مقدمة:

قبل تناول العلاقة بين اليسار والإيكولوجيا، لا بد من التوقف أولًا عند معنى كل مفهوم منهما. فكلاهما مفهوم واسع ومتحرك تاريخيًا، ولا يمكن التعامل معه بوصفه معنى ثابتًا أو بديهيًا. فاليسار ليس مجرد موقع سياسي مقابل اليمين، بل هو منظومة من المواقف المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، والمساواة، ودور الدولة، وحقوق العمال، ونقد الرأسمالية بدرجات مختلفة. كما أن الإيكولوجيا ليست مجرد اهتمام بالطبيعة أو حماية للبيئة، بل أصبحت في الفكر السياسي والاجتماعي الحديث سؤالًا يتعلق بعلاقات الإنتاج، والملكية، والطبقة، والتنمية، والعدالة.

ومن هنا، فإن الحديث عن علاقة اليسار بالإيكولوجيا يقتضي أولًا تحديد المقصود باليسار، ثم تحديد المقصود بالإيكولوجيا، قبل الانتقال إلى بحث كيفية تقاطعهما في قضايا مثل العدالة المناخية، الانتقال العادل الى مجتمع جديد، الصراع الطبقي، والحركات الاجتماعية، خصوصًا في الجنوب العالمي والعالم العربي ضمنه.

تنطلق المحاضرة من فكرة أساسية: لم تعد الإيكولوجيا شأناً تقنياً أو أخلاقياً فقط، بل أصبحت سؤالاً سياسياً واجتماعياً مركزياً. فالأزمات البيئية، من تغير المناخ إلى تلوث الماء والهواء وتدمير التربة والتنوع الحيوي، تكشف حدود نموذج إنتاج يقوم على الربح والتوسع اللامحدود. لذلك يصبح السؤال عن موقف اليسار من الإيكولوجيا سؤالاً عن معنى اليسار نفسه في عصر الأزمة البيئية.

تيارات اليسار وعلاقتها بالنظام الرأسمالي

يشترك اليسار، في معناه العام، في الدفاع عن المساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق العمل ومناهضة الاستغلال. لكن تياراته تختلف في مستوى نقدها للرأسمالية وفي تصورها لطريق التغيير.

• اليسار الإصلاحي أو الديمقراطي الاجتماعي: لا يسعى غالباً إلى تجاوز الرأسمالية، بل إلى تقييدها عبر دولة الرفاه، الضرائب، الخدمات العامة، وتشريعات العمل والبيئة.

• اليسار الاشتراكي: يرى أن الأزمة الاجتماعية والبيئية مرتبطة ببنية الرأسمالية نفسها، لكنه قد يطرح انتقالاً تدريجياً نحو اقتصاد اجتماعي أكثر تخطيطاً وعدلاً.

• اليسار الماركسي: يربط الاستغلال الطبقي باستغلال الطبيعة، ويرى أن منطق التراكم الرأسمالي لا يستطيع التعايش المستدام مع حدود الطبيعة.

• اليسار الإيكولوجي أو الاشتراكية الإيكولوجية: هو جزء من اليسار الماركسي، لكنه يضيف إلى معيار العدالة الاجتماعية معيار العدالة البيئية، ويرى أن أي مشروع يساري لا يدمج حدود الطبيعة يصبح ناقصاً أو إنتاجوياً.

تعريف الإيكولوجيا سياسياً واجتماعياً

الإيكولوجيا لا تعني حماية الطبيعة بمعزل عن المجتمع، بل تعني دراسة علاقات التبادل المادي بين الكائنات الحية وبيئاتها، وعند نقلها إلى المجال السياسي والاجتماعي تصبح سؤالاً عن طريقة تنظيم المجتمع لعلاقته بالطبيعة: من يملك الموارد؟ من ينتج؟ من يستهلك؟ من يدفع كلفة التلوث؟ ومن يقرر شكل التنمية؟

بهذا المعنى، الإيكولوجيا في جانبها السياسي تكشف أن الأزمة البيئية ليست موزعة بالتساوي. الفقراء والعمال وسكان الأطراف والجنوب العالمي يدفعون غالباً كلفة تلوث وتغير مناخ لم يكونوا هم المسببون له  أو حتى المستفيدون منه. لذلك لا يمكن فصل الإيكولوجيا عن العدالة الاجتماعية، ولا يمكن الحديث عن بيئة سليمة من دون الحديث عن سلطة وثروة وطبقات.

