لأي بديل يكون نقد المسيري للحداثة والماركسية؟

يكمل أمين العالم فيقول ردًّا على مقال المسيري “اليسار أصبح الآن إسلاميًا”: “على أن الدكتور المسيري ما كان من الممكن أن ينتهي إلى هذا القول بانفراد المعارضة الإسلامية بالتوجه اليساري، دون إعداد لمقدمات تتيح له ذلك، وكانت مقدمته الأولى والأساسية هي تقديم تعريف زائف يشوّه به حقيقة الفكر المادي أو المادية بشكل عام، وهو تعريف مسطح شكلي، ما أكثر ما قرأناه ونقرؤه عند صغار الكتّاب والسياسيين ووعّاظ السلاطين، فضلًا عن السلاطين أنفسهم، أجلّ الدكتور المسيري عن أن يكون منهم.

ويقوم هذا التعريف على منهج معروف متداول، هو الخلط الشكلي بين كلمة “المادة” التي تعني الأشياء الحسية التي تتسم بالقصور الذاتي، وكلمة “المادية” التي تعني الرؤية المنهجية العقلانية الموضوعية لمختلف الظواهر المادية وغير المادية، وذلك بهدف كشف قوانين حركتها وتنمية المعرفة الدقيقة بها. وهذا المفهوم هو أساس الفكر العلمي نفسه، في مقابل الفكر المثالي أو السحري أو الأسطوري، أي غير العلمي بشكل عام. والدكتور المسيري يعرف بغير شك أن هناك تجليات مختلفة للمادية؛ فهناك المادية الميكانيكية التي تقترب بالفعل من مفهوم الدكتور المسيري للمادية، وهناك المادية الوضعية والفسيولوجية والبيولوجية، ثم هناك المادية الجدلية والتاريخية التي يتجاهلها الدكتور المسيري، ويخلط بينها وبين المادية الميكانيكية، ويقلص المادية التاريخية في رؤية اقتصادية جامدة ضيقة، برغم أن أي معرفة بسيطة بها تكشف عن أبعادها الثلاثة المتداخلة: البعد الاقتصادي والبعد السياسي والبعد الثقافي.

على أن المدهش حقًا أن يقول العالم الباحث الدكتور المسيري إن الفلسفة المادية ترى أن الواقع متجانس يتحرك بقوانين المادة، مع أنه يعرف عن يقين أن الفلسفة المادية تقوم على رؤية صراعية للواقع، وعلى التناقض ووحدة الأضداد والتجاوز المستمر بين الأشياء والظواهر المادية والمعنوية، لا على التجانس والثبات، فضلًا عن أن الواقع في ضوء الرؤية المادية لا يتحرك بقوانين المادة وحدها كما يقول الدكتور المسيري، وإنما يشكل الوعي الإنساني والفاعلية الإنسانية والصراعات الفكرية والثقافية والاجتماعية والقومية والمصلحية عامة عناصر أساسية بحسب الرؤية المادية في حركة الواقع وتوجهها.

ولهذا فالتاريخ لا يتحرك بحسب هذه الرؤية المادية بقوانين عامة كما يقول الدكتور المسيري، مما يضفي حتمية شبه قدرية أحادية الاتجاه في حركة التاريخ، وإنما هي حتمية الحركة التاريخية بحسب الرؤية المادية أقرب إلى الإمكانية الموضوعية، نتيجة لطبيعتها الصراعية من ناحية، ولدور الوعي وتناقض الاختيارات والخصوصيات والتوجهات والمصالح الإنسانية المختلفة من ناحية أخرى. وهذا هو معنى الجدل التاريخي في الفكر المادي بأسلوب مبسط، وهذا هو كذلك معنى جدل الذاتي والموضوعي في هذا الفكر.

ولهذا لا أدري من أي مصدر استقى الدكتور المسيري قوله بأن الفلسفة المادية لا تؤمن بالخصوصية، ولا أعتقد أنه في حاجة إلى أن أذكّره بأحد المبادئ المنهجية المعرفية في الفكر المادي الجدلي، وهو التحليل العيني -أي الخاص المحدد- للواقع العيني، أي الخاص المحدد؛ بل يكاد هذا المبدأ أن يكون تعريفًا للمنهج المادي الجدلي، وللماركسية عامة. ولكن الدكتور المسيري يتجنب الإشارة إلى جدل الخاص والعام، أو إلى الجدل عامة في الفكر المادي الجدلي، ليوظف اتهامه لهذا الفكر بالرؤية المتجانسة للواقع في توجيه اتهام آخر له، يؤسسه على هذه الرؤية المتجانسة للواقع، هو استحالة أن يدرك الفكر المادي الخصوصية العربية أو القومية العربية.”

فالعلمانية منتج غربي، وتحمل في طياتها أشياء متناقضة كالرأسمالية والاشتراكية، اللتين قال إنهما “مبنيتان على فكرة ترشيد (عقلنة الاقتصاد) وتصفيته من أي مضامين أخلاقية أو إنسانية أو دينية”، ولهذا يوحّد المسيري بين العلمانية الشاملة وبين الإمبريالية، فالعلمانية الشاملة هي النظرية، والإمبريالية هي الممارسة، على حد تعبيره! وفي النهاية، كل ما هو علماني/حداثي مرفوض. لكن العجيب أن المسيري، كما بيّنا، متأثرًا بنقد مدرسة فرانكفورت، يقتبس مثلًا عن فريدريك جيمسون فيقول: “إن روح ما بعد الحداثة تعبّر عن روح رأسمالية عصر الشركات متعددة القوميات، حيث قام رأس المال بإلغاء كل الخصوصيات، كما ألغى الذات المتماسكة التي يتحد فيها التاريخ والعمق والذاتية، وحلّت القيمة التبادلية محل القيمة الأصلية للأشياء.”

ثم يعلق المسيري: “ونحن نقبل تحليل جيمسون لما بعد الحداثة، وإن كنا نستبدل كلمة (رأسمالية) بمصطلح (العلمانية الشاملة)” -من كتابه “الحداثة وما بعد الحداثة”.

ويتناسى المسيري أن جيمسون، وهو “غربي”، ينقد حالة ما بعد الحداثة والرأسمالية المنحطة الاستهلاكية بأدوات حداثية، مع العلم أن جميع الفلاسفة الذين استعان بهم المسيري لتقديم حججه، ابتداءً من ماركوزه وفوكو وماركس ودريدا، جميعهم علمانيون وحداثويون بدرجة من الدرجات.

لكن مرة أخرى: ما البديل؟

يمثل منهج المسيري رؤية استشراقية معكوسة في جوهرها؛ فبدلًا من النظر إلى العلمانية والتقدم والحداثة كقيم إنسانية يشترك فيها الشرق والغرب وجميع الحضارات، ولها محطات تأسيسية في تطورها، ينقد المسيري كل القيم العقلانية والمنجزات التي بدأت الحداثة منها، وتغذّت على القوى الرأسمالية الصاعدة، ثم انحطت بعد ذلك بفعل انحطاط الرأسمالية ذاته، وجاء الجواب الاشتراكي كمحاولة للوقوف في وجه هذا الانحطاط والبؤس الذي تسببه الرأسمالية، وليست الحداثة، لصالح نظام غير واضح المعالم، يتغنى بأخلاقياته الدينية ضد ماديي الغرب. لكن يختلط على المسيري أن الرأسمالية قوة توحيدية بالقسر، وأن اندماج الأسواق والتقدم الرأسمالي هو عملية مرتبطة بمصالح النظام الرأسمالي العالمي التوسعية حيث أصبح الغرب شرقًا والشرق غربًا، ولا وجود لهذا الفصل المصطنع إلا في ذهن اثنين: الرجل الأبيض الغربي الذي يرى في نفسه كل ما هو عقلاني وحداثي، والشرقي الذي يرى فيه عكس كل ذلك، وماضيه هو النقيض.

فالاستشراق والاستشراق المعكوس وجهان لعملة واحدة، فلا عجب في النهاية أن يرفض المسيري مزيل العرق ومعجون الأسنان لأنهما من منتجات العلمانية!

ـــــــــــــــــــــــــــ

منصة "تقدم" – 25 آب 2026