
لم تعد الأزمة التي يعيشها ملايين المصريين مجرد اضطراب اقتصادي عابر أو خطأ في الحسابات، فالنيو ليبرالية تعيد تشكيل المجتمع وفق منطق لا يهدف سوى للربح ولإحكام قبضة السلطة على مجتمع منهك، وتعمل على تفكيك كل ما تبقى من شبكات تضامن، كانت في يوم ما تتيح للناس القدرة على مقاومة الفقر أو التفكير في بديل. وتؤدي هذه العملية إلى تآكل الطبقة الوسطى، البرجوازية الصغيرة، اقتصاديًا وسياسيًا وفكريًا لتنضم الى صفوف الطبقة العاملة، بعد أن كانت لسنوات تُعامل في مصر من قبل السلطات الحاكمة، خاصة في ظل الناصرية، بوصفها «عماد المجتمع» أو «الضامن للاستقرار». ورغم هذا التراجع الملحوظ في مستوى معيشتها، فما زالت — شرائح منها — تعيد إنتاج خطاب يبرّر الأزمة المجتمعية الشاملة، عوضا عن مواجهتها. فقد فقدت هذه الطبقة، التي تضم صغار التجار والحرفيين، وصغار الفلاحين، وبعض الموظفين والمهنيين (معلمين، مهندسين، أطباء…) خلال السنوات الأخيرة ما بين 35 في المائة و45 في المائة من قدرتها الشرائية وفق تقديرات صندوق النقد الدولي (1)، بينما ارتفعت معدلات الفقر إلى نحو 60 في المائة وفق تقديرات البنك الدولي لعام 2019 .(2)
ومع ذلك، فإن كثيرا من أبناء هذه الطبقة يردّون على هذا الانهيار بردود تتراوح بين الإنكار والتبرير، وكأن ما يحدث قدر غامض لا تفسير له، أو مشكلة فردية لا علاقة لها بالبنية السياسية والاقتصادية التي تُحكم قبضتها على المجتمع. ومن أكثر المواقف شيوعًا في تعليقات أبناء الطبقة المتوسطة ذلك الخطاب الفرداني الذي يحمّل الأفراد مسؤولية فقرهم. فيُقال إن «الفقر نتيجة سوء إدارة شخصية»، أو إن «الناس في الأسفل يرفضون ضبط الإنجاب»، أو إن «الفرص متاحة لمن يسعى». هذه المقولات ليست «آراء شخصية»، بل انعكاس لوعي أيديولوجي منتج من أجهزة الدولة كما وصفها ألتوسير (3)، وهدفه تحويل الفقر من ظاهرة بنيوية إلى «ذنب فردي». بهذا الأسلوب يتم محو الطابع الطبقي للأزمة وتحويل ملايين الضحايا إلى متهمين. ويظهر أيضا خطاب أكثر رجعية، يرى أن الطبقة المتوسطة «فوق» الصراع الطبقي، وأن الحديث عن الطبقية «خطاب عمال» لا يشملهم.
هذا الموقف يُخفي حقيقة أن أغلب أبناء هذه الطبقة ليسوا سوى باعة “قوة عمل ذهني”، تماما مثل العمال اليدويين، الذين يتعالون عليهم.
كما أن الوظائف الإدارية والمهنية التي بدت يومًا مستقرة ليست سوى مواقع هشّة داخل سوق عمل رأسمالي يحتقر العمل المنتج ولا يحمي من السقوط إلى ما تحت خط الفقر. إن إنكار الطبقية هنا ليس تحليلًا، بل دفاع نفسي عن وهم لم يعد موجودًا.
ويتكرر خطاب آخر في التعليقات، مفاده أن «سقوط الطبقة المتوسطة سيؤدي إلى انفلات اجتماعي». هذه الفكرة — التي تصوّر الفقراء كخطر وتُبرّئ الطبقة الحاكمة — ليست سوى استمرار لسياسات تفتيت الطبقات الشعبية وتشتيت وعيها، بحيث يتحول الغضب من الأعلى إلى الأسفل. وهذا بالضبط ما تخشاه السلطة: أن يدرك أبناء الطبقة المتوسطة والطبقات الفقيرة أن مصلحتهم واحدة، وأن عدوّهم ليس بعضهم بعضًا، بل البنية التي تُفقِرهم معًا.