تطور علاقة اليسار بالإيكولوجيا

مرت علاقة اليسار بالإيكولوجيا بمراحل متوترة. فقد اتُّهمت بعض التجارب الاشتراكية التاريخية بالنزعة الإنتاجوية، أي بتقديس النمو الصناعي على حساب البيئة. وجرى سحب هذا الاتهام الى الماركسية نفسها ووصفها بانها، في جوهرها، معادية للطبيعة. لكن القراءات الماركسية الحديثة تعود إلى نصوص ماركس حول العلاقة الأيضية بين الإنسان والطبيعة، وتُظهر أن الرأسمالية تحدث صدعاً في هذه العلاقة بسبب تحويل الطبيعة إلى مادة خام وسوق ومصب للنفايات.

وقد دار داخل الفكر الماركسي نفسه نقاش حول ما إذا كانت الماركسية تحمل نزعة إنتاجوية.

ومن بين من يطرح هذه الفكرة (الماركسية تحمل نزعة إنتاجوية) نذكر على سبيل المثال تيد بينتون، رينيه غرودمان، فيكتور فيركس، انطوني جيدنز، جون كلارك،. وتستمر قائمة المنتقدين لتشمل المفكر الاشتراكي ميشيل لوي. وحتى ألتوسير.

في المقابل، هناك من دافع عن قراءة أخرى لماركس ترى أن لديه أساساً إيكولوجياً واضحاً، خصوصاً في حديثه عن العلاقة الأيضية بين المجتمع والطبيعة.

رغم كل ماسبق أصبحت الإيكولوجيا اليوم معياراً جديداً لليسار. فاليسار الذي يكتفي بتوزيع أكثر عدلاً داخل نموذج إنتاج مدمر بيئياً لا يذهب بعيداً بما يكفي. ولكي يكون جذرياً، فعليه أن يربط العدالة الاجتماعية بإعادة تنظيم علاقة المجتمع بالطبيعة.

الماركسية البيئية ونقد الرأسمالية الخضراء

الماركسية البيئية، أو الإيكوماركسية، تيار يطور نقد ماركس للرأسمالية بإدخال الأزمة البيئية في قلب تحليل التراكم الرأسمالي. من أبرز رموزه عالمياً وعربيا جيمس أوكونور، جون بيلامي فوستر، بول بوركيت، بريت كلارك، وكوهيه سايتو، والمتحدث. يركز هذا التيار على أن الرأسمالية لا تستغل قوة العمل فقط، بل تستنزف كذلك شروط الإنتاج الطبيعية: الأرض، الماء، الطاقة، الصحة، والمناخ.

ينتقد هذا التيار ما يسمى بالرأسمالية الخضراء، أي الادعاء بأن السوق والتكنولوجيا وتسعير الكربون وحدها قادرة على حل الأزمة البيئية.

لأنها لا تمس منطق الربح والنمو اللامحدود. لذلك تتحول البيئة أحياناً إلى مجال جديد للاستثمار والسلع، بينما تستمر البنية نفسها التي تنتج الأزمة.

• جون بيلامي فوستر وثامر الصفار: أعادا إبراز مفهوم الصدع الأيضي في قراءة ماركس، أي اختلال التبادل المادي بين المجتمع والطبيعة بفعل الرأسمالية.

• جيمس أوكونور: طرح فكرة التناقض الثاني للرأسمالية، حيث تقوض الرأسمالية شروط إنتاجها الطبيعية والاجتماعية. ثم طور هذه الافكار ثامر الصفار

• كوهيه سايتو: يربط ماركس المتأخر بإمكان تصور شيوعية خافضة للنمو، تضع حدود الطبيعة في مركز المشروع التحرري.

• ثامر الصفار: في ابحاثي سعيت الى ربط نقد الرأسمالية الخضراء بقضايا التبعية والريع والاستخراج وتوزيع الأعباء البيئية على الطبقات الشعبية، ومهدت بذلك الى تحليل علاقة الإيكولوجيا بالصراع الطبقي وهي امتداد لافكار جيمس اوكونور.

الإيكولوجيا والصراع الطبقي

يمكن الانتقال من النقد العام للرأسمالية إلى الربط المباشر بين الإيكولوجيا والصراع الطبقي. فالأزمة البيئية ليست مجرد خلل في علاقة الإنسان بالطبيعة، بل هي أيضاً شكل من أشكال توزيع الأعباء الطبقية: من يربح من التلوث؟ ومن يسكن قرب المصانع والمكبات؟ ومن يفقد عمله أو أرضه أو ماءه بسبب نموذج تنمية قائم على استنزاف كل الموارد؟ وبالتالي فأن البيئة ليست قضية منفصلة عن الصراع الاجتماعي، بل جزء منه. فالعدالة البيئية لا تتحقق إذا بقيت علاقات الملكية والسلطة والتبعية كما هي. وبهذا التقي مع جيمس أوكونور، وأوسع النقاش باتجاه أوضاعنا الحالية، حيث تتداخل الأزمة البيئية مع الريع، التبعية، الفقر، وتهميش المجتمعات المحلية.

وخلاصة ما أطرحه هو أن:

• الصراع الطبقي لا يجري فقط داخل المصنع أو حول الأجور، بل أيضًا حول شروط الحياة والإنتاج.(ظروف الحياة)

• الحركات الاجتماعية الجديدة — البيئية، النسوية، المدنية، الفلاحية، حركات السكان المحليين — ليست بديلًا عن الصراع الطبقي، بل توسّع مجاله.

• الرأسمالية لا تستغل العمل فقط، بل تستنزف الطبيعة وتفكك شروط إعادة إنتاج المجتمع.

• لذلك تصبح الإيكولوجيا مدخلًا لفهم التحالف بين العمال والفلاحين والمهمشين والحركات البيئية.

• المسألة البيئية تتحول إلى سؤال سياسي: من يملك الموارد؟ من يقرر استخدامها؟ من يدفع كلفة التلوث؟ ومن يستفيد من التراكم؟

وعليه:

إذا كان معيار اليسار في القرن التاسع عشر هو الموقف من الملكية والاستغلال، وفي القرن العشرين هو الموقف من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، فإن القرن الحادي والعشرين يضيف معياراً حاسماً: الموقف من الإيكولوجيا. فاليسار الذي لا يرى الطبيعة في قلب الصراع الاجتماعي يخاطر بأن يبقى أسير إنتاجوية قديمة، أما اليسار الإيكولوجي فيعيد تعريف التحرر بوصفه تحرراً للإنسان والطبيعة معاً من منطق الربح والتدمير.

الإيكولوجيا والجبهة الشعبية اليسارية في العراق

يمكن للإيكولوجيا أن تكون مدخلاً سياسياً جامعاً لمشروع تغيير في العراق، لأنها تربط بين الطبقة والبيئة والريع والتبعية والفساد والخدمات العامة.

فالأزمة العراقية مركبة: دولة ريعية نفطية، اقتصاد تابع، فساد، بطالة، انهيار خدمات، تلوث، شح مياه، تصحر، وتهميش اجتماعي. ومن هنا تكشف الإيكولوجيا من يدفع كلفة التدهور البيئي ومن يستفيد من الريع والخصخصة.

ومع اتساع الصراع الطبقي ليشمل شروط الحياة والإنتاج، يمكن بناء جبهة تضم العمال، العاطلين، الفلاحين، النساء، الشباب، النقابات، الحركات البيئية والمدنية، قوى تشرين، والمناطق المتضررة.

وتستطيع هذه الجبهة طرح برنامج شعبي واضح يقوم على عدالة توزيع الثروة النفطية، حماية المياه، وقف التلوث، إنقاذ الزراعة، ضمان العمل اللائق، إعادة بناء الخدمات العامة، ومقاومة الخصخصة العشوائية.

فاليسار المطلوب ليس حزبياً مغلقاً أو نخبوياً، بل يسار اجتماعي شعبي يترجم الأفق الاشتراكي إلى معارك ملموسة حول الماء والكهرباء والعمل والصحة والبيئة والكرامة.

لذلك يحتاج التغيير إلى كتلة اجتماعية واسعة تربط الديمقراطية السياسية بالعدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية والعدالة البيئية، وتطرح بديلاً ديمقراطياً اجتماعياً إيكولوجياً في مواجهة الريع والمحاصصة والتبعية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نص مختصر لمحاضرة ألقيت بتاريخ 8 آب 2026