استذكر الروائي والمترجم المجري إيمري كيرتيس (1929-2016)، في عام 1997، في مذكراته "شخص آخر: سجل تحول"، القرن الماضي وكتب هذه السطور: "هل لاحظتم أن كل شيء في هذا القرن أصبح أكثر صدقًا، وأكثر تعبيرا عن الذات؟ لقد تحوّل الجندي إلى قاتل محترف؛ ورجال السياسة إلى قطاع طرق؛ ورأس المال إلى مصنع لتدمير الرجال مزود بمحارق جثث؛ والقانون إلى قواعد لعبة حمقاء؛ والنزعة القومية إلى إبادة جماعية. إن عصرنا هو عصر الحقيقة، وهذا أمر لا جدال فيه."

إن عبارة "القرن العشرون" ستدفعنا بدون شك إلى تذكّر إريك هوبسباوم (1917–2012)، وهو مؤرخ ومفكر ماركسي بريطاني بارز، يعد من أبرز مؤرخي القرن العشرين. اشتهر بتحليلاته للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، خاصة ثلاثيته "عصر الثورة، ورأس المال، والإمبراطورية"، وكتابه "عصر التطرفات"، الذي ركز فيه على "القرن التاسع عشر الطويل" و"القرن العشرين القصير".

دفعت هذه المواقف كاترين كوكيو، أستاذة الأدب المقارن بجامعة باريس- ديدرو، إلى تأكيد عدة مفارقات في الموقفين السابقين، فهي تحمل في طياتها عدة معانٍ في آن واحد. تقول كوكيو إن هذا القرن كشف عن نزعة تدميرية، بلغت ذروتها، وكشف، تحت غطاء المؤسسات، عن الطبيعة المفترسة للعلاقات الإنسانية، في السياسة كما في الاقتصاد. وتضيف أنه مع "الإبادة الجماعية" التي ظهرت تحت ستار "الشعور القومي"، هناك أيضًا وضوح "الكذبة الهائلة" التي قال عنها هتلر في كتابه "كفاحي" (1925): "الكذبة الهائلة تحمل في طياتها قوة تبدّد الشك. الجماهير تتأثر بسهولة أكبر بالأكاذيب الكبيرة من الأكاذيب الصغيرة".

سوف نستمر مع كاترين كوكيو، الكاتبة والباحثة الشابة التي أبانت عن مواقف واضحة من الأدب والشهادة التي يمكن أن يقدّمها أمام جرائم إبادة الشعوب، خصوصًا في كتابها "الحديث عن المعسكرات: التفكير في الإبادات الجماعية" (1999).

إن إحساسنا المشترك يتزامن مع تزايد القلق بشأن الجرائم الجماعية والإبادة الجماعية، وتلك الانقسامات الإنسانية التي تهز العالم. كان ذلك في تسعينيات القرن الماضي. هكذا تكلمت كاترين كوكيو في حوار معها: "كنتُ أقرأ أعمال بول سيلان، وبريمو ليفي، وروبرت أنتلم، وفارلام شالاموف، بينما كانت الأحداث تتكشف في رواندا، ويوغوسلافيا السابقة، والجزائر. هذا التجدد لسياسات الإبادة والجرائم الجماعية بعد سقوط جدار برلين جعلني أشعر بالحاجة إلى ربط الماضي بالحاضر من خلال قراءة الروايات الأدبية للكوارث التاريخية الكبرى معًا، محاولة بذلك ربط ’ذاكرتها".

لا شك في أن الناس، مع بداية كل عصر أو قرن أو جيل، يتساءلون: هل سيكون عصرنا هو عصر الحقيقة؟ معنى هذا السؤال هو أن الزمن السابق كان عصر كذب. لكن لا بد من طرح هذا السؤال الفرعي قبل الإجابة: ما هي الشروط التي ينبغي توفرها لنقول عن عصر ما إنه عصر الحقيقة لا عصر الكذب؟ إن عصر الحقيقة هو عصر الإيمان والقوة في مواجهة الشك، وعصر الأكاذيب الكبرى هو عصر الزيف المصمم خصيصًا لتلبية احتياجات جماهير غفيرة مخدوعة. لقد اعتمد هذا العصر على الضخامة والتضخيم في الدعاية والعنف والكوارث: حروب عالمية، وأنظمة شمولية، ونهب رأسمالي؛ وهذه جميعها هي أدوات قمعية في مواجهة حقائق عميقة.

