فضاءات

أنا وأيلول / شه مال عادل سليم

في الذكرى السنوية لاستشهاد المناضل ( عادل سليم ) (1926 ـ 12ـ 9 ـ 1978 ) ...
يرتسم امامي في 12 أيلول من كل عام فلم من الذكريات التي طبعت في جدار قلبي وانا ابن الحادية عشرة ربيعا واذكر تفاصيل الحدث كما لو ان الحادث وقع اليوم ..
بدأت الحشود تتدفق على مدينة اربيل في بداية مراسم التأبين لتوديع (عادل سليم) , الوف المشيّعين يتدفقون وسط اجواء حزن عميق، و قد اتوا من جميع انحاء العراق لإلقاء نظرة الوداع الاخيرة على جثمان (عادل سليم ) , حيث لم يكن ممكنا لـ"صديق ورفيق الجميع" ان يرحل دون ان تتزاحم كلمات النعي على توديع المناضل الوطني الكبير ( عادل سليم ) توديعا يليق بمقامه رغم الارهاب البعثي العلني .
كنت لااريد ان اصدق خبر رحيله رغم سماعي من (احد رفاقه ) الذي أُرسل الينا على عجل في ظهيرة يوم ثلاثاء 12 ايلول عام 1978 ليبلغنا وهو يبكي بصوت متهدج ( هيا تعالوا معي ابو شوان في المستشفى ) ...!!ومع سماع هذه الكلمات , صرخت والدتي من مكانها وقالت : ( فعلوها الاوغاد , وقع الذي كنا نتوقعه ) ...!!
وعندما وصلنا الى المستشفى الجمهوري المركزي وسط مدينة اربيل وجدت بان الجميع كانوا منكسرين ومهشمين ومفجوعين تماما من الرفاق والاصدقاء والاقرباء , ورغم كل ما سمعته منهم ومن الدكتور الذي اشرف على حالة ( عادل سليم ) وهو من اقربائنا واحد اصدقاء الوالد المقربين, كنت لااريد ان اصدق خبر رحيل (عادل سليم ), هذا الرجل الذي افنى حياته بحب الناس وناضل منذ نعومة اظفاره في سبيل سعادتهم وحريتهم ، وهو في طريق عودته من مدينة كركوك في( 12 / 9 / 1978 ) حيث ذهب صباح ذلك اليوم لتقصي ومعرفة الحقائق عن قرب و للإشراف بشكل ميداني على وضع منظمة حزبه هناك بعد اخبار افادت بانهيارها ، اثر الحملة البعثية الوحشية عليها ...!!
من اين ابدأ بالكتابة عنه ؟ هل ابدأ بمواقفه الشجاعة ووقوفه الرجولي امام الاعداد, ام بعشقه الكبير لوطنه واخلاصه لقضية شعبه وهو في ريعان شبابه, ام صموده وو قوفه البطولي في السجون العراقية والمنافي , ام في محاربته للقوى الظلامية والمتخلفة,ام في حبه واخلاصه لعمله وحزبه ,ام في تواضعه الجم وحبه لمدينته ولرفاقه واصدقائه وعائلته الكبيرة التي كانت عمودها الفقري, ام في وقوفه الثابت امام الجماهير والتعبير عن افكاره بقوة وبحزم وبعزم لا يلين, ام في حنانه وعطفه تجاه كل من طلب منه المساعدة والغوث , ام في كبريائه ووقوفه الرجولي بوجه المصاعب والمشاكل وعواصف الفكر البعثي الشمولي المقيت ...
لعدم الاطالة , اكتفى بسرد موقف من مواقفه البطولية في سجن الحلة بعد انقلاب 8 شباط المشؤوم عام 1963 :
يقول احد اصدقائه الذي كان معه في نفس الزنزانة :
في يوم من أيام عام (1963) الاسود , جاءت برقية الى سجن الحلة تستفسر عن وجود (عادل سليم ), وبعد ايام صعبة وصلت برقية اخرى تطلب نقله ولكن الى أين ؟!
لقد نهض (عادل سليم )واحضر فراشه وحاجياته , ثم حلق لحيته ولبس ملابسه وكأنه ذاهب الى حفل, وعندما حان وقت رحيله أحتضنه السجناء جميعأ , سياسيين وغير سياسيين , رفاقأ واصدقاء , وحينما بكى البعض, قال( عادل سليم ): ( لا ينبغي ان تذرفوا الدمع ايها الرفاق والاصدقاء , من انا ؟ انا انسان بسيط , وخادم لهذا الشعب , لقد خلقت للعذاب والموت في سبيل هذا الطريق وهذه العقيدة , لست اول من ضحى ولن اكون الاخير , لقد ذهب قبلي اناس أكبر واعظم بكثير, تذكروا اني ماض على درب الرفاق الشهداء فهد وسلام عادل وصحبهم الكرام ,و ثقوا بانني سأبقى كما تعرفونني , مخلصأ عازمأ على الثبات فالموت أشرف من الخيانة , وسوف تسمعون أخبار عادل سليم وموقفه المشرف ) .
اخيرا لا يسعني بهذه المناسبة الا ان انحنى اجلالا واكراما لمواقف المناضل (عادل سليم) وشجاعته واخلاصه لقضية شعبه ووطنه واقول : نعم ايها الجبل الشامخ الشاهق العالى الراسخ الاشم ,الموت أشرف من الخيانة , وساحتفظ بذكرياتك ومواقفك النبيلة واتذكر ضحكاتك وكنوز كلماتك ونور نصائحك حين تظلم و تضيق بي الدنيا , فاجد فيها قوة واصراراً وعزماً وحِكمأ عادلا وسليما لمواجهة اعصار وقساوة الحياة.
فمنك تعلمنا الحب والوفاء والمواصلة رغم الصعاب ...
المجد الخالد للمناضل الشهيد (عادل سليم) , شهيد الشعب والوطن في ذكرى الـ( 39) لأستشهاده ....
وعهدأ بالوفاء ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) احيل عادل سليم الى التقاعد وفق المرسوم الجمهوري المرقم (646 ) والمؤرخ في 2 / 11/ 1977 الخاص، الذي نصّ على اعفائه من منصبه وذالك كخطوة اولى لتدبير القضاء عليه . .
(2) في الندوة التي اجراها الدكتاتور صدام مع القوى السياسية، حول العمل (المشترك) و القضية الكردية، و التي قطع بثها اثر مواجهة عادل سليم لصدام بحقائق الوضع المؤلم في كردستان و مسؤولية دوائره عن ذلك .. ليستعاض عن تلك الندوة بكتاب (خندق واحد ام خندقان) الذي طبعته و نشرته سلطة صدام وفق اهدافها الشوفينية، التي لم تستطع الغاء مداخلة عادل سليم رغم تقطيعها .
أيلول الحزين

فضاءات