في هذا الكتاب "نافذة على تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت"، الصادر، مؤخرا، عن دار المحيط  من إعداد الدكتور سعد الدين كليب، قراءة معاصرة لإحدى أكثر المناظرات الفلسفية حضورا في التراث الفكري الإسلامي، تلك التي دارت بين أبي حامد الغزالي في "تهافت الفلاسفة" وابن رشد في "تهافت التهافت". يندرج هذا الكتاب ضمن سياق إعادة طرح الأسئلة الكبرى التي حكمت علاقة الفلسفة بالدين، والعقل بالنقل، وإمكانات المعرفة الإنسانية.

ينطلق الكتاب من محاولة تفكيك هذا الجدل الكلاسيكي باعتباره إشكالية فكرية ما تزال تأثيراتها مستمرة إلى يومنا هذا، سواء في طريقة تلقي الفلسفة في الثقافة العربية، أو في النقاشات المستمرة حول العقلانية ومشروعية التفكير الفلسفي. ومن هنا، يتخذ المؤلف من التهافتين مدخلا لقراءة أوسع تتجاوز النصوص الأصلية نحو البنية الفكرية التي حكمت هذا الصراع بين تيارين معرفيين كبيرين.

لا يكتفي المؤلف بعرض المواقف أو تلخيصها، إنما يضعها في سياقها الجدلي، من خلال إبراز طبيعة الاعتراضات التي قدمها الغزالي على الفلاسفة، وردود ابن رشد التي حاولت الدفاع عن الفلسفة وإعادة الاعتبار للعقل البرهاني داخل النسق الإسلامي. وبهذا، فإن النص يُنشئ حوارا بين رؤيتين متقابلتين حول الحقيقة وطرق الوصول إليها، كلا من تصوراته واعتقاداته.

ينطوي الكتاب على اهتمام أوسع بإعادة قراءة التراث الفلسفي العربي الإسلامي بعيدا عن القراءات التبسيطية أو الأيديولوجية، عبر التعامل مع هذا التراث بوصفه مطرحا حيا للنقاش، وليس بوصفه أرشيفا تاريخيا ملقى على الرفوف.  ومن هنا، يكتسي الكتاب بعدا معرفيا يحاول الربط بين الأسئلة التراثية وإشكالات الفكر المعاصر، خاصة منها ما يتعلق بمكانة العقل في إنتاج المعرفة وحدود التأويل الديني والفلسفي.

تتجلى أهمية هذا النوع من المؤلفات في قدرتها على طرح الأسئلة المؤسسة للفكر العربي الإسلامي، في لحظة معاصرة ما تزال تشهد جدلا محتدما حول العلاقة بين الحداثة والتراث، وبين التفكير النقدي واليقينيات الفكرية. لذلك فإن تلك النافذة التي فتحها الكاتب تطل على كيفية قراءة هذا الجدل اليوم، وما يمكن أن يقدمه من أدوات لفهم أعمق لمسارات الفكر العربي.

لهذا، يشكل الكتاب مساهمة في إحياء النقاش الفلسفي حول الكتابين التراثيين الكبيرين باعتبارهما يشكلان لحظة تأسيسية في تاريخ التفكير النقدي داخل الثقافة الإسلامية، وما تزال أسئلتهما قابلة للاستعادة وإعادة التأويل في واقعنا الراهن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة "المجلة" – 29 أيار 2026