فضاءات

" شهادة " عن الراحلين .../ عطا عباس

الحاج سعود آلِ مشهد الجبوري ، وأركان الحاج سعود ، وأنور الحاج سعود ، ومردان الحاج سعود !...
هي عائلة شيوعية عراقية بتكوين فذ . كان " صانعها الأمهر " فلاح عراقي أمتلك الحسنيين ، البصر والبصيرة .
ذاك هو " الحاج سعود آلِ مشهد الجبوري " ! ...
هو كمن قد من فولاذ ومن حرير في آن .
عرفته في شتاء بارد من عام ١٩٧٩ ، راعيا ليفاعتي وقراري : أن أكون مقاوما لسلطة غاشمة لا ترحم .
لكن خلف " الأبوة " تلك ، كان يقدر عاليا قراري المسؤول والمستقل .
كانت رسائله تصل لنا ، نحن حفنة شيوعيي الفرات الأوسط المختفين ، بمن فيهم ولديه الشجاعين ،الشهيد أنور الحاج سعود ، والمناضل الصامت كامل الحاج سعود ، كانت تصل لنا عبر " حسچة " ملغمة الى حد بعيد !...
كان بيته الواقع في " عمادية " ناحية القاسم ملاذا و "مضيفا " للشيوعيين العراقيين وأصدقائهم ...
عبر " حكاياته " كنّا نستلم الجوهري :
العراق أكبر من هؤلاء الأوباش ، وسيذهبون كغيرهم ، لكن " الشغلة يرادلهه صبر " ! ...
هو لم يقع في " فخ " اليأس الذي أدمنه الكثيرون .وكأن مناعته تلك متأتية من عمر قرين بعمر العراق الحديث ، فالراحل ولد في بواكير القرن المنصرم .
وليس في الامر مبالغة أبدا : ففي واحد من اللقاءات المتأخرة معه ، وقد عبر التسعين عاما ، كنت أرى ظلال ثورة العشرين المجيدة ، ووجوه رجالها الشجعان ... كنت أرى " مهوالهم " وقد لونت قصائد رفضه لحكم المستعمر الجديد ذاكرة أبن السنوات التسع بشكل عجيب ، وكأنها عمدته وطنيا عراقيا في وقت مبكّر جدا ! ...
لقد عب الراحل الكثير من أرث شعبه : قيما نضالية وطرائق للمبادرة الشجاعة والتحريض ، وستتفتح كاملة أبان ثورة ١٤ تموز المجيدة عام ١٩٥٨ بعد أن تحول الى وجه أجتماعي بارز ، وواحد من أنشط قادة الجمعيات الفلاحية . وقد دافع بلا هوادة عن قيم الثورة الأصيلة وحق المرأة في التعلم والحياة الحرة الكريمة وقانون الأصلاح الزراعي وتطبيقه في أرياف جنوب بابل ومناطقها المترامية وسط مقاومة ضارية من بقايا الإقطاع ورجالات العهد الملكي المباد .
لكن طريق المعرفة ذاك لم يكن سهلا : لقد تلمسه الراحل وئيدا عبر شيوعيين بواسل وحزب مقدام . وكان ابرز قيادييه " صاحبه وصديقه " الأثير الكادر الفلاحي الموصوف الشهيد البطل " كاظم الجاسم " ، قبل ان يحل محله في سنوات لاحقة أثير أخر ، هو الشهيد الشيوعي العملاق " كاظم عبيد " أو " ابو جاسم " كما يحلو له ان يناديه .
وكان ثمن خياره الحياتي باهظا : تجويع وحرمان وسجون وأستشهاد أبناء بررة لا يمكن تعويضهم !...
في أنتفاضة آذار المجيدة عام ١٩٩١ ، كانت عيوننا ثانية تتجه صوب " الحاج سعود " وموقفه !...
لقد رمى نفسه دفعة واحدة في الحدث الوطني الأهم خلال عقود ، وبات محرضا
لنا وناصحا وباعثا على الأمل رغم أختلاط الدروب وتقاطعها ، وبات منزله ، بل ومنطقته ، نقطة جذب هامة للمقاومين .
وللآن اتذكر حواراتنا معه ، أنا وأبنه الشهيد " أنور " حول مسار الانتفاضة ومآلها اللاحق . وكان لا يكل ولا يمل من التحذير بضرورة الأبتعاد عن الأنتقام والعبث كي لا يتلوث وجه الانتفاضة والمنتفضين .
وتجلى له مبكرا درسها الأهم : " سوف لن تقوم قائمة لنظام البعث بعد الان مهما تكن النتائج اللاحقة " ...
بعد تراجع الانتفاضة ، دفع " الحاج سعود " ثمنا باهظا أخر : شهيدان باسلان دفعة واحدة :
أولهما ، أركان الحاج سعود ( أبو صايب ) ، ذلك الفلاح الفراتي الشهم والمقدام الى حدود لا تصدق .
كان عالما من الطيبة والفرح النادرين . ولن أنسى ماحييت أستعداده الدائم وخدماته الجليلة لرفاق منظمة الفرات الاوسط للحزب الشيوعي العراقي ( كنا نستخدم تراكتوره الزراعي في التنقل في مناطق الريف !) .
وثانيهما ، أنور الحاج سعود ( أبو صارم ) ، ذاك المعلم المحبوب والشجاع ، والذي حمل عبأ الأختفاء مبكرا جدا الى ان غيبته الدكتاتورية المقبورة أبان أنتفاضة اذار المجيدة .
هو لي صديق ورفيق وأخ نادر ... معا ، كشيوعيين ، قطعنا دروب الفرات الأوسط عقد الثمانينيّات ، وسط عتمة ليال طويلة ، كنا نثق بأنجلائها يوما .
بعد سقوط الدكتاتورية في نيسان ٢٠٠٣ ، ورغم تقدم عمر الراحل ، كان يرى ان ثمة املا ما لعبور شعبنا أزمته ، والبدء بترميم وطن عبثت به الدكتاتورية طويلا ...
كان يرنو بزهو الى النشاط متعدد الجوانب لأبنه الشيوعي البار والوجه الأجتماعي " مردان الحاج سعود " .
وفِي غمرة عمل " أبو منار " والتعويل عليه كمرشح بارز للديمقراطيين والمدنيين في الأنتخابات البرلمانية الأخيرة ، عاجلته يد القدر في شباط عام ٢٠١٤ ، لتفقد بابل واحدا من انشط وجوهها الاجتماعية والمدنية المرموقة .
ومرة أخرى يظهر " الحاج سعود " جلدا وصبرا لا يصدقان !...
لقد تحولت منطقة الراحل " العمادية " التابعة لناحية القاسم ، وقرينتها غير البعيدة عنها " قرية البوشناوة " ، وبفضل المقاومة النادرة التي غرسها شيوعيون عراقيون بواسل طوال عقود ، تحولتا الى بؤرة لمقاومة الحكومات الفاسدة المتعاقبة من ملكية وجمهورية . وكانتا _ ولازالتا _ عصيتان على الكسر مهما تناوبت عليهما عوادي الزمن .
للحاج " سعود آل مشهد الجبوري " ولعائلته الشيوعية المقدامة المجد وديمومة
العطاء ...

فضاءات