إن أهمية هذه الأجهزة – حسب العديد من المفكرين الماركسيين ومنهم (ألتوسير) و (بولانتزاس) تكمن في ممارستها “التضليل الإيديولوجي” لضمان استمرار النظام الطبقي السياسي القائم. وبهذا المعنى تكون الأجهزة الآيديولوجية للدولة لا مجرد مروجة للأفكار فحسب بل رهان “الصراع الطبقي” الذي تدور رحاه على مستوى البنية التحتيّة. وبهذا المعنى تكون الآيديولوجيا “اسمنت التشكيلة الاجتماعيّة”، على حدّ تعبير (بولانتزاس).                                      

السيطرة الايديولوجية

ليست السيطرة الطبقية في النظام الراسمالي مثلا مجرد سيطرة اقتصادية لرأس المال على قوة العمل التي يستغلها، وسيطرة على إعادة انتاجها، ولا مجرد الحفاظ على النظام القائم بواسطة آلة قمعية، بل هي سيطرة آيديولوجية. وقد شخص ذلك (بيان الحزب الشيوعي) حين أكد على ان “الافكار والآراء السائدة في عهد من العهود لم تكن سوى افكار الطبقة السائدة وآرائها”. ولما كان الصراع الآيديولوجي شكلا من اشكال الصراع الطبقي الذي يستهدف السلطة السياسية، وجب تحليل العلاقة بين نظام السيطرة الآيديولوجية ونظام السيطرة السياسية والاقتصادية للطبقة المسيطرة في حركة تجدد النظام الاجتماعي.

ان الطبقة المسيطِرة تستخدم السلطة السياسية التي تمتلكها بهدف اخضاع البنية الاجتماعية لسيطرتها الطبقية، أي لإبقاء هذا التطور في اطار علاقات الانتاج التي تجددها كطبقة مسيطرة. وبهدف الابقاء على سيطرتها الطبقية في مجال الآيديولوجيا، فان الطبقة المسيطرة تستند الى اجهزة آيديولوجية، هي اجهزة الدولة، يتم فيها اعادة إنتاج آيديولوجيتها المسيطرة. ولا تكمن الآيديولوجيا في الافكار فحسب، بل انها تتسع لتشمل العادات والتقاليد، “نمط الحياة” لتشكيلة ما، انها تجسد ممارسات التشكيلة الاجتماعية.

ومن جهة اخرى تشكل الآيديولوجيا، بصفتها الآيديولوجية السائدة، سلطة رئيسية للطبقات في تشكيلة اجتماعية معينة. إن الممارسة السياسية للطبقة المسيطرة تستهدف اذن بكل بساطة، إعادة إنتاج علاقات الإنتاج التي تحقق لهذه الطبقة استمرار سيطرتها الطبقية وتأبيدها. ولما كانت السيطرة السياسية نفسها لا يمكن ان تتم بواسطة القمع الجسدي فحسب، بل تتطلب التدخل الحاسم والمباشر للآيديولوجياـ وانطلاقا من التعريف الماركسي للدولة التي هي دولة طبقية وجب عدم تعريف الدولة بوصفها مالكة (حائزة) قوة القمع الجسدي فحسب وانما تعريفها انطلاقا من دورها الاجتماعي والسياسي بالدرجة الاولى. فالدولة الطبقية هي الهيئة المركزية التي يتعين عليها الحفاظ على وحدة وتماسك التشكيلة الاجتماعية- الاقتصادية المعنية، والحفاظ على الشروط الاجتماعية للانتاج وبالتالي اعادة انتاج الشروط الاجتماعية للانتاج. انها في ظل نظام الصراع الطبقي ضمانة واداة السيطرة السياسية للطبقة المسيطرة، كما اشار الى ذلك بصواب الشهيد مهدي عامل في عمله الهام (مقدمات نظرية لدراسة اثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، بيروت 1980). والحقيقة ان هذه السيطرة الآيديولوجية عنصر اساسي من عناصر السيطرة الطبقية، فلا يمكن ان تستمر السيطرة الطبقية ما لم تستطع الطبقة المسيطرة ان ترسي مؤسسات تتوافق مع افكارها، وان تكفل عن طريق “التقبل العام” لهذه الافكار التقبل العام لمؤسساتها وحكمها. وعلى الطبقة المسيطرة لكي تبقى على سيطرتها المادية ان تبقي أيضا سيطرتها على اذهان الناس. فلا بد ان تربط القوى الفكرية في المجتمع بها، وتكفل انتشار الافكار التي تعبر عن سيطرتها وبهذا تمنع أي تحد لهذه السيطرة.

ان الملاحظات السابقة تتيح القول ان مهمة الطبقة المسيطرة هو تشويه أو تزييف الوعي الطبقي للفئات والطبقات الأخرى المتواجدة في البنية الطبقية للمجتمع وذلك عبر جهازها الآيديولوجي وهو ما شخصه بصواب (جورج لوكاش) في (التاريخ والوعي الطبقي) حين اشار الى ان الشرط المصيري لابقاء نظام الطبقة المسيطرة هو ان الطبقات الأخرى تتوهم وتبقى في وعي طبقي مشوش وهذا ما يتم تحقيقه عبر الجهاز الآيديولوجي للطبقة المسيطرة بكل عناصره.