لكن كل هذا التشويه في الوعي لم ينتج من فراغ. فقد توسّع النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية خلال السنوات الماضية، ليصبح مصدر رزق قطاعات من الطبقة المتوسطة مرتبطا بالدولة مباشرة (4). وبذلك يتحول الخوف إلى أداة حكم: أي نقد للنظام لا يهدد «الاستقرار» وحسب، بل يهدد وظيفة ومصدر دخل وربما مستقبل عائلة بأكملها. ومع انسداد المجال السياسي وتجريف المجتمع المدني ومطاردة النقابات المستقلة، أصبح الناس أسرى بين إفقار مادي وإخضاع أيديولوجي. وفي الخلفية تستمر النيوليبرالية المُملاة من المؤسسات الدولية في تقويض ما تبقى من قدرة المجتمع على الصمود. فقد وثّقت منظمات دولية أن سياسات صندوق النقد الدولي منذ 2016 عمّقت المعاناة الاقتصادية بدل إصلاحها (5). وأكدت تقارير أخرى أن مصر أصبحت من أكثر الدول اتساعًا في فجوة اللامساواة عالميا (6). هذه ليست مصادفة؛ إنها النتيجة الطبيعية لتراكم سياسات تعتبر المجتمع مجرد «تكلفة» يجب تخفيضها، بينما تعتبر رأس المال وحده هدفًا للحماية. ومع ذلك، فإن اللحظة ليست لحظة هزيمة خالصة. فالشرخ بين الواقع والخطاب الرسمي يتسع، وتفقد السلطة قدرتها على إقناع الناس بأن المعاناة قدر، أو أن الأزمة مؤقتة. وكما قال جرامشي في تحليله للأزمات العضوية (7)، فإن الأنظمة حين تفقد شرعيتها تصبح أكثر هشاشة مما تبدو، وتبدأ إمكانات الوعي الشعبي في التشكل من جديد، ولو ببطء. فالناس لا تحتاج إلى تنظيرات معقدة لتدرك أن حياتها تُنهب وأن السلطة التي تطلب منها الصبر هي نفسها من راكمت الديون ورفعت الأسعار ودمرت الأجور.
إن الرد على الخطاب الرجعي الذي يسود بين بعض أبناء الطبقة المتوسطة ليس مهمة أخلاقية فقط، بل سياسية. فالمطلوب ليس السخرية من هذا الخطاب، بل كشف جذوره: من أين جاء؟ من يخدم؟ ولماذا يحتاج النظام إليه؟ حين نفعل ذلك، نرى بوضوح أن «اللوم الفردي» و«الخوف من الفقراء» و«الاستعلاء الطبقي» ليست عيوبًا شخصية، بل أدوات تعمل بها السلطة لتفتيت أي إمكانية لبناء وعي طبقي مشترك.
نعم تعاني البرجوازية الصغيرة من تناقض طبقي، فلديها طموحات برجوازية لكنها تفتقر إلى القوة الاقتصادية الفعلية. في الوقت نفسه، تخشى الانحدار إلى صفوف البروليتاريا. ولكن الآن، وقد انكشف المشهد كما لم ينكشف منذ عقود، فإن مهمة اللحظة هي استعادة السياسة من يد من صادرها. أن تدرك جموع المهنيين أنهم جزء من كتلة اجتماعية واسعة تُسلب يوميا حقوقها وكرامتها هي الطبقة العاملة الجديدة. وأن خلاصها لن يأتي من الوصفات الفردية ولا من الوعود الفارغة، بل من بناء وعي جمعي، وتنظيمات قادرة على توحيد مصالح الطبقات المستغَلَّة ضد من يستغلها.
إن تسمية الأشياء بأسمائها اليوم ليست ترفا: هناك طبقة تحكم وتستنزف، وهناك طبقات تُسحق. وهناك خطاب كامل يُستخدم لتبرير هذا الوضع. لكن حين يدرك الناس أن ما يعيشونه ليس قدرًا بل نتيجة، وأن النتيجة — لأنها مادية وتاريخية — قابلة للتغيير، يصبح الصمت آخر ما يمكن الدفاع عنه.
فالوعي الطبقي ليس شعارا. إنه بداية الطريق. وإن لم تبدأ الطبقة المتوسطة في رؤية نفسها في مرآة الحقيقة، فسيواصل النظام إعادة تشكيلها — لا طبقة وسطى، بل طبقة مسحوقة تُطلب منها الطاعة وتُمنع من الفعل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
International Monetary Fund, Country Report 17/17 بيانات القدرة الشرائية بعد التعويم.
World Bank, Press Release, 2019 تقديرات الفقر غير الرسمية 60 في المائة
Louis Althusser, Ideology and Ideological State Apparatuses (تحليل الأجهزة الأيديولوجية).
Carnegie Endowment, Egypt’s Destabilizing Military Economy (توسع النشاط الاقتصادي العسكري).
Human Rights Watch Report, 2017 تأثير سياسات صندوق النقد على الفئات الهشّة.
Oxfam, Inequality Reports (تصاعد فجوة اللامساواة في مصر).
Antonio Gramsci, Prison Notebooks (مفهوم الأزمة العضوية وانهيار الشرعية).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موقع "بوابة الاشتراكي" – 11 كانون الأول 2025







