أشر القرن السابع عشر مرحلة التوسع والغزو الأوروبي للمنطقة العربية ووصلت ذروتها في القرن التاسع عشر ولدوافع مرتبطة بتحقيق مكاسب اقتصادية اساسا. وامتدت لتشمل جوانب سياسية وثقافية كانت تعاني من واقع التخلف بسبب خضوعها لنظم اقطاعية اعاقت نموها وتطورها.

وشهدت تلك الفترة ايضا تزايد الاهتمام بدراسة وتوثيق الواقع الاجتماعي للبلدان العربية والتي عكستها كتابات الرحالة والمستشرقين الذي زاروها.

ومن أشرس حملات الغزو الامبريالي كانت حملات الغزو الفرنسي والبريطاني الذي كان اكثر اهتماما بالهند منه بالمنطقة العربية، حتى بدا التفكك يسود الامبراطورية العثمانية وبروز مصالح استراتيجية جديدة فيها وخاصة في اكتشاف الثروات النفطية في اواخر القرن التاسع عشر والذي كان احد اهم اسباب احتلال العراق ونزول القوات البريطانية في البصرة عام ١٩١٤ التي شكلت بداية مرحلة جديدة في التغلغل الاستعماري وخضوع العراق التام  للسيطرة العسكرية والاقتصادية والسياسية الاستعمارية.

وفي الوقت الذي نجد فيه عددا كبيرا من الدراسات والكتب التي نشرت لتحليل الابعاد التاريخية لهذه المرحلة نرى ان مقارباتها ركزت على استعراض زمني للاحداث وجرد سير القادة والملوك باعتبارها اسباب متغيرات الحدث التاريخي وتوصيف الملامح المجتمعية السائدة انذاك. ولم تنظر الى الاسباب والدوافع الاجتماعية الاقتصادية وراء المتغيرات التاريخية وكجزء من عملية تطورية تتحكم بها قوانين وسنن مادية والتي كان الفضل لماركس ورفيقة انجلز في الكشف عنها وتحويلها الى منهج لتحليل العمليات التاريخية الارتقاءية التي شهدتها المجتمعات الاوروبية وصولا الى صعود الراسمالية والتي عرفت بالمادية التاريخية كتطبيق لقوانين الديالكتيك على حركة المجتمع والتاريخ.

ومن الجوانب التي تم التركيز عليها في دراسة المتغيرات الاقتصادية الاجتماعية التي اعقبت دخول الاستعمار الى البلدان العربية وحظيت باهتمام خاص هو ان تحطيم النظم السائدة قد تم عبر الغزو والاحتلال الاجنبي وليس من خلال عملية تطورية داخلية كما حدث في اوروبا. ولذا كانت الحصيلة تغييرا مشوها حيث لم تقض على اسسه وجذوره بل بقى اسلوب الانتاج كما هو ولكن اعادة تشكيله بما يخدم ومصالح الاستعمار والفئات الاجتماعية الداعمة له من الاقطاعيين وكبار الملاكين وكبار التجار. فمثلا في  ظل النظام الاقطاعي الذي ساد في المنطقة العربية كانت الارض هي الوسيلة الانتاجية الرئسية التي تعود ملكيتها للحاكم الذي يقطعها لاعوانه من الامراء والملاكين، والذين بدورهم يؤجرونها للفلاحين لقاء ضرائب يسددون بعضها للحاكم. وفي حال عدهم تمكنهم من تسديد الضرائب تسحب منهم الارض. كما كانت هناك فئات اخرى مثل التجار والحرفييين والموظفين ضمن التركيبة الطبقية المجتمعية. ومع التقدم الحاصل في زراعة المحاصيل لغرض التصدير نمت طبقة الملاكين الكبار اقتصاديا وازداد تاثيرها السياسي. وقد اعتمد عليها الاستعمار البريطاني كقاعدة اجتماعية رئيسية له بينما تعاظم فقر واملاق الفلاحين.

هذه المتغيرات اثارت جدلا فكريا نظريا حول شكل نمط الانتاج الانتقالي في البلدان العربية وفي بلدان الشرق بشكل عام. هل هو ذاته الذي يتطابق مع اللوحة الخماسية الاوروبية ام يختلف عنه نوعي،ا اي هل المرحلة الانتقالية شكل واحد ام تظهر اشكال مختلفة من الانماط حسب الظروف الاقتصادية الاجتماعية لكل بلد ولكن تحتفظ ايضا بسمات عامة مشتركة.

وعلى الرغم من معارضة المدرسة البحثية السوفيتية في سنوات الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي التي اعطت صفة الاطلاق للنموذج الاوروبي لتطور المجتمعات، برزت بعض الاتجاهات الاكاديمية التي حاولت الخوض في ابعاد ما اشار اليه ماركس بالنمط الاسيوي، وبالاستفادة من نتائج التنقيب الاثاري ومنها مثلا في بلاد وادي الرافدين ومصر خاصة بعد قراءة الارقام الطينية التي وثقت معاملات تجارية وتعاقدات اقتصادية وثقافية وروحية للحضارات السومرية والاكدية والمصرية، حيث راي عدد من الاكاديميين ان نمط الانتاج يتطابق مع العبودية اكثر منه طريقا مختلفا. كما ان القانون الوحيد الذي يحكم المجتمعات الانسانية في العالم هو حتمية تطورها، الا ان وجهة تطورها والشكل الانتقالي الملموس يعتمد على خصوصيات  هذه المجتمعات في تركيبتها الاجتماعية الاقتصادية.

