/
/
/
/

علي لفته سعيد
(ولهٌ لها) عنوان يبدو وكأنه مخصّص وموجّه لشخصيةٍ لا تحمل معنى الغائب (لها) بل معنى الحضور، وإن هذا الارسال هو الذي يعطي دفعةً قوية لكي يكون الاستقبال محدّدا من خلال شفرات ما يمكن أن تعطيها قصائد المجموعة.. وهو ما يعني أيضا ان هذا التخصيص جاء في تلاعبٍ لغوي جميل بدأ فيها السراي لعبته الشعرية منذ العنوان الأول الذي كان بوابة المدينة الشعرية، بتشابه الحروف وتقابلها وتتابعها (ولهٌ لها) وهو ما يفسّر ان هذا الوله لا يولد من عدمية ولا يعطي معانيه من خلال الشعر، بل انه الحاضر الذي سبق الكتابة الشعرية لهذه النصوص، وانه الآن يرسل هذا الوله العاشق المحبّ الذي قد تكشفه النصوص في تقشير المعاني إذا ما كان من جهةٍ واحدة أم هو رسم للعلاقة القائمة التي تبدأ بالوله للوصول الى مرحلة العشق.. ولكن الإهداء يفسّر المعاني مثلما هو بداية تقشير لما سيأتي (أخيرا أنا وحيدٌ رغم وجودك) وهو استباق أوّلي ايضا لمحمول الدلالة التي تبثّ مدلولها، ليبحث عنه المتلقّي وقارئ الشعر، ليقول ضمن المستوى التأويلي إن هذا الوله يرسم خارطة طريقٍ للبحث عن مكامن التوصيل لإبراز المعاني والقصديات، بهدف اكمال الصورة وإلغاء مفردة (وحيد) ليتكامل مع (وجودك) فكلّ هذا الوله لها تلك التي تختفي في روح النصوص.
ولم يكتف السراي بهذه اللعبة الشعرية بل وضع مستهلا أوليًا لملاقاة الاهداء وإيضاح ما يهدف من خلال النصوص وما يبرزه من رسائله الخاصة.. فهو هنا لا يكتب الشعر بل يغنّيه.. ولو جمعنا معنى الوله والغناء فإن الحاصل تلك الكميات الكبيرة من التأويلات التي تنحصر في زاوية مكتوبة (مستهل أوّل) حين يذكر الحزن في جملته الأخيرة بطريقة التساؤل (ويدفن آخر برعم حزن في جفن الفرات ؟) وهنا يمكن معرفة كل هذا الوله لمن.. ولمن يقصد ولمن يرسل ولمن يقرأ.
إن بنية الكتابة في هذه المجموعة ربما من الصعب الإمساك بها.. لان اللعبة التي يتّقنها السراي أنه لا يريد إعلان الشعر فحسب بل إعطاء الشاعرية دفعتها.. ولهذا فان ما يمكن أن تعطيه عناوين النصوص هي إنها لا تشي بما يأتي لأن العنوان ليس هو أوّل رمية لرمح الشعر بل هو آخر ضربة فرشاة المعنى.. بمعنى إن النصّ لديه يبدأ في المتن ثم العودة الى العنوان لتشكيل عملية التقارب والتباعد والالتصاق بين المتن الشعري والعنوان وبالتالي إنتاج جسد النص الشعري.. ما يميز هذه النصوص إنها لا تعتمد على روح السرد في الشعر أو منح القدرة السردية على بناء النص الشعري بل على تلك الثنائيتين في هذه البنية.. الثنائية الأولى هي النصّ وقالبه الشعري.. والمفردة وقالبها السردي، ومن خلال دمج الثنائيتين نحصل على نتيجة النصّ الشعري الذي يشبه قماشا مختلف الألوان والأنواع ويمكن لكلّ من يريد استلهام نوعه أن يقرّب المعنى لما يريد حينها يتمكن من الحصول على التأويل. والثنائية الثانية هي ثنائية المفردة وتعاكساتها وليست مرادفاتها والدهشة ومعناها.. ومن خلال دمج الثنائيتين نحصل على نتيجة الشكل الشعري الذي يرتبط من أوّل جملةٍ الى نهايتها والعودة كما ذكرنا الى العنوان لربط العلائق والوشائج النصية.
فلو أخذنا مثلا نص (عودة) فإن العنوان لا يبدو بوابة النصّ الأولى بل هو البوابة التي تفضي في الأخير إلى ساحة المعنى.. ثم ندخل الى الاستهلال (كلما تذكرت عطرك/ يغمرني الأسى / كشرطي مرور يداهم سائقا يقبل حبيبته في الزحام ص 21) ان التلاعب بالمفردة في هذ الاستهلال قد لا يعني العودة.. لكنه يشي ان الفعل لشرطي المرور لأنه من قام بما يمكّن الحركة الأولى والكشف عن الحركة الثانية.. لكن العودة هنا تكمن في الكملة الاولى .. والعطر ومن ثم الأسى.. فتحضر الثنائية الثانية لتكون هي الأسّ الذي يمكن أن يكون لها قاسم مشترك لبلوغ اللحظة الشعرية ( أعود طفلا ليتابع يرسل بصدره ليتابع ارتخاء نهدين أمامه لفتاة تنحني/ أعود ولدا .. يسكن السطح لساعات/ ويصادق الشمس طمعا بأن يرى فخذا أبيض لابنة الجيران ص 22 ) إن هذه الشفرات المعلومة والواضحة هي عملية تكرار للثنائية الأولى ثنائية المفردة وقالبها السردي ومحاولة منح خلخلة التقابل النصي بتعارض المفردة وما تمنحه من تقابل قصدي.. فالسرد حاضر في جملة أعود طفلا.. لفتاة تنحني .. مثلما هو حاضر في جملة يسكن السطح.... لابنة الجيران .. وتتحقّق الثنائية الثانية في الجمل الأخرى التي يسطرها السراي للكشف عن تلك المكنونات التي يريد افتضاح أمرها ليس من خلال فكرة النصّ فتلك أمور أخرى، بل من خلال البنية الكتابية التي يسعى الى تقشير أو توشّح معالمها (أعود مهندسا يقيس طول الطرقات بعدد الاغاني/ التي من الممكن أن يسمعها حبيبان ص23) وهي هنا ثنائية الدهشة المرتبطة بكل تأكيد بالثنائية الأولى وتعدّد المقاصد والتنقلات في عملية العودة التي ينشدها والتي تتكرّر بقصديةٍ واضحةٍ، والتي تنبني على أساس استحكام خلاصة المعنى وغائية المفردة وهدف العنوان، الذي نرى إنه يعود الى الانتباه له بعد الانتهاء من قراءة النصّ، لربط تلك العلاقات المهمة في روح النص.. والتي تبرز كليا في نهاية النصّ الذي يكون فيه بثّ كل الشاعرية لينتقل من مرحلة كتابة الشعر الى غنائه (تلك هي النتيجة الجاهزة بعد كل محاولات ّ الغياب/ فما تبقى من كل لا شيء يكفي بأن نشعل الغابة / بقداحة عاطلة / وأن ندخن آخر نفسين من شفتين معا / ونحن نتهيأ للوداع الجديد ص24 )
إن هذا النص / القصيدة هي أنموذج ربما يكون ملائما لكلّ النصوص الأخرى في عملية التدوين الشعري لعمر السراي في هذه المجموعة.. وهي تبيان لخاصية التلاعب الشعري الذي أنتج النصوص وكوّن منها علامةً مميزةً في الكتابة الشعرية التي يمكن للمتلقّي أن يستخلص منها الشاعرية التي يريدها، من خلال استطاعته فكّ الشفرات التي تعطيها عملية تأويل المفردات.
**************
جدلية الوطن والمرأة
حامد عبد الحسين حميدي
إنّ مساحة الاشتغال التي اعتمدها الشاعر في (وَلَهٌ لَها) *، تمنحنا رؤية وعي متكامل في كيفية تعامل الشاعر إزاء عنصرين لهما الحضور الفاعل في الحراك الشعري ألا وهما (المرأة والوطن)، ولعلّ السراي وجد فيهما الصورة التي يحلم أن تكون واحدة لا تتجزأ فيما يحمله داخلياً، فهو ينظر إلى المرأة بحرية الذات المطلقة، التي لها كينونتها وحظوتها المجتمعية، والتي ارتبطت عنده ارتباطاً وثيقاً بعلائقيته بوطنه، بغض النظر عمّا يدور في مخيلته من انفتاح ذي منحى خاصّ للأنثى / الحبيبة التي بدأ يفتح لها كلّ الفضاءات والبحث في تفصيلاتها من دون أن يقف عند حدّ معين :
"وسأترك اختيار العناوين لك / الفصول لك / الأبواب لك / المقدمة لك / اختاري ما تشائين كما كنت تختارين لي فساتين / ما تلبسين".
إنّه يتخلى عن تلك الذكورية المجنونة / الصارمة التي تفرض كلّ الاملاءات، والتي غيّبت هذه الإنسانة الفاعلة، ليترك لها - وبهدوءٍ تامٍّ - كلّ الخيارات مفتوحة، ضمن أفقية التنامي في نضوج النصّ، لأنه يراها من زاوية محدّدة في ابتهالات ذكريات، وبما ينسجم مع التدرّج المتماهي شكلاً ومضموناً، هذا التعامل من الشاعر فيه إعادة بناء مستويات الفهم الإدراكي، فهو يبتعد عن لوثة الجنس الصارخة وينبذها، ولا يخوض في تفصيلاتها إلا ما ندر جداً، فالأنثى / المرأة .. لديه قصيدة ومدرسة وأبجديات قراءة خلدونية وذكرى وصوت متموسق في الآذان، وألوان ماكياج وعطر ينساب حسيّاً وفستان يغري بالتقرّب، مكانتها تتراءى في رؤية العلاقة الإنسانية، وبما تشكّله من تطهير للذات الشاعرة، هي من المهيمنات الحاضرة نصيّاً لديه،
وأن أتمنى أن يمرّ من قربك من يضع نفس /عطري .. / ليذكرك بي .. /حبيبتي /لقد تعوَّدت على الخسارة / فما الذي يمكن أن يخسره من يمتلك صفراً".
الأمنية التي يعرضها الشاعر (السراي) لحبيبته، أن يجعل ثيمة (العطر) انعكاساً واضح الدلالة يذكّرها بعطره كلما مرّ رجل آخر يضع العطر نفسه، وهذا الأمر يحيلنا إلى مدى الانفتاح التأثيري - لديه - الذي يشعرنا أحياناً بلحظة الغياب والنفي والحرمان، وما ينتج عنهما من تتابعات حسيّة ونفسية خاصّة، أمّا الخسارة التي تعوّد عليها، فلم تكُ خسارة بالمعنى المباشر بل كانت تنصبّ ضمن جماليات الصياغة الفنيّة التوظيفية التي اعتمدها، حيث استطاع أن يوظّف العدد (صفر)، وما يشكّله أمامنا من صورة الإحباط النفسي / التراجعي، ترميز (للا شيء / الفراغ) - مرّة -، والحاضن المنبت للأرقام الأخرى في تغيير تسمياتها بمجرد وضعه في جهة اليمين، ليكسبها بُعداً دلالياً آخر عمّا كانت عليه - ثانية - .
كلما تذكرتك ..
أعود طفلاً يرسل بصدره ليتابع ارتخاء نهدين"
المقطع يكشف لنا عن صورة للاسترجاع التخييلي الذي عمد إليه الشاعر، لفترة المراهقة والتعلّق ذهنياً بذكريات كانت وما تزال تنبض وتعود من جديد، هي انطباعات تتوالى عليه، لترسم حلماً يداعب أفكاره من خلال تكرار الفعل (أعود) مرتين، ليمثلا فترتين مختلفتين عمرياً، وكأنه يحاول أن يعود ليرتبط معهما زمنياً، ليحظى بلقطتين مختلفتين لصورة واحدة (لابنة الجيران) مع اختلاف عمره، وذا / يدلّ دلالة قاطعة على أنّ منظور الغياب ومؤثراته الخارجية والداخلية، ما تزال تلتصق بالشاعر ذاتياً، فهو لم ولن يستطيع الانفلات منها، كونه يقع تحت وطأة الضغط النفسي.
ثم نجد الشاعر (عمر السراي) يصرّح عن تلك الجدلية بين المرأة الحبيبة والوطن الذي يعاني من منغصات حياتية، حيث بشاعة الحروب وويلاتها، وصور الشواجير والمدافع وجثث القتلى والدماء وصور الخداع السياسي وهم يبنون عروشهم على خيباتنا وضياع تلكم الأحلام الغضّة:
"حبيبتي ..
غدا ستنتهي الحروب ..
وسأتحدث لك عن الشواجير التي ألقمناها
بدمائنا ..
وعن المدافع التي لم تكن تسأل عن طوائفنا
وسأكشف لك عن وجوه جميع السياسيين
المصلين وهم يبنون عروشهم الدائمة على اختلاط
جثثنا التي لا تصلي بل يصلَّى لها"
الخطابية المرسلة التي يوجّهها الشاعر إلى حبيبته (حبيبتي)، فيها جملة من الكشوفات المستورة التي خبّأها طيلة عقود من الزمن، كونها حملاً ثقيلاً لا يقوى على تمديد إبقائه سرّاً، إنّ بشاعة الأحداث ومؤثراتها عليه، جعلت من بوحه إلى حبيبته بما يستره، علامة دالّة على أمرين : أنّ الـ (عكّاز) يتحوّل إلى موازٍ تصويري ذاتيّ بين شخصين : إنسان يحمل عكازاً أو عكاز يحمل إنساناً، وبما يحقق أعلى نسبة من التماهي والجدل، والأمر الآخر / وطنيته التي لن يشعر بها أحدٌ سواه، لما تمثله من ثيمة ينفرد بها .
سواء أكنت أسير على رجليّ أو على عكازة .. /تذكرهم بأنني وحدي أذكرهم بخطيئتهم التي لن / أنساها .. / ووطنيتي التي سينسونها حتماً".
لذا عمد إلى تفعيل حرف السين الدال على الاستقبال مرّة في (ستنتهي / سأتحدث / سأكشف / سأصطحبك / سننتظر/ سينسونها) وفي الأفعال والأسماء أخرى (تسأل / السياسيين / سواء / أسير / أنساها)، حيث ورد (13) مرة .. ويمتاز هذا الحرف بصوت صفير عالٍ يوحي بنفس قلقه، ويدلُّ على الحرقة والانحدار والعلو، وينسجم مع رؤى تشير - غالباً - إلى الظلم والقهر والاستبدا
ثم يتصاعد نبْر الحبّ والوطن معاً، في مشاهد دالّة على التفاوت النفسي، حيث يلجأ إلى التخييل التصريحي، كي يبني عالمه بعيداً عن ضجيج الحياة ومعتركها المأزوم :
أحبُّ كثيراً ..
"ولأنّ الوطن لا يستوعب أن يحقق لي كل ذلك"
الشعور بالخيبة والخذلان والضياعات المتكرّرة، تجعلنا نفقد قدرة التوازن على تقبّل فكرة: أن الوطن سيحقق كل أحلامنا وطموحاتنا، فالوطن (لا يستوعب / لا يحقق / أضيق / واسع الخراب …) ليتكرّر تركيب (لأنّ الوطن) في قصيدة (مشاهد حرّة)، (9 مرات)، حيث يجعلنا نشعر بالهزيمة المعلنة، نشعر بالضعف والانهزام النفسي، ونحن نردّد ما يقوله الشاعر (السراي)، فلا فسحة أمل تتحقّق فيها، كلّ ما يتحقق هو مجرد سرابٍ يتراءى لنا من بعيد، مما يضطرّنا إلى الغور في أعماق النفس لبناء عالم خاصٍّ، عالمٍ يتسع لأحلامنا وأمنياتنا الموءودة … بذا / نجح الشاعر السراي في إقامة علائقية / توافقية ما بين الحبيبة والوطن حتى وان كانت من المتخيّل .. وإيجاد مبررات البقاء والعيش في قنوات اتصالية (فيلم هوليودي / رواية / فليم مع جيمس كاميرون / أفلام كارتون)، إنها محاولات تعويض عمّا يحيط به من تراكمات نفسية ضاغطة لا يمكن الانفلات منها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* وَلَهٌ لَها، مجموعة شعرية، عمر السراي، دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر، 2018.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل