مفكر اقتصادي وسياسي مصري مرموق ولد في عام 1931، جذبته في بداية حياته الحركة الطلابية والعمالية المصرية عقب الحرب العالمية الثانية، بتأثير كبير للحركة الشيوعية المصرية، كما جذبته أنباء نضالات حركة شعوب كوريا والصين وفيتنام ببن 1945 و 1950.

انتسب سمير أمين للحركة الشيوعية المصرية عام 1950 – 1951 وخاض في داخلها معارك فكرية بارزة حول إمكانيات البرجوازية المصرية في التطور الديمقراطي، ودور البرجوازية الصغيرة في حركة 23 تموز/يوليو 1952 وتطوراتها الاجتماعية، إضافة إلى العديد من القضايا العربية والدولية. وانتقل أمين من المعارك الفكرية إلى النشاط البحثي حين أوفده والده الطبيب ليدرس الاقتصاد السياسي في باريس حيث والدته فرنسية، وعاد إلى مصر حاملا الدكتوراة عام 1957 في الاقتصاد السياسي من جامعة السوربون العريقة ليعمل باحثا في “المؤسسة الاقتصادية”، ثم يغادر مصر عام 1960 إلى باريس مرة أخرى بسبب أزمة الحركة الشيوعية المصرية مع الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، حيث بدأت رحلته العالمية.

ولأن سمير أمين يعتبر البحث والكتابة جزءا من النضال وليس مجرد نظرة أكاديمية، فقد عمل مستشارا اقتصاديا في عدة بلدان افريقية، وخاصة في الستينيات. كما عمل مديرا لمعهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادي في داكار/السنغال لعشرة سنوات في السبعينات، حيث تصدى لمقولات عديدة سائدة عن التنمية والتحديث وخطط المؤسسات المالية والنقدية الدولية. لقد أنتجت رحلة الفكر والنضال الفكري هذه عشرات الكتب ومئات الدراسات والمقالات، وبعدة لغات منها الفرنسية والإنكليزية والعربية وغيرها.

لا يرتكن سمير أمين للمسلمات الجاهزة والإجابات المبتورة، بل على العكس من ذلك نراه دائماً في مقدمة مقتحمي المواقع الفكرية الساخنة، ناقداً ومتسائلاً ومشككاً في الكثير من أطريحات الفكر المهيمن، متصادماً ومفنداً، على أساس علمي رصين، تلك الأطروحات، كاشفاً مضامينها الإيديولوجية. ولهذا يعتبر سمير أمين بحق احد مفكري الاقتصاد السياسي العالمي منذ أواخر خمسينات القرن العشرين، واحد كبار المساهمين في تطوير المادية التاريخية والديالكتيك الماركسي، كما أن له مساهماته البارزة التي وضعت في إطار مدرسة التبعية مع خصوصية مساهمته في ما بين أقرانه من منظريها. وهو أخيرا احد الذين يتصدون بفكر لامع لعملية الاستقطاب الرأسمالي العالمي والمحذرين من عسكرتها على يد الهيمنة الأمريكية، طارحا بدائل جديدة للتحول الاجتماعي خاصة في بلدان الجنوب بآفاقها الاشتراكية البعيدة.

وفي ظل الغياب عن الساحة العربية كان سمير أمين يتطور في أوربا تطورا جذريا بعد إعداد رسالته عن “التراكم على الصعيد العالمي” وكتابه عن “التطور اللامتكافئ”، ليربطه ذلك أواخر الستينات بالمناظرات الماركسية الكبرى على الصعيد العالمي، كما ربطه بالحوار مع مدرسة التبعية.

وإضافة لذلك فسمير أمين باحث “مشاكس”، جديده دائم، ويسبح دوماً عكس التيار السائد معانداً ومساجلاً وباحثاً في مجموعة كبيرة من المسائل، معالجاً إياها بتلك الرصانة العلمية التي عودنا عليها. وكتاباته الأخيرة الجديدة تمثل محاولة أخرى، بل ربما تكون واحدة من أهم المحاولات الماركسية المجتهدة ، وخارج أوهام نهاية الإيديولوجيا ونهاية التاريخ، لفهم التاريخ وانعطافاته الكبرى فهماً صحيحاً ولوضع الإيديولوجيا في إطارها السليم وليس أداة لتزييف الوعي.

وفي الفترة التي تلت انهيار “ ظام الاشتراكية الفعلية” وما ارتبط به من انهيار نظام القطبية الثنائية وبزوغ نجم الأحادية القطبية، خاض سمير أمين الصراع الفكري مساجلا مع تيارات واطروحات كثيرة. وفي العديد من الكتب التي صدرت له في الفترة الأخيرة، حيث يبدو خطاب الوهم الإيديولوجي مسيطراً، يبدو سمير أمين على درجة عالية من الوضوح الفكري، عند معالجته للعديد من الإشكاليات، سواء القديمة منها أو الجديدة التي لم تنتهي حولها زوابع النقد والسجالات التي يشتبك فيها العلمي بالإيديولوجي، والحقيقة بالوهم. ويمكن القول إن قراءة أعماله الأخيرة تتيح الاستنتاج بأنها تتمحور حول خمس إشكاليات أساسية هي:

  1. أولى الإشكاليات هي إشكالية “الثابت والمتغير في الفكر الاقتصادي المهيمن” حيث نراه يقدم عرضاً مكثفاً للظروف التي خلقت جواً مناسباً لترويج أطروحات ما يسمى بـ “الاقتصاد الخالص” ، حتى أصبح هذا “العلم” المزعوم يطرح نفسه بصفته “فكراً أحادياً لا بديل له”.
  2. الإشكالية الثانية هي إشكالية الاستقطاب على الصعيد العالمي ومقتضيات وضرورات برنامج تحرري إنساني. ويعد مفهوم الاستقطاب أحد أهم المفاهيم التي اشتغل عليها سمير أمين واعتمدها كأداة تحليلية نظرية لفهم التطور الرأسمالي من الناحية التاريخية، وخلاصته أن تطور الرأسمالية يفضي على الدوام إلى عملية استقطاب، وتصبح رسملة العالم مرادفاً لتعميق التفاوت على الصعيد العالمي.
  3. الإشكالية الثالثة هي العودة مجدداً لمسألة الانتقال إلى الاشتراكية. يطرح سمير أمين سؤالاً مشروعاً هو التالي: هل يتم تجاوز الرأسمالية بواسطة خطوات عملية واعية تقترح مشروعاً اجتماعيا أخر (مجتمع اشتراكي) أو عن طريق الصدفة نتيجة معارك جزئية ومبررة وصدامية في أغلب الأحيان ؟

لا يتجاسر سمير أمين ويقترح خطة عمل متكاملة بل يكتفي - وهو محق بذلك - بالدعوة إلى السجال عبر اقتراح مجموعة من الأفكار الأولى حول الموضوع من بينها:

* على صعيد بلدان “الأطراف”، يقترح سمير أمين فكرة/مرحلة أسماها “التحالف الوطني الشعبي والديمقراطي” ، والذي يشير إلى سماته الأربع الأساسية:

أولاً: إعادة تحديد سياسات اقتصادية واجتماعية مناهضة للكومبرادورية أي سياسات وطنية من حيث أنها تعي حقيقة التضارب بين أهدافها والمنطق المهيمن للتوسع الرأسمالي المعولم.

ثانياً: تحديد القوى الاجتماعية التي تشترك في اهتمامها بتطبيق هذه السياسات وفي نفس الوقت تحديد تضارب المصالح بين هذه القوى (التناقضات داخل الشعب).

ثالثاً: بناء أشكال تنظيمية ديمقراطية تسمح بتسوية الخلافات داخل الشعب.

رابعاً: تعزيز الجبهات الداخلية عن طريق متابعة معركة على المستويات الإقليمية وعلى الصعيد العالمي من شأنها أن ترغم النظام العالمي على “التكييف” مع هذه المتطلبات.

* أما على صعيد البلدان المتطورة فينطلق سمير أمين من طرح سؤال جوهري يتعلق في معرفة ما إذا كانت كل القوى التي تمثل اليسار في المجتمع المدني الغربي - أحزاب ونقابات وحركات - قادرة أم لا على القيام بمشروع مجتمعي جديد لابد منه من أجل تحديد إستراتيجيات مرحلية ملائمة؟

  1. الإشكالية الرابعة التي نعثر عليها في أعمال سمير أمين تتعلق بالحداثة عبر مسعاه للإجابة على سؤال محدد : تجاوز أم تطوير الحداثة. يناقش سمير أمين في أكثر من عمل الأطروحات الإيديولوجية العامة التي تتمحور حول إشكالية الحداثة.
  2. الإشكالية الخامسة هي رؤية سمير أمين للقضايا المرتبطة بظاهرة المعلوماتية والاتصال وما تطرحه من استحقاقات، وما يروج له الخطاب السائد في هذا الخصوص. هنا يكرس سمير أمين الجهد لنقد جانب هام من الخطاب السائد هو إيديولوجيا المعلوماتية والاتصال.
عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل