منذ إعلان عودته إلى البيت الأبيض في العشرين من كانون الثاني 2025، سعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المُحافِظة، جاهدةً لتغيير ملامح المشهد الثقافي والفني في الولايات المتحدة. حيث أصدرت أوامر تنفيذية هدفها فرض رقابة على المحتوى الثقافي، بحجّة "تنقية" المتاحف من "الأيديولوجيات غير المناسبة" و"السرديات الانقسامية" التي، حسب زعمه، تُشوّه التاريخ الأميركي وتقلّل من قيمته.

ومن بين أبرز هذه الإجراءات، قرار صدر في آذار الماضي نصَّ على وضع نائب الرئيس جي دي فانس، وعضو مجلس أمناء "سميثسونيان" (أكبر مجموعة متاحف في أميركا، تأسست عام 1846، وتتضمن أكثر من 19 متحفاً)، مسؤولاً مباشراً عن مراجعة وإزالة أي محتوى يعتبره معادياً. استهدف القرار متاحف رئيسية في واشنطن مثل "متحف التاريخ والثقافة للأميركيين الأفارقة"، و"متحف تاريخ المرأة" الذي لا يزال قيد الإنشاء، و"متحف الفن الأميركي". كما نصّ على منع تمويل أي برامج تهدف إلى "تقسيم المجتمع بناءً على العرق"، مع إلزام "متحف تاريخ المرأة" بالتركيز حصراً على النساء. بعد إصدار القرار بشهرين، فصل ترامب مديرة معرض الصور الوطني التابع لـ"سميثسونيان"، كيم ساجيت، بتهمة دعمها لبرامج التنوع والإنصاف.

أما "مركز جون إف. كينيدي للفنون" فلم يكن حاله أفضل، حيث أقال ترامب أعضاء مجلس الإدارة المعيّنين من إدارة بايدن، واستبدلهم بأعضاء من فريقه الخاص ونصّب نفسه رئيساً لمجلسه.

كما قام، في الشهر الأخير من السنة الماضية، بتغيير اسم المؤسسة إلى "مركز ترامب - كينيدي للفنون"، مقحماً اسمه فيه بحجة تخصيصه ميزانية كبيرة لترميم المركز. ولم تقتصر السياسات على الاستبدال الإداري، بل طاولت البرمجة الفنية نفسها، مما أدى إلى أزمات داخلية واضطرابات مالية.

وفي مفارقة تعكس تناقضات إدارة ترامب في عامها الأول من ولايته الثانية، احتفى الرئيس الأميركي، مؤخراً، بمقابلة حصرية مع صحيفة نيويورك تايمز، بعدما امتثلت لتعليماته بعدم نشر تفاصيل حساسة عن عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ما أثار تساؤلات حول تحالفات غير متوقعة بين السلطة والإعلام. في المقابل، كانت الإدارة الأميركية قد ألغت في وقت سابق من العام الماضي تأشيرة الكاتب النيجيري وول سوينكا، أحد أبرز الأصوات الأدبية الحرّة، بحجة مواقف نقدية، مما يبرز ازدواجية معاييرها في التعامل مع الإعلام والثقافة، بين مكافأة التواطؤ وقمع النقد.

ردات الفعل على هذه السياسات كانت حاضرة أيضاً، إذ أدان مؤرخون ومنظمات ثقافية وأكاديمية هذه المحاولات، محذرين من محاولات "تبييض" التاريخ وتقويض الحقوق المدنية. ومن أبرز هذه الردود، بيانٌ مفتوح وقّعه في آب الماضي أكثر من 150 منظمة ثقافية وأكثر من 320 فنّاناً وعاملاً في قطاع الفن، مؤكدين التزامهم بمقاومة أي ضغوط سياسية على الاستقلالية الفنية والثقافية، محذرين من أن المؤسسات التي تخضع لهذه الضغوط ستتحول إلى أدوات دعاية، وتفقد مصداقيتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"العربي الجديد" – 11 كانون الثاني 2026