يرى المفكر الماركسي ماثيو كوستا، في كتابه الذي صدر مؤخرا (أم الرأسمال: كيف أدّى الريع إلى ولادة الحداثة) (1)، أن فهم المرحلة التاريخية التي تحولت فيها أوروبا من الإقطاعية إلى الرأسمالية بات ضروريا لفهم طبيعة الرأسمالية المعاصرة وإمكانية تجاوزها مستقبلا. ويرفض اعتبار الزيادة السكانية التي وفّرت العمالة الرخيصة سببا لنشوء الرأسمالية، كما يرفض إرجاع هذا النشوء إلى اتساع التبادل التجاري، مؤكدًا على أن العامل الحاسم كان الصراع الطبقي بين الفلاحين والإقطاعيين، وما نتج عنه من إعادة تشكيل لعلاقات الملكية داخل المجتمعات الأوروبية خلال العصور الوسطى.

العتب على الريع

ويوضح كوستا أن الإقطاع دأب على نهب الفائض الاقتصادي من الفلاحين عن طريق الريع والجزية، نقدا أو عينا، وبواسطة الأعراف والمحاكم الإقطاعية والقوة المسلحة. غير أن حدوث نقص شديد في اليد العاملة جراء انتشار الطاعون الأسود دفع الفلاحين إلى الانتقال إلى الصناعة، التي كانت تقدم دخولا أفضل، وإلى كسر قيود طالما ربطتهم بأراضي الإقطاعيين، وإلى تحطيم هيبة ونفوذ المحاكم الإقطاعية.

وأدى النقص المتزايد في اليد الزراعية العاملة إلى ظهور شريحة جديدة قامت باستئجار الأراضي ورفع إنتاجيتها، محققة أرباحا كبيرة. وقد فتحت هذه الأرباح شهية شرائح أخرى، مما خلق منافسة كبيرة حول إدارة الأرض، بحيث تحول الريع من علاقة قائمة على استغلال عمل الفلاحين إلى علاقة تنافسية مرتبطة بإدارة الأرض والإنتاج للسوق، وصار الاستثمار في تحسين الإنتاج الزراعي شرطا للبقاء في المنافسة، وبدأت تتشكل علاقات العمل المأجور والسوق الرأسمالية الحديثة.

الإنجليز مختلفون

ويرى كوستا أن سلطة التاج في إنكلترا نجحت، على عكس العديد من الملكيات الأوروبية، في خلق نوع من التوازن مع سلطة الإقطاعيين المحليين، وأتاحت لهم الاحتفاظ بسيطرتهم على الأرض حتى بعد ضعف تحكمهم بالفلاحين، ما دفعهم إلى البحث عن حلول اقتصادية جديدة، كان منها طرد الفلاحين من الأراضي وتحويلها إلى مزارع لإنتاج المحاصيل الموجهة للسوق، بحيث لم يعد الفلاحون مصدرا لثرواتهم بل عبئا عليهم.

وأدى ذلك إلى نشوء طبقة رأسمالية زراعية جديدة، بينما تحول النبلاء تدريجيا إلى طبقة أرستقراطية تستفيد من الثروة الناتجة عن النشاط الرأسمالي. ويدحض كوستا بذلك ادعاءات المؤرخ آلان ماكفارلين (2)، الذي كتب بأن ثقافة الفردية عند الإنجليز هي التي هيأت الظروف للرأسمالية والثورة الصناعية، مؤكدا على أن الرأسمالية كانت نتيجة عرضية لعلاقات القوة والصراع الاجتماعي، لا نتيجة خصائص ثقافية متأصلة. وليس أدل على ذلك، برأي كوستا، من دور الثورات والصراعات السياسية في تثبيت النظام الرأسمالي، واصطدام النبلاء والطبقات الصاعدة بالتاج الملكي، تلك الاحداث التي شكلت أداة حاسمة لترويض السلطة الملكية وصعود طبقة رأسمالية حديثة.

انهيار الشرعية

ويذكر كوستا أن الكنيسة كانت تمنح النظام الإقطاعي شرعية أخلاقية، باعتباره انعكاسا لإرادة السماء، مما كان يحجب قبح الاستغلال ويمنحه شيئا من القدسية بوصفه جزءا من علاقة أخلاقية متبادلة بين السيد والفلاح، وشرفا يصبح الخروج عليه خيانة للعهد.

كما لا يجد كوستا في كتابه دورا مستقلا للإرادة الفردية أو الجماعية، بل يرى أن التغيير التاريخي ينتج عن تفاعل معقد بين البنى الاجتماعية والناشطين في داخلها.

بين الماضي والحاضر

وتكمن أهمية كتاب وأطروحات كوستا في أنه لا يقدم مجرد سرد تاريخي لنشأة الرأسمالية، بل يساعد على فهم طبيعة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة من خلال العودة إلى الجذور التاريخية للنظام الرأسمالي نفسه.

فالرأسمالية ليست قدرا لا بديل عنه، لأنها لم تظهر بصورة حتمية أو باعتبارها النظام الطبيعي للاقتصاد، بل نتجت عن ظروف تاريخية وصراعات اجتماعية محددة، وبالتالي يمكن تغييرها مستقبلا في ظل أزمات المناخ والديون وعدم المساواة والعمل الهش، منعشة الأمل بانتصار اليسار في صراعه مع الرأسمالية المتوحشة.

كما يناقش الكتاب الريع، فيؤكد أنه لم يكن يوما ظاهرة غريبة عن الرأسمالية، بل عنصرا أساسيا في نشأتها وتطورها، وبالتالي فإن الرأسمالية الرقمية (المنصات والعقارات والاحتكارات المالية) ليست خروجا عن الرأسمالية، بل امتداد لبعض منطقها الأصلي.

ويعيد كوستا التوضيح بأن التحولات الاقتصادية الكبرى لا تحدث بمعزل عن السلطة السياسية والصراع الاجتماعي. فصعود الرأسمالية ارتبط بالحروب الأهلية والثورات وتغير العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، وينبغي النظر إليه بوصفه جزءا مهما من الصورة عند محاولة فهم العلاقة بين الأزمات الاقتصادية، وصعود الشعبوية، وتراجع الديمقراطية، والنزاعات حول سلطة الدولة والأسواق.

ويجد كوستا، عند قراءته لأشكال العمل الهش والمؤقت واقتصاد المنصات الرقمية، جذورا لها في عملية نزع الفلاحين من الأرض وتحويلهم إلى عمال يعتمدون على السوق للبقاء عند نشوء الرأسمالية، منيرًا الصورة بشكل سيساعد كثيرا على فهم جذور التفاوت الطبقي، وتراكم الثروة، واعتماد الناس المتزايد على السوق والعمل غير المستقر اليوم.

ويناقش الكتاب النظريات المعاصرة حول ما يسمى «الإقطاع الرقمي» (3)، فيرفض اعتباره عودة إلى شكل جديد من الإقطاع، ويقدم ردا تاريخيا ومنهجيا عليها، فالاستغلال والعمل غير المستقر جزءان من الرأسمالية نفسها، كما أن وجود الريع لا يمكن اعتباره دليلا على الخروج من الرأسمالية نحو نظام جديد، فالريع لم يختفِ من الرأسمالية أصلا، بل كان دائما جزءا أساسيا منها. ولا يخلق العمل الهش، برأيه، فلاحا مرتبطا قانونيا بسيده، بل عاملا غير مستقر يخضع لقوى السوق الرأسمالية وعلاقات العمل غير المتكافئة.

وأخيرا، فإن قراءة وترجمة كتاب «أم الرأسمال» للعربية، مهمة جدا للماركسية المعاصرة، لا لتفسر لنا الماضي فقط، بل لتساعدنا أيضا على فهم الحاضر وتحفيز البحث عن أسئلة حيوية، منها: لماذا يبدو الاقتصاد الحديث قائما على الاحتكار والريع والعمل غير المستقر؟ ولماذا تستمر الرأسمالية رغم أزماتها؟ وهل هي مرحلة أبدية أم نظام تاريخي قابل للتغيير؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

1. Matthew Costa, 2024. Mother of Capital: How Rent Gave Birth to Modernity. Verso Books. يمكن قراءته الكترونيا في صفحة الناشر على الشبكة

2. آلان ماكفارلين هو مؤرخ وعالم أنثروبولوجيا بريطاني بارز، اشتهر بدراساته حول نشأة الحداثة والرأسمالية في إنجلترا، من أشهر كتبه (ثقافة الرأسمالية).

3. من أبرز منظّري فكرة الاقطاع الرقمي الفرنسي سيدريك دوران والأمريكية شوشانا زوبوف واليوناني يانيس فاروفاكيس.