ينطوي كتاب "الأكاديميا المظلمة-هكذا تموت الجامعات" للكاتب بيتر فلمنغ، الذي ترجمه عبد القدوس سماتي، وصدر، مؤخرا، عن "مركز نماء للبحوث والدراسات في مصر، على تشريح نقدي لما آلت إليه الجامعة في عالمنا المعاصر في ظل هيمنة النيوليبرالية، وتحويل التعليم العالي من مكان لإنتاج المعرفة إلى صناعة تتحكم فيها عقلية السوق والمنافسة والربح. كتب فلمنغ هذا الكتاب في خضم جائحة "كوفيد-19"، وهي لحظة تاريخية كشفت- كما يبين المؤلف- عن هشاشة الجامعات أمام الأزمات، وعن مرض عميق كان ينهش جسدها منذ سنوات طويلة.

ينطلق فلمنغ من فرضية أساسية مفادها أن الجائحة لم تكن سببا في احتضار الجامعات بقدر ما أنها كشفت عما هو أعمق، وهو انقلاب الجامعة الحديثة إلى مؤسسة تجارية، مهووسة بالأداء والمؤشرات الرقمية، فانفصلت عن رسالتها الأصلية في إنتاج المعرفة وتحرير العقول. ففي الوقت الذي هرعت فيه المؤسسات الأكاديمية إلى التحول الرقمي السريع وواجهت أزمات مالية خانقة، بدا واضحا أن الخلل البنيوي أسبق من الوباء وأرسخ، فالوباء كشف ما هو موجود ولم يؤسس له.

يتتبع الكاتب مظاهر هذا الانحدار في عدد من الوجهات، بدءا من الاعتماد المفرط على الطلبة الدوليين كمصدر تمويل، إلى تضخم البيروقراطيات الإدارية، وتحولها إلى قوى متسلطة تمسك بزمام القرار، مرورا بظاهرة العقود الهشة والعمل غير المستقر بين أعضاء هيئة التدريس، وصولا إلى تآكل روح الزمالة الأكاديمية وتحويل الأستاذ الجامعي إلى عامل مراقب ومستنزف نفسيا، يُقاس أداؤه بالأرقام والمؤشرات، ويطالَب بالإنتاج المتواصل دون اعتبار للبعد الإنساني أو الفكري لعمله.

كما يكشف الكاتب عن الوجه النفسي والاجتماعي لهذه التحولات، إذ تتراكم الضغوط المهنية على الأساتذة والطلاب داخل بيئة أكاديمية مظلمة، ينخرها الخوف من فقدان الوظيفة، والتنافس المحموم، وثقافة التقييم الدائم، وحوافز مبتذلة لا تليق بعالم المعرفة وشروط إنتاجها. كما أنه يصف هذه المؤسسات بأنها تبدو حية في ظاهرها، لكنها فقدت روحها ورسالتها في عمقها.

الكتاب محاولة لكشف ما يسميه الكاتب "الأكاديميا المظلمة" التي تتشكل تدريجيا في قلب الجامعة النيوليبرالية، نتيجة تغلغل النزعة التجارية في أوصالها ماليا وتنظيميا وحتى على المستوى الفردي، حيث بردت همم كثير من الأكاديميين عن المقاومة وتكيفوا مع الخراب. وهو في الوقت نفسه دعوة صريحة إلى إعادة التفكير في مستقبل التعليم العالي، قبل أن تتآكل بقايا روحه التي أُنشئ من أجلها، وقبل أن تتحول الجامعة نهائيا إلى شركة تجارية وربحية لا تختلف عن غيرها من مؤسسات السوق. إنه كتاب تحذيري بقدر ما هو تحليلي، ودعوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة "المجلة" – 14 كانون الثاني 2026