فضاءات

المعلم الشيوعي يحيى التكريتي مرب فاضل حمل راية الوطن حتى الرمق الاخير / عبدالمطلب عبدالواحد

قرأت للاستاذ والمناضل الوطني محمد علي الزرقة مقالا بعنوان: (يوسف سلمان بين عامي 1942ـ 1946) نشره في دمشق عام 1993، تناول فيه جانبا من نشاطه في صفوف الحزب الشيوعي العراقي في تلك الايام. ولدى قراءة المقطع التالي: "كان رفاقي الذين أحاورهم متعددي الأصول واللغات والمذاهب. كانوا عربا وأكرادا وتركمانا وآشوريين وكلدانا وصابئة ويهودا. كان المسلمون منهم سنة وشيعة، وكان المسيحيون كذلك. كان اليهود كثيرين بين الرفاق وكانت لقاءاتي معهم كثيرة وخاصة بعد أنشاء دار الحكمة للطبع والنشر، وتأسيس حزب التحرر الوطني، وتأسيس عصبة مكافحة الصهيونية. وقد أستشهد بعضهم في المظاهرات. لم التفت إلى هذه التفاصيل كنت أناقش أنشطة كل فرد من هؤلاء ومدى صدق تعامله مع القضية التي توكل إليه ومع الحزب، ومدى استعداد أصحابها للعمل الجدي والشجاع وللتضحية، مما يجعلني أثق بمعظمهم وأتعاون معهم بلا تلكؤ ولا عقد."
لا ادري لماذا قفزت الى ذهني صورة المعلم الشيوعي يحيى عبد القادر عبد الغفور التكريتي، الذي لم التق به شخصيا ولكني تعرفت عليه، لكثرة ما حدثني عنه تلميذه النجيب ورفيق نضاله لاحقا، الرفيق يونس بولص متي، وشدة اعجابه بخصاله الشخصية، وبتأثيراته الايجابية في الجوانب التربوية والتعليمية والفكرية والسياسية.
استاد يحيى ... مدرس الاجتماعيات منتصف الستينات في مدارس الدورة
ان الجدية والاستقامة في الحياة اليومية، وعمق الالتزام، والارتباط الوثيق بقضايا الوطن والناس، دالة رجل مناضل عاش قضيته كما يجب، وهو في فتوته وشبابه ابن تلك الفترة الزمنية التي تناولها مقال الاستاذ الزرقة.
حيث لا شاغل له كما رفاقه الاخرين سوى شاغل الوطن والمواطن وليس من ولاء الا اليهم. فهو من مواليد 17 / 1 / 1931، ارتبط بالحزب الشيوعي عام 1947، وساهم في احداث وثبة كانون 1948 وكان من نصيبه الاعتقال والفصل من الدراسة، اذ كان حينها طالبا في دار المعلمين الريفية.
بعد انفراج الوضع السياسي عاد الى مقاعد الدراسة واكمل تعليمه، وتعيّن معلما على ملاك التعليم الابتدائي وتحت تأثير نشاطه السياسي، تنقل في عدد من المدن والارياف العراقية. وبحكم كفاءته واخلاصه وتفانيه، تم تكليفه بادارة مدرسة المصلحية الابتدائية في ريف الكاظمية منذ اواسط الخمسينات حتى ثورة تموز 1958، وعلى الصعيد الحزبي والسياسي شغل موقعه بجدارة عضوا في لجنة ريف الكاظمية. عام 1960 نقل مديرا لمدرسة التجارب الابتدائية في اللطيفية، ونال قسطه من المضايقات التي تعرض لها الشيوعيين في العهد الجمهوري، حيث تم ابعاده وظيفيا الى قرية الجوز التابعة لقضاء الصويرة في لواء الكوت.
في 15 شباط 1963 اعتقل بقرار من الحاكم العسكري العام رشيد مصلح بعد انقلاب شباط الاسود، في مركز امن الصويرة وبعدها تم ترحيله الى الامن العام في بغداد، ثم الى سجن رقم 1 في باب المعظم وصدر بحقه مع مجموعة من رفاقه قرار التجريم من قبل المجلس العرفي العسكري الثاني برئاسة العميد شاكر مدحت السعود في 30 / 11 / 1964. وبعد انهاء محكوميته وحصوله على الحرية، عاود نشاطه الحزبي مع رفاقه بنكران ذات لاعادة بناء التنظيم الحزبي بعد انتكاسة شباط 1963، اثر الهجمة الفاشية الشرسة التي طالت الوف العراقيين من الشيوعيين والتقدميين والشخصيات الديمقراطية.
وبعد ان تشكلت الجبهة الوطنية في تموز 1973، وظهور الحزب الى النشاط العلني رشحه الحزب مع مجموعة من رفاقه لتمثيل الشيوعيين في القائمة الانتخابية لنقابة المعلمين، وظل كمرشح للحزب في النقابة لغاية 1978، وعضوا في لجنة الانضباط التابعة لها. كان حينذاك يعمل ويعيش في محافظة بغداد، منطقة الدورة، معلما في مدرسة المهدية الثانية، ورغم الانفراج السياسي النسبي في تلك المرحلة، الا ان حياته لم تتسم بالاستقرار، وكان موضع مراقبة وتتبع الاجهزة القمعية للبعث الحاكم، وتنقل جراء ذلك بين عدد من مدارس المنطقة.
غير ان التحالف بين البعث والحزب الشيوعي انفرط في ربيع عام 1978، واقترن بحملة اعتقالات وتعذيب وتصفيات جسدية وسياسية طالت منظمات الحزب الشيوعي العراقي ومؤسساته والاوساط الديمقراطية المحسوبة عليه في عموم العراق طولا وعرضا. وكان الرفيق يحيى التكريتي واحدا من ضحايا السياسة العبثية المتصاعدة نحو حكم الفرد المطلق...، في عام 1979 صدر قرار من مجلس قيادة الثورة باحالته مع 6 من رفاقه على التقاعد لعدم توفر السلامة الفكرية، حسب الفقرة 1 من المادة 48 من الدستور، وهم كل من: ناجي مطني عبدالكريم، يحيى عبدالقادر التكريتي، هاشم سعدون الطعان، عبدالحسين حسن علي، توما داود توما (ابو نضال الشايب، الاسم الحركي في صفوف الانصار في ثمانينات القرن الماضي)، رشيد طاهر حسون،ايمانوئيل هرمز.
استاد يحيى في صفوف الحزب بعد 2003
بعد العام 2003 عاد ناشطا الى صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وعمل في لجنة المعلمين، ولغاية عام 2007 ، لكن حالته الصحية قد ساءت، وتفاقمت متاعبه الجسدية، وغدا عاجزا عن الحركة تماما، واستمرت حالته بالتدهور حتى يوم 31 / 1 / 2015 ، حيث فارق الحياة فجر ذلك اليوم، لكن سيرته العطرة بقيت عالقة في افئدة رفاقه ومحبيه، وامثولة نضاله وشما في ذاكراتهم.
ولكي تكتمل الصورة اقتطع سطورا مما ورد في الاوراق الشخصية للرفيق يونس بولص متي عن الفقيد الراحل:
.......
........
استاد يحيى ... من الرجال الذين سيبقون في الذاكرة ... اذ ربما مر في طفولتنا عشرات المعلمين ، الا ان القليل ، منهم من يترك تأثيرا بالغا في النفس ... يتراءى لنا في كل محطات الحياة اللاحقة ، رمزا ، موجها ، ونموذجا ... هكذا كان (يحيى عبد القادر التكريتي) ... معلم التاريخ والجغرافيا في مدرسة الشعب الابتدائية في منطقة الدورة منتصف الستينات .
.....
بداية السبعينات ، كنا شبابا ممتلئين عنفوانا واحلاما ، نركض ليل نهار في مهمات نتصورها بل نحلم ان تكون خطوات ستسمى يوما بالتاريخية !!! وستقرب لنا ما تستوجبه الضرورة الحتمية !!! فتقربنا من مستقبل زاهر ومضيئ يوفر للجميع خبزا وتعليما وعمل ...
في تلك الايام كنا (باسم يحيى التكريتي) وانا ، قلما ننفصل عن بعض ، فالعمل سوية بصفوف اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي يستهلك جل ساعات يومنا ...
حينها كان استاد يحيى ، بمتابعة حراك ولده البكر باسم .. مقتنعا بأنه يتجدد .. وأن شبابه قد عاد اليه ... يراقب ، يوّجه ، يخفي فرحته بنا ونحن نحبو .. نخطو خطواتنا الاولى ، ورغم ما كانت تحيق بتلك الخطوات من الغام .. واصل مهمته الجديدة ... موجها ، لكن لفولذتنا !!! هذه المرة ... وحينها لم يكن لكل الدنيا ان تسع فرحتنا ... كنا اقوياء به ...
في 2003 وبعد منفى اضطراري طويل عدت الى بغداد ... ومن اليوم الاول جاءني باسم ... حينها لم يكن السؤال الاول الاّ عن (استاد يحيى) ، اخباره ، صحته ، بحثه عن الحزب ...
في زيارتي له بعد ايام ، كان متلهفا لسماع كل كلمة اثناء حديثي عن تجربتي في صفوف الانصار الشيوعيين في كردستان ، يصغي بفخر و بشغف طفل ، مستفسرا عن رفاق قياديين وكوادر حزبية مطمئنا على سلامتهم وفرحا بتواجدهم وسط الانصار لسنوات عديدة ....

فضاءات