في موضوعة "الكذب والسياسة" تفرض الفيلسوفة الألمانية من أصول يهودية حنه أرندت (1906-1975)، نفسها بقوة، لأن أبحاثها ارتبطت بشكل مباشر بهذه الموضوعة المليئة بالمفارقات. تروي حنه أرندت أن صحافيا سأل السياسي والصحافي الفرنسي جورج كليمنصو (1841-1929) ذات مرة عما يعتقد أن المؤرخين سيكتبونه عن مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الأولى. فأجاب ج. كليمنصو بأنه لا يعلم، لكنه متأكد تماما من أنهم لن يقولوا إن بلجيكا هي من غزت ألمانيا في أغسطس/ آب 1914. ورغم كوارث الحرب العالمية الأولى، حسب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فابر (1948)، لم يفقد كليمنصو إيمانه بالإنسانية، كما أنه لم يتوقع عصر "ما بعد الحقيقة".

لا يمكن أن نتبيّن حقيقة ما يجري بدون طرح مجموعة من الأسئلة. دعونا مرة أخرى نتساءل: ما هي التداعيات السياسية لمختلف مكونات "ما بعد الحقيقة"؟ وما الذي يجعل الكذب فعلا متكررا وسهلا، تقول حنه أرندت: "الحقائق والأحداث أضعف بكثير من المسلّمات والاكتشافات والنظريات...". هذه الهشاشة تجعل الحقيقة عرضةً للتشويه. ومع ذلك، فإن "الظروف الطارئة للحقائق"، على حد تعبير كانط، مصحوبة بـ"صلابة مستفزة". هذا هو التناقض الكامن في الحقيقة الواقعية، الذي يجعل الكذب فعلًا متكررا وسهلا، بينما يجعل من المستحيل تقريبًا تشويه الواقع بشكل كامل ودائم بحيث لا يمكن لأي عالم أن يصمد أمامه. هذا ما يمكن تسميته "تشويه الحقيقة". لكن لحسن الحظ، تضيف ح. أرندت، رغم إمكانية التلاعب بالحقائق، إلا أنها تبقى عنيدة، وحلقة قوية وليست ضعيفة كما يتصوّر الفلاسفة. جاءت مقالة أرندت "الحقيقة والسياسة" مباشرةً بعد الجدل الذي أحاط بنشر كتاب "أيخمان في القدس". وقد حفز هذا التأمل، من بين أمور أخرى، "الكمّ الهائل من الأكاذيب المستخدمة في الجدل وإطلاق الأكاذيب"، كما توضح، "حول ما كتبته من جهة، وحول الحقائق التي ذكرتها من جهة أخرى...".

إن "إطلاق الأكاذيب" يدفع الفلاسفة والأدباء إلى الإدلاء بـ "الشهادة" أمام ما يجري. وإن "ما يجري" هذا، وعلى مدى قرون عديدة، ليس حروبا أو إبادات وصراعات فقط، بل هو كذب وتزوير الحقيقة وتشويه لمعالم العصر. وراء كلمة "شهادة" يكمن مزيج فوضوي اليوم. فإلى جانب مجموعة متنامية باستمرار مع كل تفسير للكلمة وأحداث تاريخية، نجد مفهوما مهيمنا، في آنٍ واحد عبارة مبتذلة شائعة الاستخدام، وأرضًا خصبة لسوء الفهم، وهو مفهوم موجود بالفعل منذ نشأة اللغات. بعد الحديث عن "عصر الشهادة" أو "عصر الإدلاء بالشهادة"، نتحدث الآن، حسب كاترين كوكيو، عن "طفرة في الشهادات"، وأولئك الذين يشككون في هذه الطفرة يشككون أيضا في "انفجارها العظيم"، محاولين استكشاف "ظاهرة" تبدو عصية على الفهم المنطقي: لقد أصبحت "الشهادة" مهمة حاسمة تحت راية التاريخ الثقافي ونظرية المعرفة. وهذا ما دفع أوريليا كاليسكي، وهي باحثة فرنسية متخصصة في الأدب المقارن، وتتركز أبحاثها بشكل أساسي على أدب الشهادة المكتوب حول الكوارث التاريخية والعنف السياسي المتطرف، وخاصة المحرقة، دفعها إلى كتابة "تاريخ ثقافي للشهادة". 

تُعرف لنا مآسي العصر، من حروب ومجاعات وأوبئة، من خلال شهادات شهود عيان. هذه الكتابات المتنوعة، التي كتبها نبلاء عظام وأدباء وعامة الناس، تُشكل جميعها مصادر لسرديات المؤرخين وتحليلاتهم. إلا أن استخدامها يطرح إشكالية. فمنذ القرن السابع عشر فصاعدًا، كان تدوين الشهادة على الورق يعني المشاركة في ثقافة كتابية تشكلت بفعل تداول النقاشات والأعراف والخطابات التي شكلت ما بدأ يُعرف بالأدب، حسب موقف لكريستيان جوهو. إن الشهادة ليست أدبا فقط بل بابٌ يُفتح على العديد من القضايا التاريخية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ضفة ثالثة" – 22 نيسان 2026