ليست قراءة برنامج حزب سياسي عريق كالحزب الشيوعي العراقي تمريناً في البحث عن الأخطاء، ولا مناسبة لاستعادة المديح الذي اعتادت عليه الأدبيات الحزبية في محطات المؤتمرات. فالبرنامج، قبل أن يكون وثيقة تنظيمية تُقرّها هيئة حزبية، هو إعلان عن الكيفية التي يرى بها الحزب المجتمع الذي يعمل فيه، وعن القوى التي يعتقد أنها تحرك هذا المجتمع، وعن المصالح التي ينحاز إليها، والخصوم الذين يواجههم، والأفق الذي يريد الوصول إليه. ومن هنا، فإن السؤال عن البرنامج هو، في جوهره، سؤال عن الحزب نفسه: من يمثل؟ ماذا يريد أن يغيّر؟ وبأي قوى؟ وبأي أدوات؟ وإلى أين يريد أن يصل؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة حين يكون الحديث عن الحزب الشيوعي العراقي، بما يحمله من تاريخ طويل وثقيل في آن واحد؛ تاريخ ارتبط بالحركة العمالية والفلاحية، وبمعارك الاستقلال والسيادة الوطنية والديمقراطية، وبالثقافة العراقية وحركات الطلبة والنساء والشباب، مثلما ارتبط أيضاً بتجارب قاسية من القمع والانكسارات والتحالفات والمراجعات والتحولات الفكرية والسياسية.

لهذا فإن مسودة البرنامج المقدمة إلى المؤتمر الوطني الثاني عشر ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها تجميعاً للمواقف والمطالب، وإنما باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال أكبر: ما معنى أن يكون الحزب شيوعياً في عراق اليوم؟ وهذا السؤال ليس لغوياً ولا متعلقاً بالاسم والهوية التاريخية. إنه سؤال سياسي وطبقي وفكري في المقام الأول.

فالعراق الذي نشأ فيه الحزب الشيوعي، والعراق الذي شهد صعوده الجماهيري الكبير في منتصف القرن العشرين، ليس هو العراق الذي يقف الحزب أمامه اليوم. تغيرت بنية الاقتصاد، وتبدلت مواقع الطبقات والفئات الاجتماعية، واتسعت الدولة الريعية، ونمت قطاعات خدمية وغير منظمة هائلة، وتقلص الوزن النسبي للطبقة العاملة الصناعية، وظهرت شرائح اجتماعية ومهنية جديدة، فيما أعادت الحروب والحصار والاحتلال ومنظومة الحكم بعد 2003 تشكيل المجتمع والدولة وعلاقات الثروة والسلطة على نحو عميق. ومن هنا تأتي أهمية المسودة الجديدة.

محاولة تستحق أن تؤخذ بجدية

أول ما ينبغي تسجيله لصالح هذه المسودة أنها تحاول استعادة لغة سياسية وفكرية أكثر وضوحاً في تحديد هوية الحزب وموقعه الاجتماعي. فالحزب لا يقدم نفسه فيها باعتباره حزباً ديمقراطياً عاماً فحسب، بل يعرّف نفسه بأنه "حزب الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين وسائر بنات وأبناء شعبنا من شغيلة اليد والفكر"، ويعلن أنه يكافح من أجل استكمال استقلال البلاد وسيادتها وبناء الدولة المدنية الديمقراطية وتحقيق التقدم الاجتماعي والاشتراكية. كما يؤكد استرشاده بالفكر الماركسي ودروس التجارب الاشتراكية والتراث الثوري الاشتراكي، إلى جانب التراث الحضاري والثقافي العراقي والإنساني. وهذه ليست مسألة شكلية.

ففي زمن شهد فيه اليسار العالمي، والعربي خصوصاً، قدراً واسعاً من الالتباس حول هويته بعد انهيار التجربة السوفيتية، تبدو العودة الصريحة إلى تحديد المرجعية الماركسية والخيار الاشتراكي ذات دلالة. والمسودة لا تتعامل مع الاشتراكية بوصفها شعاراً آنياً، وإنما تصفها بأنها "هدف استراتيجي بعيد المدى" يتحقق عبر عملية نضالية تراكمية تنهي الاستغلال وترسخ الديمقراطية السياسية والاجتماعية وتطور القوى المنتجة وتنشر قيم الحرية والمساواة والتضامن والكرامة الإنسانية.

ويحسب للمسودة أيضاً أنها لا تقيم تعارضاً بين الديمقراطية والاشتراكية، ولا تستعيد تصورات قديمة تجعل الحريات السياسية مسألة ثانوية يمكن تأجيلها باسم الصراع الطبقي. بل تجعل التعددية والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان والمواطنة من مكونات المشروع الذي تدافع عنه. وهذا تطور فكري مهم في أي مشروع يساري يريد أن يتعلم من تجارب القرن العشرين، لا أن يكررها.

لكن الاعتراف بهذه الإيجابيات لا يعفينا من السؤال الأصعب: إذا كان الحزب قد حسم هويته الماركسية وأفقه الاشتراكي على مستوى الإعلان، فإلى أي مدى استطاع أن يحول هذه الهوية إلى منهج في تحليل المجتمع العراقي وإلى استراتيجية سياسية لتغييره؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية للبرنامج.

من إعلان الهوية إلى امتحان المنهج

الماركسية ليست مجموعة مصطلحات؛ وليست استخدام كلمات من قبيل "الطبقة"، و"البرجوازية"، و"الاستغلال"، و"الإمبريالية"، و"القوى المنتجة". قيمة المنهج الماركسي تظهر حين تصبح هذه المفاهيم أدوات لفهم المجتمع الملموس، والكشف عن العلاقات التي تنتج السلطة والثروة داخله. وفي هذا الجانب تقوم المسودة بخطوة مهمة حين تحاول تقديم تعريف طبقي للسلطة القائمة في العراق.

فهي ترى أن البلاد تخضع لتحالف طبقي تقوده شرائح من "البرجوازية البيروقراطية والطفيلية والكومبرادورية المرتبطة بالمصالح الرأسمالية الخارجية"، وأن هذا التحالف كرّس هيمنته بعد الغزو والاحتلال الأميركي عبر منظومة المحاصصة الطائفية والإثنية، واعتمد نهجاً ليبرالياً جديداً يقوم على السوق المنفلتة وتقليص دور الدولة وإضعاف القطاع العام وإعادة تشكيل الاستحواذ على الريع النفطي. وتخلص إلى أن التناقض الرئيسي في المرحلة الراهنة يقع بين غالبية أبناء الشعب وبين هذا التحالف الطبقي الحاكم ومنظومته السياسية وداعميه الإقليميين والدوليين.

هذه الفقرة، في تقديري، من أهم فقرات المسودة كلها. لأنها تحاول نقل نقد النظام السياسي العراقي من المستوى الأخلاقي، الذي يختزله في "فساد السياسيين"، ومن المستوى الهوياتي الذي يختزله في "الطائفية"، إلى مستوى أكثر عمقاً: من المستفيد اجتماعياً واقتصادياً من هذا النظام؟ وهذا انتقال ضروري لأي حزب يريد أن يقدم نفسه بوصفه حزباً ماركسياً.

فالمحاصصة ليست مجرد فكرة سيئة ابتكرها سياسيون سيئون. وإذا تحولت خلال أكثر من عقدين إلى منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، فلا بد أن تكون وراءها مصالح اجتماعية واقتصادية تستفيد من بقائها.

من هذه الزاوية، يكون من نقاط قوة المسودة أنها تحاول رؤية المحاصصة بوصفها (آلية لإعادة إنتاج الهيمنة)، لا مجرد خلل إداري في بناء الدولة. وهي تربط بينها وبين السيطرة على الريع النفطي والفساد وإضعاف القطاع العام واتساع الفوارق الاجتماعية.

لكن المسودة تتوقف، للأسف، عند اللحظة التي يصبح فيها تحليلها أكثر إثارة للاهتمام. فمن هم، على وجه التحديد، أعضاء هذا التحالف الطبقي؟ كيف تكونت طبقاته وشرائحه خلال العقدين الماضيين؟ ما علاقتها بالدولة؟ وما علاقتها بعقود النفط والمصارف والمقاولات والاستيراد والعقار والتجارة الخارجية؟ وأين يقع رأس المال العراقي الخاص منها؟ وهل كل الرأسمال الخاص يقع خارج التحالف الحاكم، أم أن جزءاً منه نشأ وتضخم داخل منظومة الريع والمحاصصة نفسها؟

ثم ماذا عن الاقتصاد غير المنظم الذي يستوعب قطاعات واسعة من العراقيين؟ وماذا عن ملايين الموظفين والمتقاعدين والمعلمين والمهنيين وصغار التجار والعاطلين والخريجين؟ إن تسمية الطبقات ليست بديلاً عن تحليلها.

وحين تستخدم وثيقة سياسية تعبيرات ثقيلة نظرياً من نوع "البرجوازية البيروقراطية والطفيلية والكومبرادورية"، يصبح مطلوباً منها أن تحدد مضمون هذه المفاهيم في الواقع العراقي الراهن. وإلا تحولت المفاهيم الماركسية من أدوات لاكتشاف الواقع إلى أسماء نضعها فوق واقع لم نحلله بما يكفي.

أين الطبقة العاملة التي يتحدث الحزب باسمها؟ وهنا نصل إلى سؤال لا يستطيع حزب شيوعي تجنبه. إذا كان الحزب يعرّف نفسه بأنه حزب الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين وشغيلة اليد والفكر، فأين توجد هذه الطبقة العاملة في عراق اليوم؟ وما تركيبها الجديد؟

المسودة تدرك جانباً مهماً من المشكلة. فهي تشير إلى أن السياسات الاقتصادية التي أعقبت 2003، وما رافقها من إطلاق السوق وإضعاف القطاع العام وتراجع الإنتاج الوطني، أدت إلى تقليص دور الطبقة العاملة واتساع البطالة والعمل غير المنظم وإضعاف الحركة النقابية. ثم تطرح حزمة مهمة من الحقوق: تطبيق قانون العمل، واستكمال الضمان الاجتماعي والصحي، وإلغاء التشريعات المقيدة للحريات النقابية، وضمان حق التنظيم النقابي والإضراب والتظاهر والاعتصام، وحماية العاملين في القطاع غير المنظم. وهذه مطالب تقدمية واضحة، وبعضها يمس جوهر الصراع بين العمل ورأس المال.

لكن السؤال الذي يبقى بلا إجابة كافية هو: هل ما زالت صورة الطبقة العاملة التي يستند إليها الحزب نظرياً مطابقة للبنية الطبقية الفعلية للعراق؟

لقد تغير عالم العمل نفسه.

العامل ليس فقط ذلك الذي يقف أمام آلة في مصنع حكومي أو خاص. هناك اليوم عامل الخدمة، وعامل التوصيل، والعامل المؤقت، والعامل الزراعي الموسمي، والعامل في الاقتصاد غير الرسمي، وسائق الأجرة، والعامل في شركات الحماية والخدمات، والعامل المرتبط بالمنصات الرقمية، فضلاً عن جمهور واسع يعيش من بيع قوة عمله من دون أن يمتلك هوية عمالية تقليدية أو تنظيماً نقابياً.

وإذا كان الحزب يريد بالفعل إعادة بناء حضوره الطبقي، فإن إحدى مهماته الفكرية الأولى ينبغي أن تكون إعادة اكتشاف الطبقة العاملة العراقية كما هي اليوم، لا كما كانت في كتبنا وصورنا التاريخية عنها. فالطبقة لا تختفي لأن المصنع اختفى. إنها تعيد تشكيل نفسها.

والمفارقة أن الرأسمالية العراقية الهجينة، الريعية والتجارية والخدمية وغير المنظمة، ربما تكون قد وسعت عالم العمل المأجور والهش بأشكال جديدة، في الوقت الذي أضعفت فيه الشكل التقليدي للحركة العمالية. وهذه ليست مسألة نظرية فقط. إنها تتصل مباشرة بالسؤال التنظيمي والسياسي: أين ينبغي أن يعمل الحزب؟ وبين من؟ ومن هم أولئك الذين يفترض أن يشكلوا قاعدته الاجتماعية الرئيسية؟

التغيير الوطني الديمقراطي: مرحلة أم استراتيجية؟

تحدد المسودة المهمة المركزية للمرحلة الراهنة بأنها "التغيير الوطني الديمقراطي الشامل"، الذي يفضي إلى تفكيك منظومة المحاصصة وإنهاء التبعية السياسية والاقتصادية وإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية ووطنية. وتقترح لتحقيق ذلك بناء جبهة شعبية واسعة تضم القوى والطبقات والفئات والشرائح المتضررة من المحاصصة والفساد والنهج الليبرالي التابع. وفي هذا الطرح قدر مهم من الواقعية السياسية.

فليس من المعقول أن يتعامل حزب يساري مع واقع اجتماعي معقد كالعراق على أساس أن الطبقة العاملة، منفردة، تستطيع غداً الاستيلاء على السلطة وإقامة الاشتراكية. والمجتمع العراقي تتقاطع فيه التناقضات الطبقية مع القومية والدينية والمذهبية والمناطقية، ومع مشكلة الدولة والسيادة والريع والتدخل الخارجي. ومن ثم فإن بناء كتلة اجتماعية وسياسية واسعة للتغيير ليس تنازلاً في ذاته عن المنهج الطبقي.

لكن المشكلة تبدأ عند السؤال: من يقود هذه الجبهة؟ وعلى أي برنامج؟

عبارة "أوسع اصطفاف للقوى والطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية المتضررة" جذابة سياسياً، لكنها لا تحل المشكلة النظرية. فالمتضررون من النظام ليسوا طبقة واحدة، ومصالحهم ليست متطابقة.

العامل المتضرر من البطالة، والفلاح المتضرر من انهيار الزراعة، وصاحب المشروع الصناعي المتضرر من الاستيراد، والموظف المتضرر من الفساد، والرأسمالي الوطني الذي يريد حماية السوق المحلية، والشاب الذي يريد فرصة عمل، جميعهم قد يجدون أنفسهم في لحظة معينة ضد جانب من جوانب المنظومة القائمة، لكن ذلك لا يعني أن تصورهم للمجتمع البديل واحد.

وهنا كان على البرنامج أن يكون أكثر جرأة في الإجابة عن السؤال الذي ظل يرافق تاريخ الحركات الشيوعية طويلاً: هل التحالف الواسع وسيلة لتمكين القوى الشعبية من قيادة عملية التغيير، أم يصبح اتساع التحالف سبباً في تخفيف مضمون التغيير نفسه؟

إن الفرق بين الأمرين هو، في النهاية، الفرق بين سياسة تحالفات يقودها مشروع طبقي، وبين مشروع سياسي يذوب طبقياً داخل تحالفاته. ومن هنا تحديداً ينبغي أن يبدأ النقاش الحقيقي حول مسودة البرنامج.

فالمشكلة ليست أن المسودة تفتقر إلى المطالب التقدمية. على العكس، هي غنية بها. والمشكلة ليست أنها تخلت عن الاشتراكية، فهي تعلنها صراحة أفقاً استراتيجياً. والمشكلة ليست أنها أهملت الديمقراطية أو الحقوق الاجتماعية؛ فقد منحتها مساحة كبيرة. السؤال الأعمق هو: هل استطاعت المسودة أن تبني الجسر النظري والسياسي بين هذه العناصر جميعاً؟ أي بين الماركسية بوصفها منهجاً، والطبقة العاملة بوصفها مرجعية اجتماعية، والتغيير الوطني الديمقراطي بوصفه مهمة المرحلة، والجبهة الشعبية بوصفها أداة سياسية، والاشتراكية بوصفها الأفق التاريخي. ذلك هو الامتحان الحقيقي للبرنامج.

ومن هذا الامتحان ينبغي أن ننتقل إلى قلب المشروع الذي تقترحه المسودة: أي اقتصاد يريد الحزب الشيوعي العراقي بناءه؟ وما حدود الاختلاف بين هذا الاقتصاد وبين نموذج دولة الرفاه أو الديمقراطية الاجتماعية؟ وهل تكفي استعادة الدور التنموي للدولة وإصلاح القطاع العام لتحقيق تحول ذي مضمون اشتراكي، أم أن المسألة تتطلب إعادة طرح السؤال الأصعب: من يملك، ومن يقرر، ومن ينتج، ولمن تذهب الثروة؟