مفهوم «الوضع»: التحليل المحدد للواقع المحدد

ينطلق لينين من منهجية متماسكة تقول إن كل عمل سياسي قائم على العلم يبدأ بطرح سؤال الراهنية ومميزاتها. بناءً عليه، بلور مفهوم «الوضع» Conjuncture، و«الوضع» كما يستخدمه لينين هو حقل الفعل المركّب لقوى طبقية عينيّة. وينبغي معاينة «الوضع» من منظارين: منظار تمايزه عن الوضع الذي سبقه؛ ومنظار مصالح البروليتاريا، إذ لا يجوز للجهد الفكري الثوري أن يكتفي بالوصف والتمييز. إنه منحاز إلى التغيير، تغيير الوضع الراهن. ويملي هذا التعيين لـ«الوضع» مهتين متلازمتين: الأولى، ضرورة الانطلاق من «الوضع» الراهن باتجاه تغييره؛ والثانية، استشراف معالم النقلة الممكنة واللازمة إلى «وضع» جديد من منظار مصالح البروليتاريا بعيدة المدى. وهذا ما يسميه لينين «الاستراتيجية».

وصف لينين ثورة ١٩٠٥–١٩٠٧ بأنها «التمرين الأخير» على الثورة ضد النظام القيصري، وقد عرّت الثورة فساد ذلك الوضع وكشفت جميع «الفاعلين» و«الممثلين» و«اللاعبين» فيه، أي الطبقات والشرائح الاجتماعية والجماعات الإثنية والقومية وممثليها، في علاقاتها المتبادلة ومواقعها بكل تفاصيلها وحركتها.

على أن تسمية لينين ثورة ١٩٠٥ بـ«التمرين الأخير» لا تُفهم بالكامل إلا من منظار الحرب العالمية الأولى (١٩١٤–١٩١٨) وهي الحرب الاستعمارية التي سرّعت من مجرى التاريخ العالمي وتولدت عنها أزمات وانعطافات مفاجئة أسهمت في إسقاط النظام القيصري الدموي بضربة واحدة في شباط ١٩١٧. يلجأ لينين إلى الاستعارة المسرحية لتعيين «الوضع» الجديد الذي تولّد عن تلك الثورة بعدما أنجزت المسرحية تمارينها.

انطلقت ثورة شباط من تظاهرة للنساء العاملات في بتروغراد لمناسبة يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار، حسب التقويم القديم، احتجاجا على تردي الظروف المعيشية. وترافق الإضراب النسائي مع إضراب عمالي عام في المدينة بمشاركة ١٦٠ ألف عامل، واجتاحت وسط المدينة جماهير شعبية حاشدة وغاضبة عبّرت عن مطالب متداخلة:

ربّات البيوت يطالبن بالخبز جراء ندرة المواد الغذائية بسبب الحرب؛

شاركت في التظاهرات أعداد واسعة من جنود المواقع العسكرية، وزحف نحو مليونين منهم عائدين إلى روسيا لاستعادة الأرض. هؤلاء هم الجنود - الفلاحون الذين سيقول عنهم لينين إنهم «اقترعوا للثورة بأقدامهم».

فلاحون يطالبون بالأرض.

الإضرابات العمّالية تطالب بتخفيض ساعات العمل وزيادة الأجور، وبرز أيضا في تلك الفترة مطلب جديد هو الإدارة العمالية للمصانع.

ارتفعت خلال الإضرابات والتظاهرات شعارات «الخبز! الخبز!»، «يسقط الاستبداد»، «تسقط الحرب»، «الصلح فورا». وأخذت النساء في تحريض الجنود على إلقاء السلاح والانضمام إلى التظاهرات. ترددت فرق خيّالة الكوزاك في قمع التظاهرات وبدأ الجنود بالتآخي مع الجماهير. يوم ١١ آذار بدأت الانتفاضات في الثكنات ضد الحرب وانضمام الضباط والجنود إلى الجماهير الثائرة. لقد تعطّلت آلية القمع، آخر ملجأ للنظام. بعد أربعة أيام من الفوضى، تنحّى القيصر وسلّم الحكم لحكومة انتقالية من الليبراليين بعدما تعذر على الجيش قمع الثورة. في تلك الأثناء، نبتت مجالس السوفييت كالفطر في كافة أنحاء روسيا.

يعزو لينين نجاح ثورة شباط بتلك السرعة المشهودة إلى أنه وليد وضع تاريخي فريد، أبرز سماته تقاطع تيارات متنافرة ومصالح طبقية عديمة التجانس ومتضادة كليا، من حيث مساعيها السياسية والاجتماعية، وتلاقيها على نحو متناسق مدهش ضد روسيا الإقطاعية والبرجوازية، وضد سفيري بريطانيا وفرنسا، العاملين على مواصلة الحرب، إضافة إلى بروز شكل جديد للتمثيل الشعبي هو مجالس السوفييت. دفع الضغط البريطاني — الفرنسي على بافل مليوكوف — أحد قادة الحزب الدستوري الديموقراطي («الكاديت») لأن يتسلّم وزارة الخارجية من أجل مواصلة مشاركة روسيا في الحرب وتنفيذ ما جرى الاتفاق عليه أصلاً بين الحلفاء في «اتفاقية القسطنطينية» العام ١٩١٥. وهي اتفاقية تقاسم غنائم الحرب في أراضي السلطنة العثمانية، تحصل بموجبها روسيا على القسطنطينية (إسطنبول) والمضائق، وتحصل بريطانيا على العراق، وفرنسا على سورية الكبرى، وتتولى الدول الثلاث إدارة دولية مشتركة لسنجق القدس (لم يكن إعلان بلفور قد صدر بعد ولا بريطانيا احتلت فلسطين).

الصراع الطبقي: فاتح إمكانات/ راسم حدود

في وجه الاقتصادوية، بلور لينين مفهوم الاقتصاد الاجتماعي، الذي يضع الاقتصاد داخل التشكيلة الاجتماعية. وفي بلورته المستقلة للنظرية الماركسية لتأمين تطبيقها على واقع بلد متخلف اقتصاديا، وسّع لينين تعريف الطبقات ذاته بحيث يتجاوز ثنائية البرجوازية/البروليتاريا.

  «الطبقات مجموعات كبيرة من البشر يتمايز بعضها عن بعض بالموقع الذي تحتله في نظام محدد تاريخيا من الإنتاج الاجتماعي، وبعلاقتها بوسائل الإنتاج، وبدورها في تنظيم العمل الاجتماعي، وبالتالي بأحجام الحصة من الثورة الاجتماعية التي تتصرف بها وبوسيلة الاستحواذ على عمل مجموعات أخرى نظرا للمواقع المختلفة التي تحتلها في نظام محدد من الاقتصاد الاجتماعي».

(طرابلسي، الطبقات الاجتماعية، ٢٠١٦، ٣١–٣٢)

هكذا توصل لينين إلى ضرورة مبادرة البلاشفة إلى تسلّم السلطة بناء على تشخيصه لفعل القوى الطبقية في المجتمع الروسي في وضع روسيا العيني. ويتبدّى التعيين الطبقي المتضافر (الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي، الأيديولوجي) ليس فقط بما يطلقه من ديناميات وإنما أيضا بما هو راسم حدود في ما تستطيعه هذه الطبقة أو تلك من حيث الوعي والفعل.

في تحليل ذلك «الوضع»، تكشفت للينين أربع قوى طبقية أساسية — الملكية القيصرية، البرجوازية الملكية، البروليتاريا، الفلاحون - أخذ يعاين سلوكها من حيث مداه وحدوده، من منظار وضع جديد كل الجدّة هو النزاع العسكري على الصعيد العالمي. عيّن التناقض الرئيسي على أنه بين القيصرية والرأسمالية من جهة والشعب المتجسد في العمال والجنود والفلاحين وفئات واسعة من البرجوازية الصغيرة، من جهة أخرى. ويقوم هذا التعيين على الجدل إياه بين الممكنات والمستحيلات:

أولا - تحالف القيصرية والرأسمالية محكوم باستحالة انفكاك الثانية فيه عن الأولى، بسبب حاجتها للجهاز البيروقراطي القيصري لتسيير أعمالها؛

ثانيا - حكومة تحالف «الأوكتوبريين» (الملكيون المحافظون)، و«الكاديت» التي تسلّمت الحكم بعد ثورة شباط محكومة بعدة استحالات بناء على قواها الطبقية:

- لن تستطيع تحقيق السلام لارتباطها بمعسكر الحلفاء - بريطانيا وفرنسا - الذي يقود الحرب.

- لن تستطيع توفير الخبز لعدم استعدادها لوقف الحرب.

- لن تستطيع توفير الحرية لارتباط تحالف مالكي الأرض والرأسماليين بالنظام القيصري الاستبدادي الرجعي.

- لن تستطيع تلبية المطلب الرئيس للفلاحين في توزيع الأراضي لتحالفها مع كبار ملاكي الأرض والقيصر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة «بدايات» – العدد 34 – 2022

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل