/
/
/

شاعر وإنسان يمتلك إحساسا عاليا بقوة مفردته داخل جملته الشعرية التي غالباً ما تدخل القلب بسرعة فائقة. رحل عنا قبل سنوات لكن قصائده ما زالت تعيش معنا، مع آهاتنا وآلامنا وأحلامنا. صوره الشعرية الجميلة عادة ما ترتفع من الأرض الى السماء ليصوغ منها قلائد ويشذرها بالقمر ويقدمها لحبيبتة، أنه الشاعر الكبير كاظم الرويعي المولود عام 1941 في ناحية المدحتية التابعة لمحافظة بابل والذي خطت أنامله لكل عشاق العراق ومحبيه أجمل وأروع القصائد التي غناها كبار المطربين.
في بداياته الأولى كان يكتب الشعر الفصيح لكنه سرعان ما انتقل الى كتابة الشعر الشعبي الذي أبدع فيه وأصبح أحد رموزه. تعرض الى الاعتقال والتعذيب داخل سجون نظام البعث الفاشي بسبب مواقفه الوطنية وانتمائه الى اليسار العراقي وأصيب داخل المعتقل في ساقه اليسرى التي ظلت تعيقه عن الحركة حتى رحيله.
قرأت للرويعي الكثير من القصائد وسمعت أغانيه الجميلة التي تخاطب القلوب بطرق غاية في الجمال. وذات يوم كان جالساً في أحد أركان مقهى السنترال بعمّان مع الشعراء فالح حسون الدراجي ومكي الربيعي. وأول دخولي المقهى نادوا عليّ، ذهبت صوبهم، فقال لي فالح الدراجي: أتعرف هذا الرجل؟ قلت لا. قال هذا كاظم الرويعي. قبلته وقلت له كيف كتبت لنا "ليلة ويوم" و"يانجوم صيرن كَلايد"؟ ابتسم الرويعي ثم حدثني عن حالته المادية ووضع عائلته الصعب داخل العراق في ظل ظروف الحصار القاسية.
ساعات طويلة قضيناها ما بين المقهى والمطعم تخللتها الأحاديث الجميلة وذكريات قصائده وأغانيه الخالدة التي جعلت من الأغنية العراقية ترتقي الى أعلى المستويات. سترته القهوائية التي كان يرتديها ونظاراته الطبية تجعل بساطته وفقره وطيبته كلها مجتمعة في هذه السترة وتلك النظارة. أنه كاظم الرويعي الذي قال فيه شاعر العرب الأكبر الجواهري: كلما استمع لأغنية "يم داركم" التي كتب كلماتها كاظم الرويعي تجعلني حزيناً وفرحاً في الوقت نفسه ، لقد أجاد بها الرويعي وليس عليه بجديد.
انها شهادة تساوي وسام الشعر الأعلى.
أصدر الشاعر كاظم الرويعي أول ديوان له في عام 1968 بعنوان "البيرق". وفي عام 1975 أصدر ديوانه الثاني "الفجر وعيون أهلنه" وقبل أن يودع عالمنا عام 2002 في احدى مستشفيات العاصمة الأردنية عمّان كان قد أصدر ديوانه الثالث "صبر أشموع".
ذهبت الى دمشق في نهاية التسعينيات، وفي سوق السيدة زينب رأيت مجموعة من كبار السن يجلسون في مكتب. نادى عليّ أحدهم، ألتفتُ له، كانت الإبتسامة تطرز وجهه الذي أنهكته الغربة، وإذا به الشاعر كاظم الرويعي الذي فرحت كثيراً بلقائه في ذلك اليوم.
قلت له ما الذي جاء بك الى دمشق؟ فأخبرني انه تم قبوله وعائلته كلاجئين في مكتب المفوضية وبانتظار السفر الى هولندا قريبا، وقد طلبت زوجته زيارة دمشق والسيدة زينب.
كنا نلتقي كل يوم حتى عدت الى النرويج وهو عاد الى عمّان، كنت سعيداً بخبر سفره القريب لكن قدره وقبل السفر الى هولندا بأيام أدخل الشاعر كاظم الرويعي المشفى ليفارق الحياة بسرعة فائقة! كان ذلك في 3/2 /2002
في قصيدته المغناة "يا نجوم صيرن كَلايد" يطلب الشاعر من النجوم ان تنجمع بقلادة واحدة والقمر يكون شذرتها حتى يقوم المحب بتقديمها الى محبوبته مثل هدية يسترضيها بعد ان فضحت قصة حبهما ما بين الناس، انه شاعر بكل حرف قاله في هذه الكلمات الباهرة في جمالها وروعتها منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن.
يقول الشاعر الكبير مظفر النواب عن هذه القصيدة:" ان الشاعر كاظم الرويعي صاغ الكَلايد من النجوم بطريقة عجيبة". فعلا انها طريقة عجيبة لصائغ أكثر من ماهر، يقول الرويعي في قصيدته الخالدة يا نجوم:
يا نجوم صيرن كَلايد يا كَمر شذره
صوغة ولف للولف يضون على صدره
يا نجوم هيج العشكَ لو بس أنه الخسران
براس الشليلة أصبحت وحجاية بالديوان.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل