بعد الاطلاع على مشروع برنامج الحزب الشيوعي العراقي المقدم للمؤتمر الثاني عشر، وتحديداً ما يتعلق بقضايا المرأة، أود تقديم مجموعة من الملاحظات والمقترحات التي أرى ضرورة أخذها بنظر الاعتبار لإغناء هذا المحور وتعميق مضمونه السياسي والاجتماعي.

إن معالجة قضية تحرر المرأة لا ينبغي أن تقتصر على المطالبة بالمساواة القانونية أو توفير فرص العمل والحماية من العنف، على أهمية هذه المطالب، بل تتطلب تحليلاً أعمق للجذور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنتج اضطهاد النساء وتعيد إنتاجه. فمن منظور نسوي ماركسي، لا يمكن فصل اضطهاد المرأة عن علاقات الاستغلال الطبقي، وتقسيم العمل على أساس النوع الاجتماعي، وبنية السلطة الأبوية التي تكرس التبعية والتمييز داخل الأسرة ومؤسسات المجتمع وسوق العمل.

وانطلاقاً من ذلك، أرى أهمية تطوير البرنامج في الاتجاهات التالية:

أولاً: التحرر الاقتصادي والاجتماعي للمرأة

ضرورة الانتقال من مفهوم تكافؤ الفرص إلى المساواة الفعلية، من خلال سياسات تعالج التفاوت الطبقي وتضمن الاستقلال الاقتصادي للنساء، وتحمي حقوق العاملات في القطاعين العام والخاص والقطاع غير المنظم، بما في ذلك العاملات بأجر يومي والعاملات من المنازل، مع ضمان الأجور العادلة والضمان الاجتماعي والتقاعد والحماية من الاستغلال والتحرش.

ثانياً: الاعتراف بالعمل المنزلي والرعائي

لا يمكن تجاهل العمل المنزلي ورعاية الأطفال وكبار السن والمرضى، الذي تتحمله النساء بصورة غير متكافئة، رغم أهميته في استمرار المجتمع والاقتصاد. لذلك أقترح تبني سياسات عامة توسع مؤسسات الرعاية والحضانات والخدمات الاجتماعية، وتعيد توزيع مسؤوليات الرعاية بين الدولة والمجتمع والنساء والرجال، بدلاً من تحميل النساء وحدهن هذا العبء.

ثالثاً: المرأة الريفية والسيادة الغذائية

ضرورة إيلاء اهتمام خاص بالنساء الريفيات والعاملات في الزراعة، وضمان حقوقهن في ملكية الأراضي والموارد الإنتاجية والقروض والتعاونيات الزراعية، وتوفير الحماية الاجتماعية والصحية لهن، والاعتراف بدورهن في الإنتاج الزراعي والسيادة الغذائية، وإشراكهن في صياغة السياسات الزراعية والبيئية.

رابعاً: مناهضة العنف والتمييز والتشريعات التمييزية

ينبغي التعامل مع العنف ضد النساء بوصفه ظاهرة بنيوية ترتبط بعلاقات القوة والتبعية والتمييز، وليس باعتباره مشكلة أسرية أو سلوكاً فردياً فقط. وهذا يتطلب تشريع قانون شامل لمناهضة العنف الأسري، وتوفير مراكز إيواء آمنة ومستقلة وخدمات قانونية ونفسية واقتصادية للناجيات.

كما أؤكد ضرورة الدفاع عن قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 وتطويره بما يعزز المساواة والعدالة، ورفض أي تشريعات تنتقص من حقوق النساء أو تكرس التمييز الطائفي والجندري، وضمان حقوق الأمهات والأطفال وفق مبدأ المصلحة الفضلى للطفل. إلى جانب ضمان التعليم المجاني والإلزامي للفتيات ومكافحة التسرب والزواج المبكر، وتوفير خدمات الصحة العامة والإنجابية باعتبارها حقوقاً أساسية.

خامساً: استقلال الحركة النسوية والمشاركة السياسية

أهمية دعم استقلالية الحركة النسوية وحقها في التنظيم والنقد والمساءلة، وتعزيز مشاركة النساء في النقابات والأحزاب والحركات الاجتماعية ومواقع صنع القرار، وعدم اختزال المشاركة السياسية في التمثيل العددي أو نظام الكوتا، بل ضمان امتلاك النساء دوراً فعلياً في صياغة القرارات والسياسات الاقتصادية والسياسية.

سادساً: مناهضة الثقافة الذكورية داخل الحزب

أرى أن هذه النقطة تستحق اهتماماً خاصاً، إذ لا يمكن للحزب أن يتبنى مشروعاً لتحرر المرأة في المجتمع دون أن يراجع ممارساته وعلاقاته الداخلية. فما زالت بعض الممارسات والنظرات الذكورية موجودة داخل صفوف الحزب، وتظهر أحياناً في التقليل من آراء الرفيقات أو التشكيك بقدراتهن أو التعامل مع القضايا النسوية باعتبارها شأناً يخص النساء وحدهن.

إن مكانة الرفيقة داخل الحزب يجب أن تقوم على الاحترام والمساواة والشراكة الفعلية في العمل الفكري والسياسي والتنظيمي، لا أن تُحصر أدوارها في الملفات النسوية والاجتماعية، بينما تبقى الملفات السياسية والاقتصادية ومواقع القرار حكراً على الرفاق.

لذلك أقترح إدراج التثقيف النسوي ومناهضة الثقافة الأبوية والذكورية ضمن برامج التثقيف الحزبي، باعتبارها مسؤولية جميع الرفاق والرفيقات، ووضع آليات تنظيمية واضحة لمواجهة التمييز والتحرش والتهميش داخل التنظيم، وضمان مشاركة النساء الفعلية في الهيئات القيادية ومواقع صنع القرار.

إن من غير المنطقي أن يناضل الحزب ضد الاستغلال والتمييز في المجتمع، بينما يتساهل مع مظاهرهما داخل صفوفه. فالوعي النسوي ليس مسؤولية الرفيقات وحدهن، بل ينبغي أن يكون جزءاً أصيلاً من تكوين الرفيق الشيوعي وممارسته السياسية والتنظيمية.

سابعاً: ربط المطالب النسوية بالبرنامج الاقتصادي والاجتماعي العام

أقترح ألا تبقى قضايا المرأة محصورة في محور مستقل داخل البرنامج، بل أن تكون حاضرة في جميع محاوره المتعلقة بالعمل والأجور والزراعة والتعليم والصحة والسكن والضمان الاجتماعي والبيئة والخدمات العامة. فلا يمكن تحقيق المساواة في ظل البطالة والفقر وتراجع الخدمات والخصخصة وغياب الحماية الاجتماعية، ولا يمكن بناء مشروع تغيير اجتماعي حقيقي دون معالجة الأثر غير المتكافئ لهذه السياسات على النساء.

كما أرى أهمية أن يتضمن البرنامج آليات واضحة لمتابعة تنفيذ هذه الالتزامات، وتقييم أثر السياسات والتشريعات على واقع النساء، وعدم الاكتفاء بإعلان المبادئ والمواقف.

ختاماً، إن تحرر المرأة ليس قضية قطاعية أو مطلباً يضاف إلى البرنامج السياسي للحزب، بل هو جزء لا يتجزأ من مشروع التغيير الاجتماعي والاقتصادي والديمقراطي. ولا يمكن بناء مجتمع قائم على العدالة والمساواة مع استمرار علاقات الاستغلال والتبعية والسلطة الأبوية داخل الأسرة ومواقع العمل ومؤسسات الدولة، أو التساهل مع الثقافة الذكورية داخل التنظيمات السياسية التي ترفع شعارات التحرر.

إن المطلوب ليس إدماج النساء في واقع غير عادل، بل تغيير هذا الواقع نفسه، والنظر إلى النساء بوصفهن قوة اجتماعية وسياسية منتجة وشريكة في قيادة التغيير وصناعة القرار.

آمل أن تؤخذ هذه الملاحظات والمقترحات بنظر الاعتبار عند مناقشة وإقرار البرنامج، بما يعزز مضمونه التحرري ويجعل قضية المساواة وتحرر النساء جزءاً أصيلاً من الممارسة السياسية والتنظيمية للحزب.

مع التقدير والاحترام