وفي النمط الاسيوي تتوزع علاقات الانتاج عللى ثلاثة اشكال من المشتركات القروية في الريف والحرفية في المدينة والبيرقراطية في جهاز الدولة التي تسيطر على الارض وتدير المشاريع الاوروبية ولكن تبقى طبيعة  النمط الاسيوي استغلالية.

وقد عرف الماركسي المصري احمد صادق سعد (1919 - 1988) بدراساته حول النمط الاسيوي في التطور الاقتصادي الاجتماعي لمصر كرؤية  فكرية جديدة. اما كارل فيتفوجل (1896 - 1988)  في كتابه (الاستبداد الشرقي) في المجتمعات الزراعية الهيدروليكية والتي تحتاج إلى ىسلطة مركزية مستبدة لادارة المياة وتنظيم مشاريع الري. وكان كارل فيتفوجل احد قيادات الحزب الشيوعي الالماني وقد انتقل الى موقع معاداة الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية واعتبر نظام الحكم في الاتحاد السوفيتي السابق كأحد اشكال الحكم الاستبدادي.

وفي سبعينات القرن الماضي ظهرت دراسات تناقش انماط الانتاج الانتقالية تحت الهيمنة الاستعمارية اطلق عليها الباحثون اصطلاح نمط الانتاج الكولونيالي. ومن هولاء استاذ التاريخ الماركسي في كلية الدراسات الشرقية في جامعة لندن جايروس بانجي الذي نشر مقالة في 1972 حول “النمط الكولونيالي للإنتاج”، وعربيا مهدي عامل في كتابه الشهير (مقدمات نظرية 1975) اعتمد فيه مفهوم نمط البنية الكولونيالية كشكل تاريخي مميز من نمط الانتاج الراسمالي وشكل للعلاقات الراسمالية المرتبط ارتباطا عضويا وبنيويا بالامبريالية، بناءً على سمات ومواصفات الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج في مجتمعات بعد الاستعمار في الشرق، وكاضافة رابعة الى النمط رأسمالي لتجاري والرأسمالي الصناعي، والرأسمالي المالي أو الامبريالي في مجتمعات الاطراف بعد هيمنة الاستعمار عليها. الا انها مازومة كونها لم تعرف الطور التصاعدي الثوري الذي ميز نمط الانتاج الراسمالي في مرحلة صعود البورجوازية. هذه الازمة الداخلية اصبحت عائقا امام تطور النمط الكولونيالي واحد سمات قانون التطور المتفاوت الذي يحكم النظم الراسمالي.

ويشير مهدي عامل الى ان المجتمعات العربية خضعت للهيمنة الامبريالية بحكم وجودها في شبكة العلاقات الرأسمالية، ولايمكن الفكاك منها الا عبر انجاز مهمات المرحلة الانتقالية نحو الاشتراكية حيث يرتبط نضال حركة التحرر الوطني ضد الراسمالية بالنضال ضد الامبريالية ايضا ولتصبح الماركسية نظرية الثورة التحررية الوطنية بالضد من الخط البرجوازي القومي الرجعي. ومن الملاحظات التي اثيرت حول تحليل مهدي عامل عن “نمط إنتاج الكولونيالي” هو توصيف العلاقة الإمبريالية التي تتمظهر على شكل تخلف في اطراف النظام الرأسمالي على أنها “نمط إنتاج” مختلف عن النمط الرأسمالي في المركز، بينما يرى معظم الباحثين ان   الكولونيالية هي مجرد صورة للعلاقة بين المراكز الميتروبولية الرأسمالية الإمبريالية والبلدان المتخلفة.

الملاحظة الثانية أن فكرة “نمط الإنتاج الكولونيالي” التي قدمها مهدي عامل تنفي مبدأ كونية الرأسمالية، لان ماركس اعتمد شكل علاقات الانتاج السائدة لتحديد اللوحة الخماسية الارتقائية في اوروبا والاستبدادي في بلاد الشرق، بينما يكون دور تطور القوى المنتجة هو في نقل النمط من شكل لاخر. اما ديناميكية هذا التحول فقد لخصها مهدي عامل بالانتقال من التكون الى التطور الى القطع وهي تختلف عن التطور الذي يشهده النمط الراسمالي في المركز الذي يتميز بالتوسع. وعليه لا يمكن اسقاط مراحل اللوحة الخماسية التي كانت احد الخصوصيات الاوروبية على النظم الاقتصادية الاجتماعية في الشرق عربيا حيث سادت نظم عبودية استبدادية تحولت الى النمط الكولونيالي بعد حدوث  الهيمنة الامبريالية، مما جعلها تفتقد القدرة على تطوير بناها الاجتماعية والاقتصادية، والتي يتطلب تحررها صراع طبقي حاد وطويل ومعقد لاكمال مهمات الانتقال الى الاشتراكية يتم في خضمها استبدال برجوازيات باخرى مثل عسكرية او دينية او استبدادية او ليبرالية. ولكن بدون افق لعدم قدرتها على اعادة انتاج ذاتها لوقوعها تحت الهيمنة الاستعمارية ذات الطبيعة الاستغلالية في تطورها الاقتصادي وتمنع توسع اسواقها الداخلية مقابل تطور المركز وتراكم ثرواته.

اما بانجي فقد لخص سمات النمط الكولونيالي بانه يتميز بالتركيز على اقتصاد زراعي احادي الجانب، وطبقيا بالنمو البطيء للطبقة العاملة وغلبة الفلاحين الموسميين الذين يعملون بأجر، بينما يصبح دور الدولة هو العمل كوسيط بين الطبقات المهيمنة، وهم مالكو الارض والبورجوازية الحديثة التكوين والبورجوازية الكومبرادورية المرتبطة عضويا بالاستعمار.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل