عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي إجتماعها الاعتيادي الكامل في بغداد يومي الخميس والجمعة ٢و٣ تموز ٢٠٢٦، ناقشت فيه تطورات الأوضاع السياسية في البلاد والمنطقة، ومآلات تشكيل الحكومة الجديدة، وتصاعد أزمة منظومة المحاصصة والفساد، وانعكاسات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على حياة المواطنين، فضلا عن مهام الحزب السياسية والفكرية والتنظيمية، والتحضيرات الجارية لعقد مؤتمره الوطني الثاني عشر.

واستهل الاجتماع أعماله بالوقوف دقيقة صمت، تكريما لذكرى الرفاق والأصدقاء الذين رحلوا عنا خلال الفترة الماضية، وفي مقدمتهم الرفيق العزيز حميد مجيد موسى، السكرتير السابق للجنة المركزية للحزب، مستذكرا مآثرهم النضالية وما قدموه من تضحيات جسام في سبيل قضية الشعب والوطن، ومن أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وتوقف الحضور، بمسؤولية عالية، عند التطورات الخطيرة التي تشهدها المنطقة، في ظل استمرار العدوان والحروب والتدخلات الخارجية، مجددا إدانته للحرب العدوانية الأمريكية - الاسرائيلية ضد إيران، ومحذرا من تداعياتها الكارثية على شعوب المنطقة وأمنها واستقرارها. كما أكد تضامنه الثابت مع الشعبين الفلسطيني واللبناني، في مواجهة الاعتداءات الصهيونية الغاشمة المتواصلة، مشددا على ضرورة إبعاد المنطقة عن الحروب والتصعيد، وضمان حق شعوبها في العيش بسلام وأمان، وفي الحرية والديمقراطية، والاستجابة لإرادة الشعب الفلسطيني في انهاء الاحتلال الصهيوني وإقامة دولته الوطنية المستقلة على أرضه. كما جدد موقفه التضامني مع شعب السودان وقواه الوطنية والديمقراطية ونضالها من أجل وقف الحرب الكارثية وإحلال السلام وتحقيق الحكم المدني الوطني الديمقراطي.

وعبّرت اللجنة المركزية عن دعم الحزب لنضال الشعوب والقوى والتنظيمات السياسية، الشيوعية واليسارية والديمقراطية والحركات الاجتماعية التقدمية، وتعزيز التضامن العالمي من أجل السلام، وفي سبيل عالم خال من الحروب، وضد القمع وانتهاكات حقوق الانسان، وفي مواجهة التنظيمات الإرهابية والحركات اليمينية المتطرفة والعنصرية والفاشية والحروب العدوانية والتدخلات الامبريالية، وضد الهيمنة الرأسمالية المعولمة والليبرالية الجديدة المنفلتة، ونزعة العسكرة وتأجيج نزاعات مسلحة تهدد الامن والسلم العالميين.

وفي الشأن الوطني، ناقش الاجتماع أبعاد تشكيل الحكومة الجديدة في البلاد، وما رافقها من سياقات سياسية عكست عمق الأزمة البنيوية لمنظومة الحكم القائمة على المحاصصة الطائفية والاثنية، التي ما زالت تتحكم بمسارات الدولة ومؤسساتها وقرارها السياسي والاقتصادي. ورأى أن تشكيل هذه الحكومة جاء في سياق مرحلة معقدة، تتداخل فيها إعادة ترتيب موازين القوى الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها احتدام الصراع الأمريكي الإيراني وانعكاساته المباشرة على العراق.

لقد وجدت قوى المحاصصة نفسها، تحت ضغط الأزمات الداخلية والتدخلات الخارجية وتراجع قدرتها على التحكم المطلق بمسار الأحداث، مضطرة إلى القبول بتسوية سياسية أفضت إلى تشكيل حكومة غير مكتملة ومثقلة، منذ ولادتها، بسياقات المنظومة الحاكمة ذاتها التي أنتجت الأزمات المتراكمة في البلاد.

وعلى الرغم من محاولات إظهار الحكومة بوصفها بداية لمسار مختلف، فإنها ما زالت تستند في بقائها إلى القوى ذاتها التي أدارت النظام السياسي طوال السنوات الماضية، واستفادت من تقاسم المواقع والمغانم في الدولة، وأسهمت في إضعاف مؤسساتها وتوسيع شبكات الفساد ونهب المال العام والزبائنية.

فلم يعد الصراع الجاري يقتصر على توزيع المناصب والمواقع داخل السلطة، بل امتد إلى طبيعة الدولة وسياستها الاقتصادية وتموضعها الإقليمي وحدود استقلال قرارها الوطني وضمان سيادتها.

فهناك توجه واضح نحو توسيع دور القطاع الخاص واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وخصوصا الأمريكية، وإعادة تعريف دور الدولة على نحو يجعلها أكثر انفتاحا على رأس المال المحلي والأجنبي، في إطار اقتصاد سوق يضيق من الوظائف الاجتماعية والتنموية للدولة.

غير أن هذا التوجه وهو يقدم نفسه بوصفه "إصلاحا"، لكنه ليس إصلاحا فنيا حيادياً، بل ذا مضامين أيديولوجية وطبقية وتداعيات اجتماعية، اذ يجرّد الدولة من دورها الاجتماعي والتنموي الوطني، ويشدد استغلال الفئات الفقيرة والمهمشة والشرائح الوسطى، ويضعف السيادة الوطنية، وهو كذلك يصطدم بطبيعة منظومة المحاصصة ذاتها التي حولت الدولة إلى ميدان لتقاسم النفوذ والعقود والمشاريع.

ووفقا لهذا السياق، من الطبيعي والمنطقي أن يتساءل شعبنا: كيف يمكن لحكومة خرجت من رحم القوى التي أنتجت الفساد، وتعتمد في بقائها على توازناتها، أن تقود عملية جدية لتفكيك منظومات الفساد وإعادة بناء الدولة؟

إن أي إجراءات لا تمس جوهر المحاصصة، ولا تطال شبكات النفوذ الكبرى ستبقى محدودة وانتقائية، والأرجح انها تتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل السلطة، بدلا من أن تكون مدخلا فعليا لاسترداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة كبار الفاسدين، وإنهاء منظومة تقاسم الدولة.

وفي هذا السياق، توقف الاجتماع عند الإجراءات الأخيرة التي أقدمت عليها الحكومة والقضاء وهيئة النزاهة والقوات الأمنية في ملاحقة عدد من المتهمين بقضايا فساد، ورأى فيها خطوة لا يمكن الحكم على جديتها إلا بمدى استمرارها وشمولها وشفافيتها.

فالفساد الذي تجذر في بلدنا منذ أكثر من عقدين هو نتاج مباشر للمحاصصة، ووجهها الآخر في نهب المال العام وتخريب مؤسسات الدولة. لذلك فإن المطلوب ليس الاكتفاء بحملات محدودة، مهما حظيت بترحيب شعبي، انما المطلوب والمرغوب هو تحويلها إلى مسار قانوني وسياسي شامل يستعيد الأموال المنهوبة، ويقدم الفاسدين إلى العدالة، كبارا وصغارا، ويحاسب داعميهم والمتسترين عليهم، ويكشف للرأي العام معطيات التحقيقات وفق القانون والقضاء العادل، ومن دون تمييز أو انتقائية.

إن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون حقيقية ما لم تقترن بتفكيك الأساس السياسي الذي ينتجه ويحميه، أي نهج المحاصصة، وإلغاء المكاتب الاقتصادية للأحزاب والكتل السياسية، واحترام آليات التعاقد الحكومي وضوابطه، واعتماد الشفافية في إعداد الموازنات وإنفاقها، لا سيما في العقود الكبيرة والمشاريع الاستراتيجية. فالفساد في العراق ليس ملفا منفصلا عن بنية المنظومة الحاكمة، بل هو أحد أعمدتها وآليات إعادة إنتاجها، ومن دونه لا يمكن فهم تضخم الثروات لدى فئة ضيقة تحتكر القرار السياسي والمال والسلاح، في مقابل اتساع الفقر والبطالة والتهميش بين ملايين العراقيين.

وتوقف الاجتماع عند الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية المتفاقمة، حيث تتواصل معاناة المواطنين بسبب تدهور خدمات الصحة والتعليم والكهرباء، وبقاء معدلات البطالة مرتفعة، خصوصا بين الشباب، وتراجع القدرة الشرائية للرواتب والأجور، ولا سيما رواتب المتقاعدين، وتعطل معظم المشاريع الصناعية، وتراجع القطاع الزراعي بفعل شح المياه وضعف الدعم الحكومي للفلاحين والمزارعين والتأخر في تسديد مستحقاتهم.

كما أشار الاجتماع إلى ما شهدته الفترة الماضية من تشريعات وإجراءات مست حقوق المرأة وزادت من معاناتها داخل الأسرة والمجتمع، في تعبير آخر عن الطابع المحافظ لأطراف منظومة الحكم المتنفذة.

إن هذه الأزمات وان بدت وقائع متفرقة، لكنها في جوهرها خيوط تشكل مظاهر الأزمة البنيوية الشاملة في نهج الحكم، حيث تحولت الدولة إلى غنيمة تتقاسمها القوى المتنفذة، ونشأ اقتصاد ريعي زبائني يعتمد على توزيع الريع وشراء الولاءات أكثر من اعتماده على الإنتاج والتنمية. وبينما تزداد أوضاع العمال والفلاحين والكادحين والكسبة والعاطلين عن العمل والفئات المهمشة والهشة والشرائح الوسطى اقترابا من خط الفقر، تتراكم الثروات الهائلة في أيدي أقلية محدودة تمسك بمفاصل الدولة وتتقاسم ثرواتها وخيراتها الوفيرة.

ولذلك فإن التغيير الشامل في نهج منظومة الحكم وبنية الدولة وإدارتها بات ضرورة وطنية ملحة، عبر الانتقال من دولة المكونات والمحاصصة إلى دولة المواطنة المدنية الديمقراطية، القائمة على العدالة الاجتماعية وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين، وعلى اقتصاد منتج ومتنوع يقلل الاعتماد على الريع النفطي، ويضع ثروات البلاد في خدمة الشعب لا في خدمة الفئات المتنفذة.

ومن هذا المنطلق أكد الاجتماع رفض حزبنا تحميل المواطنين تبعات الأزمة المالية والاقتصادية، ورفض أي سياسات تقشفية تمس حقوق الفئات الشعبية أو تفرط بالخدمات الأساسية أو توسع دائرة الفقر والحرمان.

كما دان المجتمعون كل مظهر من مظاهر القمع وتكميم الأفواه ومصادرة حرية التظاهر والتعبير عن الرأي، واستمرار الانتهاكات الفظة لحقوق المرأة، مشددين على أن الحريات العامة حقوق دستورية وسياسية انتزعها شعبنا بتضحيات جسام، وعلى رفض التراجع عنها تحت أي ذريعة.

وفي ضوء هذه المعطيات، ترى اللجنة المركزية أن العراق يقف أمام مرحلة سياسية لم تستقر ملامحها النهائية بعد، وأن مآلاتها ستتحدد بفعل عاملين مترابطين: إعادة تشكيل ميزان القوى داخل الدولة العراقية، والتطورات الإقليمية والدولية، ولا سيما الحصيلة السياسية للصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وايران من جهة أخرى. غير أن العامل الحاسم سيبقى في قدرة القوى الشعبية والوطنية والديمقراطية على تنظيم نفسها، وتوحيد جهودها، وتحويل الغضب الاجتماعي المتراكم إلى فعل سياسي واع ومنظم من أجل التغيير.

إن منظومة المحاصصة، وهي تواجه ضغوطا داخلية وخارجية، قد تقدم على تغييرات تكيفية محدودة في الإدارة والسياسة المالية ومحاربة بعض مظاهر الفساد، لكنها ستسعى في الوقت ذاته إلى الحفاظ على جوهرها ومصالحها ونفوذها. وهذا التناقض غير قابل للحل في إطار المنظومة ذاتها؛ فإما أن يتم إجهاض أي تغيير جدي، أو أن يتصاعد الصراع بما يكشف حدود هذه السلطة وأزمتها. وفي الحالتين، ستبقى المنظومة عاجزة عن تلبية المطالب الاقتصادية والاجتماعية الأساسية لفئات واسعة من الشعب، الأمر الذي يرجح اتساع الحراك الاحتجاجي بأشكال أكثر تنوعا وتأثيرا.

وفي هذا السياق، شدد الاجتماع على ضرورة دعم الحركة الاحتجاجية والاستجابة لمطالبها العادلة، وتفعيل كل أدوات وعناصر النضال السلمي، وتوفير مستلزمات بناء جبهة شعبية سياسية واسعة معارضة للمحاصصة والفساد، تكون قادرة على ربط المطالب اليومية للناس بمطلب التغيير السياسي الشامل، وعلى فرض إرادة شعبنا في السير نحو دولة المواطنة والقانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية.

وتوقف الاجتماع عند اللقاء الحواري الواسع الذي ضم قوى وشخصيات شيوعية ويسارية وديمقراطية، وناقش آفاق العمل المشترك بين قوى اليسار في العراق، ورأى الاجتماع في هذا اللقاء خطوة أولى مهمة في مسار حواري وتنظيمي مفتوح، ينبغي أن يتواصل ويتطور.. إطارا مرنا للتنسيق والعمل المشترك حول القضايا الجوهرية التي تمس حياة الناس وحقوقهم ومصالحهم المباشرة.

إن الحاجة إلى جبهة شعبية واسعة لا تنبع من رغبة تنظيمية مجردة، انما تفرضها طبيعة الصراع الجاري نفسه. فالقوى الديمقراطية والوطنية واليسارية على وجه الخصوص تواجه منظومة متشابكة من السلطة والمال والسلاح والإعلام والتدخلات الخارجية، تمتلك إمكانات كبيرة للتأثير في الوعي العام، وتستخدم الطائفية والزبائنية والإفقار والقمع والترهيب الناعم لإدامة نفوذها. لذلك فإن مجابهتها تتطلب نفسا طويلا، وتنظيما دقيقا، ووحدة نضال، وعملا ميدانيا متراكما، وقدرة على مخاطبة الناس بلغتهم وحاجاتهم ومصالحهم، لا الاكتفاء بالشعارات العامة.

كما درس الاجتماع عمل الحزب في جوانبه المختلفة، وأداء قيادته ومختصاته ومنظماته، وسجل باعتزاز النجاحات المتحققة، وفي مقدمتها انضمام أعداد جديدة إلى صفوفه من الشباب الباحث عن الأمل والمتطلع إلى المستقبل.

وشددت اللجنة المركزية على أهمية تعبئة قوى الحزب فكريا وسياسيا وتنظيميا، وتمكينها من توسيع العمل الجماهيري بين مختلف الفئات والطبقات، وفي مقدمتها الطبقة العاملة، بما فيها شغيلة القطاع غير المنظم، والفلاحون، والشباب، والنساء.

وتوقف الاجتماع عند التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب في موعده المقرر، داعيا منظمات الحزب ورفاقه وأصدقاءه إلى تحويل هذه التحضيرات إلى مناسبة لتفعيل النشاط ورفع الهمم وتعظيم العطاء، وإلى محطة لتقييم التجربة وتطوير البرنامج والأداء والأدوات، لا إلى إجراء تنظيمي روتيني.

إن المؤتمر القادم ينبغي أن يكون رافعة لمواصلة تجديد الحزب وتعزيز وحدته الفكرية والتنظيمية، وتوسيع حضوره الجماهيري، واستنهاض دور القوى والأحزاب والشخصيات الديمقراطية واليسارية في تقريب ساعة الخلاص من منظومة المحاصصة ونهجها المدمر.

وإذ تقترب المرحلة الثالثة والأخيرة من بناء المقر الجديد للحزب في بغداد، وجهت اللجنة المركزية نداء إلى منظمات الحزب ورفاقه وأصدقائه، وإلى كل الخيرين من بنات وأبناء شعبنا، لمواصلة التبرع من أجل إنجاز هذا المشروع في موعده. كما قدمت اللجنة شكرها وتقديرها العاليين لكل من دعم هذا المشروع الوطني، مشروع بناء بيت الحزب.. بيت الشعب، بوصفه رمزا لاستمرار النضال، وفضاء للعمل السياسي والثقافي والجماهيري، ووفاء لتاريخ طويل من التضحيات.

إن اللجنة المركزية، وهي تضع أمام رفاق الحزب وأصدقائه وجماهير شعبنا هذه اللوحة بجوانبها المختلفة والمهمات الملحة، تؤكد أن التحدي الحقيقي يكمن في مواجهة أسباب الازمة البنيوية الشاملة وتداعياتها، وفي الاستعداد المنظم لمواجهتها، وفي تحويل الوعي الشعبي المتنامي بفشل منظومة المحاصصة إلى قوة سياسية واجتماعية قادرة على الفعل والتغيير. فالمرحلة القادمة مرشحة لمزيد من التوترات والأزمات، بفعل عجز السلطة عن معالجة جذور المعضلات الاقتصادية والخدمية والاجتماعية، وبفعل استمرار الارتهان للصراعات الإقليمية والدولية، ما يجعل مهمة القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية أكثر إلحاحا ومسؤولية.

ويبقى الرهان الحقيقي على شعبنا، وعلى قدرته في فرض إرادته وانتزاع حقوقه المسلوبة، وعلى بناء البديل المنظم والجاهز ميدانيا وفكريا وسياسيا.

  الاجتماع الاعتيادي للجنة المركزية

للحزب الشيوعي العراقي

٢-٣ تموز ٢٠٢٦