وحسب مهدي عامل (مقدمات نظرية لدراسة اثر الفكر الاشتراكي)، من الضروري اذن، بالنسبة للطبقة المسيطرة ولبقاء هيمنتها الآيديولوجية، ان يختفي الطابع الآيديولوجي المميز لتطور الصراع الفكري كصراع آيديولوجي، وان يظهر هذا الصراع على غير حقيقته، وكأن حركة الفكر الموضوعية في استقلاله التام عن الصراع الطبقي، أي ان استواءه المحايد فوق الطبقات الاجتماعية المتصارعة، كجهاز الدولة يظهر في حياد وهمي هو شرط لوجوده الحقيقي كاداة سياسية وآيديولوجية في خدمة الطبقة المسيطرة.

السيطرة الطبقية والفئة المهيمنة

من الممكن هنا اثارة تساؤل معين: لماذا يتم الحديث عن فئة مهيمنة في داخل الطبقة المسيطرة، تكون هي الماسكة بزمام سلطة الدولة دون غيرها وتوجيهها لخدمة مصالحها ومصالح الطبقة المسيطرة ككل؟

يمكن بلورة الجواب على السؤال أعلاه بالاعتماد على قانون التطور المتفاوت في المجتمعات الرأسمالية كعينة تجيب على ذلك. لما كان قانون التطور المتفاوت يحكم الاقتصاد والمجتمع، فإنه يجد انعكاسه على البنية الطبقية للمجتمع التي تتمثل بسيادة نمط الانتاج الرأسمالي وطبقته الرأسمالية في اسلوب الانتاج والتشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية. لكن فئات البرجوازية المسيطرة ليست كلها متجانسة او متساوية، فقانون تفاوت التطور يحكم تطورها أيضا، بسبب اختلاف الموقع الذي تحتله في النظام الاجتماعي ونسبة حصتها من فائض القيمة المنتج، معنى هذا ان ثمة فئة منها هي المهيمنة بالضرورة. ان هذه الفئة هي التي تربط، بشكل عام، بمصالحها الطبقية المباشرة، مصالح النظام كله، فتأمين هذه المصالح غير تأمين مصالحها هي. معنى هذا ان هيمنتها الطبقية تشكل اساسا لسيطرة الطبقة المسيطرة – كطبقة - ولديمومة النظام الطبقي القائم. وسلطة الدولة هذه هي الاداة السياسية والآيديولوجية الرئيسية لتامين الهيمنة الطبقية لهذه الفئة المهيمنة. معنى هذا ان سلطة الدولة هي، بشكل عام، سلطة الفئة المهيمنة.

لكن الفئة المهيمنة في الطبقة المسيطرة (او الطبقة المسيطرة في الائتلاف المهيمن) تمسك عادة بالسلطة داخل جهاز الدولة القمعي، لكونها النواة المركزية للدولة، وحين تمسك بالسلطة داخل بعض فروعه، فئات (او طبقات) غير مهيمنة، فان وحدته الداخلية – “ مركزيته “ – تتيح اعادة تنظيمه داخليا (وحسب اشكال الدول) بحيث تصبح فروعه تحت هيمنة الفرع المسيطر عليه من قبل الفئة المهيمنة (او الطبقة المسيطرة). بهذا المعنى تحديدا، يصبح الكلام عن وحدة ملموسة وليس عن “تقاسم” لسلطة الدولة داخل جهاز الدولة في حال وجود عدة فئات او طبقات مختلفة في السلطة.

ومن جانب آخر يظهر هناك فرق أساسي بين المفهوم الماركسي للاستقلال النسبي لجهاز السلطة عن الطبقة المسيطرة والنظرية الشائعة في علم الاجتماع البرجوازي المسماة نظرية “ سلطة اختصاصيي القمع “او على العموم سلطة البيروقراطية، وان منظرين معروفين مثل Harold Lasswell ، تحدثوا أكثر من مرة عن الناس الذين ينجزون وظائف ادارية، وبشكل خاص المرتبطين مباشرة بالجهاز العسكري أو اجهزة الشرطة يمكن ان يصبحوا في ظروف محددة “طبقة مسيطرة”. ان لهذا التشخيص خلفية مظهرية تجد تعبيرها في مفاهيم “النخبة” المطروحة قديما من قبل كتاب معروفين مثل باريتو Pareto أو موسكا Mosca. وفي جذور هذه النظريات تتجسد قناعة محددة، ان كل مجتمع ينقسم الى “حاكمين” و”محكومين”، واكثر من ذلك، فان هذا التقسيم يشكل العنصر الاساسي والمقرر لهيكل السلطة. لذا ليس هناك من غرابة، إذا ما قلنا انه عند اسس هذه النظريات لا توجد اية عوائق للحديث حول ادراج فئات اختصاصيي القمع ضمن مفهوم “الطبقة المسيطرة”. في هذه المفاهيم يتم مساواة الهيمنة مع اتخاذ القرارات، أي ممارسة السلطة. ان مؤيدي “نظريات النخبة” لا يحللون عادة القضية المهمة وهي أنه في مصلحة من تُتخذ القرارات السياسية التي تشكل مضمون نشاط سلطة الدولة. ولهذا فان التمييز بين المجموعات الحاكمة، الممارِسة للسلطة، والطبقة المسيطرة هو بالنسبة لهذه النظريات غير ممكن، على عكس ما هو عليه في الماركسية، حيث التمييز بين السلطة والسيطرة، كما اشرنا اليه سابقا، يصبح في هذا الإطار أمرا ضروريا لفهم المفهوم الماركسي للاستقلال النسبي لجهاز السلطة.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل