
تطرح ظاهرة العولمة جملة من الأسئلة من بينها: هل تمثل هذه الظاهرة طوراً جديداً من الرأسمالية، أم (مرحلة) انتقالية بين طورين رأسماليين، أم انتقالاً من الرأسمالية، أم طوراً ما بعد رأسمالي؟ هل يتعين على دراسة أطوار التطور الرأسمالي أن تبدأ بالنماذج القومية الخاصة للرأسمالية أم بالبعد العالمي لرأس المال، أم ربما بتوليفة من الإثنين معاً؟
بداية، لابد من الاشارة الى ان ظهور العولمة، بصيغتها المعاصرة، يرتبط بسيرورات تفكيك النسق القطبي العالمي. والمقصود بالنسق القطبي هنا ليس وجود دول عظمى تقابل أو تنافس بعضها البعض اقتصادياً وحسب، بل أساسا وجود دول عظمى تتناقض طبقياً وآيديولوجيا مما جعل الصراع العالمي صراع اجتماعي "طبقي" وإيديولوجي.
برزت حقبة العولمة في ظل جملة أزمات مختلفة الجذور هي:
- أزمة اقتصادية بنيوية تشتعل في "المراكز الراسمالية" بدءاً من أوائل سبعينات القرن العشرين ولا زالت تتمظهر هنا وهناك بأشكال مختلفة. والمميز لهذه الأزمة أنها أنهت الازدهار الاقتصادي الذي شهدته فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
- أزمة اقتصادية اجتماعية في دول "الاشتراكية الفعلية" انتهت بتفكك معظمها وتخلخل الأسس الآيديولوجية والطبقية للأخريات.
- أزمة في " بلدان المحيط" طبقية وآيديولوجية ومجتمعية بشكل عام. أعلنت موت مرحلة "باندونغ" أنظمة ورموزاً.
ومفهوم "العولمة" مفهوم حديث نسبيا يعود الى عقد التسعينات من القرن العشرين، ونادرا ما يتم العثور على محاولات دقيقة تتجه للإحاطة بالمفهوم الى مستوى منطوق الكلمة، رغم أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور تحاليل من حقول مختلف العلوم الاجتماعية للإحاطة بإشكالية العولمة ومستوياتها المختلفة. وكما أشار المفكر المغربي كمال عبد اللطيف فإن "مفهوم العولمة ما زال مفهوما هشا حتى في الحقل الاقتصادي ..... فما تزال ملامحه مرنة مرونة التأسيس الأول ومرونة مصطلح في طور الاستواء "، وذلك لأنه " ينبغي إذن أن يكون واضحا في الأذهان أن العولمة إرادة تتجه للتحقق الفعلي وليس فعلا تاريخيا حاصلا ومنتهيا كما في الإمبرياليات في نهاية القرن التاسع عشر وعمرت زمنا طويلا". إن المقطع الأخير من هذا الاقتباس يشير الى أن عبد اللطيف يرفض المقارنة التاريخية بين المشروع الإمبريالي في القرن التاسع عشر والعولمة الجديدة (باعتبارها ظاهرة تتعلق بالرأسمالية في القرن العشرين). إن القبول بهذه المقاربة يؤدي الى إغلاق الباب بوجه أحد المسالك المعرفية التي تفيد بضرورة وضع أي ظاهرة في إطارها التاريخي الصحيح، منظورا إليها عبر تطورها التاريخي من الماضي الى المستقبل عبر الحاضر.
هذا مع العلم ان بعض الكتاب يرى أن تعابير من قبيل: (الاقتصاد العالمي) و(النظام العالمي) و(العولمة) هي تعابير مضللة توحي بمشاركة جميع العاملين فيه. ولم يكتف هؤلاء بنقد التعابير/المفاهيم اعلاه، بل حاول بعضهم صياغة مفاهيم مضادة، من قبيل: اقتصاد-عالم(monde-économie) واتصال-عالم(communication-monde) ونظام-عالم(systéme-monde) أي اقتصاد واتصال مسيطر على العالم. وهو ما يتعارض كليا مع المفهوم الغربي للعولمة التي تعتبر العالم أداة لا أهمية لها تنمو فيها الرأسمالية وتنتصر في كل مكان بالطريقة نفسها.
ومن هنا فإن ثمة سؤالاً مهماً يطرح نفسه بحدة علينا: من أين منبع التشوه الفكري الذي ولّده مصطلح "العولمة" أو الكوكبة ؟.
يبدو أن هذا التشوش ينبع من التناقض الكامن في هذه الظاهرة، العولمة، بين الوعد الإنساني الذي تحمله وبين شكل تمظهرها الحالي. إن العولمة بشكل تمظهرها الحالي الرأسمالي، سياسياً واقتصاديا وثقافياً، ليست، في الحقيقة، سوى شكل جديد من أشكال السيطرة والهيمنة، الى درجة أن كلمة "استعمار" صارت تلازمها كظلها. وبغض النظر عن الشحنة الآيديولوجية التي تحملها كلمة "استعمار"، ألا أنها تعبر عن أشكال تمظهر هذه العولمة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بـ"استعمار السوق"، السوق التي لا يحركها سوى البحث عن الربح وتعظيمه، ولا تضبطها أية قيود ولا تخضع لأي تخطيط.
وكما قلنا سابقاً فقد شاع استخدام لفظ "العولمة" منذ التسعينات. فبحسب ناعوم تشومسكي، فإن "عدوى" العولمة (Globalization)، قد انتشرت في كل ما يتصل من تفكير في العلاقات الدولية منذ نهاية حرب الخليج الثانية (1991) التي أعلنت ولادة النظام العالمي الجديد. ومع هذا فإن الظاهرة التي نحن شهودها اليوم ليست حديثة بالدرجة التي قد توحي بها حداثة هذا اللفظ. فالعناصر الأساسية في فكرة العولمة: ازدياد العلاقات المتبادلة بين الأمم، سواء المتمثلة في تبادل السلع والخدمات، أو في انتقال رؤوس الأموال، أو في انتشار المعلومات والأفكار، أو في تأثير أمة بقيم أو عادات غيرها من الأمم، كل هذه العناصر يعرفها العالم منذ عدة قرون. هل يجب أن يستنتج المرء من هذه الملاحظة بأن التبعية المتبادلة تفرض أن تخضع مشاريع كل المجتمعات لنفس القياس الذي يستوجبه التوسع العالمي للرأسمالية؟
ومن المهم إدراك هذه الحقيقة والتأكيد عليها، ولكن من المهم أيضاً الاعتراف بأن أشياء جديدة ومهمة قد طرأت على ظاهرة العولمة في العقود الثلاثة الأخيرة ينبغي إبرازها لكي يمكن فهم جوهر التغيرات الحاصلة.
فكما هو معلوم شهدت السنوات الأخيرة نقاشاً واسعاً في أوساط العديد من المدارس الفكرية والفلسفية، تستهدف توصيف طبيعة المرحلة الراهنة من تطور عالمنا المعاصر.
وهذا النقاش المتنوع والمتشعب الأبعاد كان ولا يزال يدور حول السمات الجديدة للدور المتعاظم الذي تلعبه الشركات متعدية الجنسية ورأس المال العالمي في النظام الإمبريالي العالمي، وعلاقة هذا الدور بالدولة الوطنية. ويمكن إيجاز سمات المرحلة الراهنة بالأتي:
- تراجع الطابع الوطني ( المحلي) لنظم الإنتاج أمام نظام إنتاجي ذي أبعاد عالمية؛
- اكتساب رأس المال المالي طابعاً عالمياً غير مرتبط بالنظم الإنتاجية الوطنية؛
- حدوث الفصل الدولي لرأس المال عن وظيفته وتصدير رأس المال (الإنتاجي)؛
- تقدم الثورة التكنولوجية أفقياً وعمودياً وما ينجم عنها من الاقتصاد في رأس المال، وتدويل شبكة الإعلام والاتصالات والنماذج الثقافية؛
- اتخاذ مشاكل البيئة أبعاداً عالمية تستوجب حلولاً عالمية بالمثل.
ومن خلال الأخذ بعين الاعتبار هذه المسارات في المرحلة الراهنة، يتعين طرح التساؤلات حول مفهوم العولمة والسعي لاستخراج أسسها ضمن حركة تدويل رأس المال.
ولتوصيف هذه السيرورة انبثق مفهوم هو "العولمة"Globalization فماذا يُقصد به؟
وراء آيديولوجيا العولمة العديد من الإشكاليات المنهجية/النظرية التي تستحق مناقشة هادئة تتجاوز الاحتفالية بهذا المفهوم من جهة، وتتجنب الانبهار به من جهة أخرى.
العولمة اليوم أحد المفاهيم الأكثر صدى في المناقشات التي تدور حول الاقتصاد، السياسة، التكنولوجيا .....الخ، على الصعيد العالمي، بحيث يبدو للمراقب المتأمل ( وكذلك الحائر!) وكأن كل قضية أو ظاهرة تتخطى الحدود القومية يمكن مناقشتها باستخدام مصطلحات "السيرورات العالمية" و "المخاطر العالمية".
ومن أجل فهم أفضل لهذه الظاهرة وما يرتبط بها من إشكاليات، علينا في البداية أن نشير الى الفرضية التي ينطلق منها أنصار العولمة وهي: أن هناك تغيرات كمية وكيفية تحدث في العلاقة بين النشاط الاقتصادي في مجال الأسواق الكونية، والنشاط السياسي في مجال العلاقات بين الدول.
ولكي يمكن القيام بتصنيف دقيق للعولمة وما يرتبط بها من مفاهيم وأطروحات، ينبغي علينا أن نحدد منذ البداية حقيقة وجود نمطين من أنماط فهم هذه الظاهرة.
الأول يركز على ظهور مجموعة من النتائج والعمليات التي لا تعوقها الحدود الإقليمية للدول، وهذه تدفع بدورها الى انتشار ممارسات عبر الحدود السياسية في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية.
الثاني يركز على العولمة باعتبارها خطاباً للمعرفة السياسية عارضاً وجهات نظر مختلفة حول كيف يمكن السيطرة على عالم ما بعد الحداثة. وفي هذا المجال يرى كثيرون من صناع السياسة أن العولمة تشكل واقعاً جديداً من شأنه أن يجعل اللغة الخاصة بالتركيز على الدولة باعتبارها محور العالم لغة قديمة، هي التي تحدد ما هو الممكن وما هي الموضوعات التي يمكن التفكير فيها واتخاذ قرارات بصددها.
وفي ضوء الملاحظات أعلاه يمكن فرز العديد من التعريفات. ولكن قبل ذلك لا بد من الإشارة أنه من المبكر وضع تعريف كامل وجاهز يلائم التنوع الضخم لهذه الظواهر المتعددة. فعلى سبيل المثال، يقيم مفهوم العولمة علاقة بين مستويات متعددة للتحليل: الاقتصاد، السياسة، الثقافة، الآيديولوجيا، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج، تداخل الصناعات عبر الحدود، انتشار أسواق التمويل، تماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول، نتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة.
وفي ضوء ذلك كله، فإن مهمة إيجاد صيغة مفردة تصف كل هذه الأنشطة تبدو عملية صعبة، لذلك تعددت تعاريف مفهوم "العولمة". ويرى بعض الباحثين انه "حتى ولو تم تطوير هذا المفهوم، فمن المشكوك فيه أن يتم قبوله واستعماله بشكل واسع". ومن هنا فإن مهمة إيجاد صيغة مفردة تصف كل هذه الأنشطة تبدو عملية صعبة.
ينطلق مدخل العولمة والتنظيرات المرتبطة به، من افتراض قوامه أن النظام العالمي، أو على وجه الدقة النسق العالمي World System هو الوحدة الأولية للتحليل والعمل. ويعني ذلك أن هذا المدخل يعتمد تفسيراً خاصاً لوحدة النسق العالمي، تفسيراً، إذ يتجاهل نمط علاقات الملكية الرأسمالية وتوزيع الأدوار في التنظيم الدولي للعمل الاجتماعي، يحدّد هذه الوحدة بمجرد وجود وتطور علاقات تجارية على الصعيد العالمي، ويستنبط من هذه العلاقات بصورة مباشرة - رغم ما تنطوي عليه علاقات الإنتاج الاجتماعية من تعقد معروف - الطابع العالمي في المقام الأول لكل إنتاج سلعي بوصفه تجلياً لهذه الوحدة ودليلاً عليها.
إنه، إذن، مدخل للتحليل لا يتيح توضيح التناحرات الاجتماعية والصراعات والتناقضات الفعلية. وهنا تكمن الطبيعة الآيديولوجية لنظريات العولمة الرأسمالية من هذا الطراز، إنها نظريات تبربرية Apologetic تجاه النظام الراهن. إن مدخل العولمة هذا يريد إضفاء طابع محايد على التحليلات التي يقدمها للمرحلة الراهنة من التطور. إنه يبين لنا، عبر كم هائل من المعطيات الإحصائية والتحليلات، كيف "يتعولم" الاقتصاد والمجتمع. فهو يريد أن ينشغل، إذن، بالجانب الكمي لهذه الإشكالية، مهملاً جانبها النوعي. وهكذا بدلاً من أن تتم المحاججة على أساس علمي، فإنها تتم على قاعدة إيديولوجية، وبالتالي يتم تجنب المسائل الحقيقية وتحل محلها كتلة من المعطيات الإحصائية حول الاستثمارات وحركة رؤوس الأموال على الصعيد الكوني، والتي ليست لها دلالة خاصة إذا لم يتم ربطها بالجذور الاجتماعية وحركة القوى الفعلية، وبناء نماذج رياضية خالصة من تلك المعطيات بهدف إضفاء طابع "العلم"على تأكيدات إيديولوجية خالصة، وقد وصف المفكر الاقتصادي المصري الراحل، سمير أمين، بصواب ذلك بأنه مجرد لغو خالص. ولهذا يمكن القول أن مفهوم العولمة سيظل ملتبساً مادام لا يطرح على محك المساءلة جوهر القوى المستفيدة من هذه السيرورة ( العولمة).
إن الطبيعة التبريرية للكثير من نظريات العولمة واضحة، إذن، فيما يتعلق بتلطيف المشكلات الفعلية وفي مسعاها لتأبيد السائد، لأنها لا تتحدث عن ذلك أصلاً كأن الأمر تحصيل حاصل.
أما الملاحظة الثانية التي يمكن تسجيلها على مدخل العولمة والتنظيرات المرافقة له، هي أنه يتبنى وضعاً لا زمانيا باتجاه المستقبل، أي الطابع اللاتاريخي. ويتجلى ذلك في اختزال الأفاق البشرية الى محدِدات العالم World كوجود وحيد، كمستوى وحيد، يتعين تحمل تكاليف "الانتقال الضروري" إليه. وارتباطا بأطروحة نهاية التاريخ، نهاية الإيديولوجيا، تسعى معظم التنظيرات المرتكنة لمدخل العولمة الى قطع صلتها بالماضي وتقديم المستقبل بصيغة لا يمكن تخيلها. والخلاصة من كل ذلك بسيطة: أن الناس محكوم عليهم بالعيش في حاضر يتعولم باستمرار. لا ننىسى أن هذا العالم يحكمه منطق العلاقات السائدة، أي العلاقات الرأسمالية ويتأبد باستمرار ويجب القبول به !.







