاء واسع ورفيع من القيادات السورية، والرئيس حافظ الاسد شخصيا، بالجواهري طوال  اقامته في دمشق.. كما راح مستقره محط زيارات ولقاءات للنخب والشخصيات السياسية والثقافية السورية والعربية، فضلاً عن العراقية الوطنية والديمقراطية. كما كان يحضر – ولو قليلا - بعض الفعاليات العامة  التي اقيم بعضها على شرفه، ومن ابرزها في مدينة  اللاذقية عام 1983 وفي اسبوع الثقافة العراقية (دمشق- 1986) الى جانب فعاليات محدودة اخرى. (3)

رابعا:  لواعج ومواجهات ..

  امتدادا لطبيعته الثائرة، وتمرده الجامح، خاض الجواهري مواجهات " ادبية" وسياسية، مع مثقفين ورسميين حكوميين ومعارضين، وغيرهم، خلال عقد الثمانينات.. وقد حملت تفاعلات، وانفعالات في قصائد وردود غاضبة، لم يبقِ في عدد منها ولم يــذرْ، ومن بينها:-

* مواجهة د. عبد الله الجبوري، ردا على مؤلفه المعنون " الجواهري ونقد جوهرته" الذي اعيد نشره وتوزيعه مطلع الثمانينات، وكان تقييم الجواهري له بأنه كتاب موغل في الادعاء والأساءة واللاموضوعية، فكتـب حول الامر بائية هجائية، عنوانها "عبدةُ .. " ومطلعها:

 " أ عبدةُ يا آبنة الطربِ، ويا معسولة الشنبِ/ ويا معزولة النصفين مبتعدٍ ومقتربِ" ..

* ردُ نثري عنيف للجواهري على ما نشرته صحيفة " تشرين" الرسمية السورية بتاريخ  1987.7.18 حين تطاول فيها، وبأسفاف،  محرر جهول كما بدا، فتحملت الصحيفة وزر ما كتب، ولتنشر اعتذارا بالغا، في مقدمة للــرد الجواهري الجامح، وقد أقتنع بقبول الاعتذار، فألغى شبه قرار اتخذه  بأن يترك دمشق ومضيّفيه، غاضبا.  (4)

* تصدٍ غضوب لما نشره محرر الصفحات الثقافية في مجلة "فلسطين الثورة" الفلسطينية، السيد سليم بركات، ضد الجواهري، في النصف الثاني من الثمانينات،  فما كان من الشاعر الا ان  يكتب رداً على ذلك في عتاب ساخن الى  الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، نشرته صحيفة (السفير) اللبنانية، في موقع بارز، ثم حصل التصالح بعد توضيحات واعتذار مسؤولين فلسطينيين بارزين بشأن ذلك..(5)

خامسا / سفرات وزيارات ..

 ربما يكون عقد الثمانين الأكثر بين عقود حياة الجواهري سفراتٍ وزيارات، رسمية وخاصة، وما بينهما.. وفي مختلف عواصم ومدن العالم: من امريكا الى اسيا الى اوربا الى افريقيا، كما تبين الخلاصات التي ستأتي في السطور اللاحقة.

1/ في الدوحة والجزائر ونيويورك

  في ربيع عام 1980 يزور الجواهري العاصمة القطرية – الدوحة، لبضعة ايام، بدعوة ثقافية رسمية كان من ابرز فقرات برنامجها حفل ترحيبي القى خلاله الشاعر الضيف مقاطع مختلفة من قصائده، الاجتماعية والوجدانية والسياسية ..

  وفي اواخر العام ذاته، اي 1980 يزور الجواهري الجزائر العاصمة لفترة قصيرة حيث كان نجله كفاح يعمل هناك استاذا جامعيا في اختصاصه، بعد اضطر الى ترك العراق أثر اعتقاله وتعرضه للتعذيب لاسباب سياسية عام 1979 واستمرار ملاحقته امنيا..

  كما يقوم الجواهري صيف عام 1981 بزيارة شخصية، قصيرة، وبرفقته زوجته آمنة، الى نيويورك، حيث تقيم ابنتهما الصغرى – ظلال مع عائلتها. مع اهمية الأشارة هنا الى انه سبق وتغاضى عن دعوة رسمية وجهت له اواخر السبعينات من مكتبة (الكونغرس) ولم يقم بتلبيتها..

2/ وفــي عــدن

   يقوم الجواهري عام 1982 بزيارة رسمية الى  عدن- عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية في حينها، وليُحتفى به هناك بصورة بالغة  بحسب شهود عيان. ومن ضمن برنامج الزيارة حفل جماهيري حاشد  أقيم على شرف الشاعر الكبير القى فيه، إلى جانب مختارات من قصائده، نونية عصماء، بعنوان "الغضب الخلاق"  نظمها بالمناسبة، ولم ينس أن يوثق في مطلعها، انطلاق رحلته الى اليمن، من براغ، موطن الثلج كما أسماها فقال:

من موطن الثلج زحافاً الى عدنِ/ تسري بي الريح في مهر بلا رسنِ ..

من موطن الثلج من خضر العيون به/ لموطن السحر، من سمراء ذي يزنِ

   ولعل من المناسب ان نسجل هنا، ولمزيد من التأرخة والتوثيق ان الرئيس اليمني الجنوبي حينذاك، علي ناصر محمد، ادام علاقات وطيدة مع الجواهري، وعلى مدى أكثر من ربع قرن، ومن بينها لقاء في براغ اواسط الثمانينات، وبعدها  في دمشق الشام، حين كان الرجلان يستقران هناك، ضيفين سياسيين مكرمين، ولسنوات عديدة...(6)

3/ ووارسو

    تلقى الجواهري عام 1986 دعوة رسمية لزيارة بولنـدا، وحضور مؤتمر عالمي، جديد، للمثقفين، من اجل السلام، في  وارسو، بمشاركة نحو 200 كاتب وعالم ومفكر وأديب اجنبي، من نحو 50 بلدا، اضافة لزهاء 200 آخرين من اقرانهم البولنديين، وقد لبى الشاعر تلك الدعوة بعد تمنع وتردد، وكان - في تلك المشاركة الجديدة في المؤتمر الجديد- واحدا من قلة سبق ان شاركت في المؤتمر العالمي، الاول، للمثقفين دفاعا عن السلم في العالم، الذي انعقد عام 1948 في مدينة (فروتسواف) البولندية. (7)

4/ وليبيـــا

     وفي عام 1987  يلبي الجواهري دعوة رسمية لزيارة ليبيا،  قضى خلالها أياماً في طرابلس، ومثلها  في مدن ليبية أخرى، بضيافة زعامات ثقافية وحكومية آثرت الاحتفاء بالشاعر العظيم، ومنجزه الشعري والادبي الفخم.. وقد منح خلال الزيارة وساما رسميا رفيعا، كما نظمت له امسيات ولقاءات عديدة، خاصة وعامة، استقبله في احدها الزعيم الليبي حينئذ معمر القذافي. وقد ابدى الشاعر الكبير خلال الزيارة موافقته على اعادة طباعة ديوانه هناك، ولكن ذلك لم يحصل، ولم تجــرِ متابعة الامر..

5/ في باريس وبودابست

 

لكي تكتمل الصورة التوثيقية عن زيارات الجواهري وسفراته خلال العقد الثمانيني الفائت، نشير الى انه اقام في باريس، مع زوجته آمنة،  لفترة وجيزة عام 1984 لعلاج نظره الذي تضرر بسبب الجهد الفائق الذي بذله منكباً على اتمام منجزه الفخم  "الجمهرة" وقد اجريت له  عملية دقيقة لعينيه، نجحت في ترميم بعض الأضرار، ولكن النتائج النهائية كانت أن يفقد قدرته على القراءة والكتابة بنسبة كبيرة، وبشكل دائم... كما قام الجواهري اواخر الثمانينات بزيارة شخصية الى العاصمة المجرية – بودابست، حيث اعتنى به هناك العديد من المحبين والاصدقاء، وليقضي اياما معهم، ويعود منها الى براغ..

سادسا: نشــرٌ واصــدارات

 شهد عقد الثمانينات اصدارات عديدة للجواهري، وعنه، ومنها الجزء السابع – الاخير- من طبعة بغداد التي ابتدأت عام  1973. وقد ضم ذلك الجزء  بضعة قصائد او مقطوعات لم تنشر، وكذلك ما فات نشره في الاجزاء السابقة ..

كما صدرت في النصف الاول من الثمانينات طبعة جديدة من ديوان الجواهري العامر، وذلك عن ( دار العودة- بيروت)  بأربعة اجزاء، اساسها طبعة بغداد سابقة الذكر.. ثم غضب الجواهري على مسؤولي تلك "الدار" لإخلالها  بالاتفاق المبرم معها، فتتصرف بدون وجه حق بالحقوق والالتزامات ..

وفي مطلع عام 1986 صدر عن (دار طلاس- دمشق)  مؤلف  "مختارات الجواهري في العيون من أشعاره" بنحو سبعمئة صفحة من القطع الكبير، اشرف على اصداره د. عبد الحسين شعبان، بتمهيد من  الشاعر الكبير، تلته مقدمة وزيرة الثقافة والارشاد القومي السورية، نجاح العطار، تحت عنوان "في رحاب الشعر" .. 

 وفي مجالات النشر عن الجواهري في الثمانينات، والتي تعددت في وسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، نوثق  الى تسع حلقات متتابعة  تحدث فيها الشاعر عن ذكرياته الى مندوبة مجلة (المجلة)  اللندنية، الكاتبة اللبنانية هدى المّــر، عام 1982..  كما نشير كذلك الى كتاب الاستاذ حسن العلوي عام 1986  الموسوم "الجواهري .. ديوان العصر" ذلك  فضلا عما  نشره الصحفي البريطاني البارز (ديفيد هيرست) في صحيفة (هيرالد تربيون) الشهيرة  اوائل الثمانينات الماضية، وترشيحـه الجواهري كأنسب رئيس بديل لجمهورية العراق.. (8)

 وما دمنا نتحدث عن الاصدارات والنشر، لا يفوتنا هنا التنويه الى ان الشاعر الكبير قد ولعَ لأن يشرف على تأسيس دار جديدة للنشر والطباعة في دمشق، عام 1988، تتخصص بدواوينه ومؤلفاته  بشكل رئيس، وتمت اجازتها بأسم"الرافدين" وتكلف بمتابعتها نجله (كفاح) الذي كان مقيما في العاصمة السورية.  وقد عرض الامر على صاحب هذه التأرخة لأدارتها، ولكن ظروف اقامته في براغ، والتزاماته السياسية حينئذ، لم توفر له امكانية تحمل تلك المسؤولية التي رغبَ بها كثيرا.. وقد كانت باكورة اصدارات دار الرافدين، عام 1989 الجزء الاول من "ذكرياتي" للجواهري ..

سابعا / طبعة متميزة من الديوان

صدر في عام 1984 عن وزارة الثقافة السورية الجزء الخامس- الجزء ، من ديوان الجواهري، وقد كان جزؤه الاول قد اصدرته عام 1979 .. وهي طبعة  فريدة ، واولى من نوعها كما ندري،  لأنها اعتمدت نشر القصائد وترتيب تسلسلها  ليس زمنيا كما هو معتاد، ولكن وفق احرف المعجم (الابجدية العربية) التي جائت بها القوافي.. وبلغ عدد صفحات الاجزاء الخمس ثلاثة  الاف صفحة من القطع الكبير، وبالحرف الصغير، نسبيا. اما اساسها فهي طبعة بغداد في السبعينات الماضية، ذات السبعة اجزاء، مع اضافات لبعض قصائد، وشروح لأخرى، وتشكيل وتدقيق وتصحيح.. وقد عني بالاشراف على اصدار الديوان وفهارسه: د. عدنان درويش (9).

ثامنا: الجمهرة ..

 حرص الجواهري وهو في منتصف تسعيناته، أن يجهد بكل مثابرة لأغناء المكتبة العربية بمنجز ثقافي وشعري نادر بفخامة محتواه، وذلكم هو موسوعة "الجمهرة" التي بعشرة اجزاء، يضم مختارات لمئات الشعراء العرب، ومن مختلف العصور، تتولى اصدارها وزارة الثقافة السورية. وقد انشغل بها الشيخ الجليل عامي 1983-1984 في دمشق الشام، وليشرف على تنقيحها وفهرستها وترتيبها لاحقاً د. عدنان درويش، ليصدر الجزء الأول منها عام 1986 مكرسا  للعصر الجاهلي بنحو تسعمئة صفحة من القطع الكبير...

  وفي جمهرته، لم يكتف الجواهري  باختيارات "العيون الشعرية" وحسب، بل وأوجز سطوراً عن حياة أصحابها الذين ضمتهم الموسوعة، وقد كان للفحول من الشعراء حصتهم الأميز في هذا المجال. وقد سبق كل ذلك ليكتب في المقدمة  مناقشة مهمة تنتصر للشعر الجاهلي، وفي حوالي  40 صفحة وصفحة، اثارت اهتماما بالغا عند المختصين والمتلقين على حد سواء، وقد نشرها الاستاذ فخري كريم، منفردةً في اصدارات مؤسسته - دار المدى. اما مصادر"جمهرة" الجواهـري فكانت من بينها  "الأغاني" و"العقد الفريد" و"خزانة الأدب" و"الفضليات" و"حماسة ابي تمام" ومختارات "البحتري" و"البارودي" و"ادونيس" و"هادي العلوي" وغيرها، فضلاً عن دواوين العشرات من الشعراء المعنيين، ثم لتتم الاستذكارات، فالاقتباسات فالتصحيح فالتنقيح والترتيب، فالطبع.. (10)

تاسعا:  "ذكرياتي"

 صدر في عام 1989 الجزء الأول من "ذكرياتي" للجواهري، وأعقبه الجزء الثاني عام 1990 وتجاوز عدد صفحات الجزأين  ألف صفحة من القطع الكبير. وقد كان  الشاعر قد بدأ  في أوائل الثمانينات الماضية كتابة رؤوس أقلام ومواجيز وخلاصات استهلك فيها عشرات الصفحات.  وبعد فترة لم تطل، استعاض الجواهري عن ذلك الخيار بآخر، وهو توثيق الذكريات بأشرطة فيديو، بلغ عددها أكثر من عشرين شريطاً، سُرق بعضها، وتلف قسم آخر بسبب سوء الحفظ...

 لقد ترافق مع تسجيل الذكريات على أشرطة الفيديو اياها، تسجيل أشرطة كاسيت صوتية في نفس الآن والمكان، ببراغ أعوام 1984-1986... ثم قامت بعدها نخبة شبابية من متطوعين عراقيين في دمشق عام 1988 بتفريغ تلك الأشرطة التي بلغت نحو ثمانين ساعة، على الورق، ثم لتقرأ المسودات بشكل أولي، وتدقق ثانية، بمشاركة مباشرة من كاتب هذه التأرخة... ثم لتطبع من جديد، وليعمل عليها بجهود بارزة، وغيرها، أكثر من باحث وكاتب واعلامي، ولا سيما الافاضل: هادي العلوي وفالح عبد الجبار وعبد الكريم كاصد وزهير الجزائري. وكذلك خلدون جاويد وهاني الخيّـر، لفترة قصيرة، ولتوضع بعدها أمام الجواهري، فيعيد، ويصحح ويحذف ويوجز، ويوسع، وبالاعتماد على ذاكرته وحسب، وهو ابن تسعين عاما. ثم ليصدر بعد ذلك جزءا "ذكرياتي" على الشكل الذي صدرا به...

لقد كان مبدأ كتابة "الذكريات" موضع تردد كبير، أصلاً، لدى الجواهري. فمثل ذلك الأمر قد يعني، من جملة ما يعني، ان المرء قد وصل الى نهاية المطاف في العطاء. ولاشك فان مثل هذه الحال لم تكن لتخطر في بال الشاعر العظيم، وان كان على أعتاب التسعين... وذلك ما كان بالفعل، إذ ثمة قصائد ومواقف عديدة قد تجلى بها، وتجلت عنده، ولنحو سبع سنوات تاليات...

وبمثلما افصحت عنه مقدمتا جزأي " ذكرياتي " راحت التفاصيل والايجازات واستعراض المواقف، بصراحة ومباشرة لمديات بعيدة. واشهد هنا أيضاً كم كان الجواهري معجباً باسلوب ومضامين ذكريات للأدباء البارزين مثل:  البرتو مورافيا، وارنست همنغواي، وسلفادور الليندي، وميله للاستفاده منها اسلوباً، لولا الاختلاف في وعيّ وثقافة متلقي اولئك المشاهير، ومجتمعاتهم، عن متلقي ومجتمعات "ذكريات" الجواهري. (11)

عاشراً: خاتمــة

 يقينا بان ما جاء في هذه الكتابة لا يغطي سوى لمحات ومحطات عن  الشاعر العظيم في عقد الثمانينات- وهي ثمانينياته العمرية في آن واحد-  وذلــك في رحاب الشعر والسياسة الثقافة والحياة، وهي تفتح - كما نظن - ابوابا وآفاقا ومسارات للباحثين والنقاد الذين يريدون  تناول هذه الفترة دراسة واستشرافا وتوثيقا. كما انها توفر خلاصات ومؤشرات للقراء عموما، وخاصة الشغوفين بحب الجواهري ومتابعة آثاره. ذلك فضلا عن كونها – اي هذه التأرخة- تسجل جوانب من مسيرة البلاد العراقية وتطوراتها، وتداعياتها السياسية والثقافية والاجتماعية، في عقد زمني ملئ بالاحداث والشؤون التي انعكست على الاوضاع العامة في حينها، وكذلك على الوقائع والتطورات اللاحقة. ولا شك بان كل ذلك سيتوضح ويُبان أكثر فأكثر في تفاصيـــل الجزء القادم لما نتوجه اليه تأرخة وتوثيقا، وهـو "تسعينات الجواهري"  ثم، ما بعد الرحيـــل......  * رواء الجصاني / كانون الاول 2020

  • إحالات وهوامش وتوضيحات 

* من المهم كما نرى التوضيح بأن جميع التفاصيل والوقائع الوارده في هذه التأرخة، والتي لم يُشــر الى مصادرها، هي شهادات عيان للكاتب، ومعلومات موثقة من الشاعر العظيم.

1/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2020 بعنوان: " الجواهـري في سنوات السبعين (1970-1979).. مابين السيـرة والذكريـات" .

2/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2020 بعنوان: من هو “أبا مهند" الذي خاطبه الجـواهـري  في ميميّـته الغاضبة عام 1983 ؟!.

3/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2013 بعنوان: "مع الجواهري في دمشق" .

4/ للمزيد من الشؤون ذات الصلة عن هذا الموضوع،  كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2018  بعنوان: "الجواهري: لكي لا نعيّر باننا قوم ينكرون الجميل، ويكفرون بالنعم".

5/ للمزيد من الشؤون ذات الصلة عن هذا الموضوع،  كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2014  بعنوان: "مع الجواهري بعيدا عن السياسة والادب !! الحلقة 3".

6/ المزيد من التفاصيل عن زيارة اليمن،  في الفصل السادس من كتابنا " الجواهري بعيون حميمة" بغداد 2016.

7 / للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2016 بعنوان: "الجواهري في عواصم ومدن الدنيا.. قصيدة وثلاث زيارات لبولندا" .

8/ المزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع،  منشورعلى الانترنيت عام 2017  لعبد الاله النعيمي تحت عنوان: "الجواهري.. وفي الليلة الظلماء يُفتقد البـدر" .

9/ للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2020 بعنوان: " طبعة فريدة لديوان الجـواهري، بحسب أحرف الابجدية العربية" .

10/ المزيد حول "الجمهرة" على الصفحة 696 من كتاب " الجواهري.. قصائد وتاريخ ورؤى" لكفاح الجواهري، ورواء الجصاني (دمشق- بغداد) 2012.

11/  للمزيد من التفاصيل كتابتنا المنشورة على الانترنيت عام 2011 بعنوان: " ذكريات وشهادات حول ذكريات الجواهري" .

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل