علي الشبيبي في سجن الحلة 12-12-1964 

من الشخصيات التي زاملها المربي الراحل علي محمد الشبيبي في سجن الحلة في الفترة (1964-1965) والتي تناولها المربي علي الشبيبي -طيب الله ثراه- في "كشكول سجين" زميله السجين الشاعر الراحل هاشم سعدون الطعان -طيب الله ثراه- فاختار إحدى قصائده التي ألقاها في السجن، وأعتقد أن هذه القصيدة لم يسبق أن نشرت وربما هي إحدى قصائد الشاعر الراحل المفقودة. لذلك وجدت ضرورة نشرها لأنها تعطي صورة عن أدب السجون في تلك السنوات ومعنويات السجناء الشيوعيين وأصدقائهم وإيمانهم بشعبهم وثقتهم بحتمية التغيير للأفضل ومستوى النشاطات الثقافية في السجون التي كان ينظمها السجناء الشيوعيون، فكتب الوالد في "كشكول سجين": 

 الصورة* في سجن الحله عام 1965، من اليمين الواقفون: الناقد فاضل ثامر، الشاعر يوسف الصائغ، 

المترجم سلمان العقيدي، القاص جاسم الجري، الشاعر مظفر النواب. الجالسون في الوسط من اليمين: 

هاشم صاحب، الكاتب نعيم بدوي، الشاعر لفريد سمعان. الجالسون في الأسفل من اليمين: الشاعر سالم 

الخباز، الشاعر هاشم الطعان، الروائي زهدي الداوودي. 

هاشم سعدون الطعان أديب من الموصل. كان معلماً ثم أكمل دراسته في كلية الآداب، وعين مدرساً في مدينة البصرة. وقد أوقف في عهد –قاسم- وظل في الموقف حتى مطلع عام 1963 حيث نقل الى موقف شرطة ناحية الگرمة، ثم حكم عليه بالسجن أربع سنوات قضى قسماً منها في سجن نقرة السلمان. 

شاعر وقاص، واسع الإطلاع، ظريف وجريئ، غير ان فيه حدة. وقد يتعصب لرأيه تعصباً يفقده كثيراً من ولع محبيه له، بل وربما ابتعدوا عنه وتحولت صحبتهم له عادية. ولقد أسفت لهذه الظاهرة أسفاً شديداً.  

تعرفت إليه أول قدومه السجن وأعجبت به أعجاباً كبيراً، وان وجدته يكثر الحديث عن نفسه. ولقد حاول مرة أن ينتقل من الغرفة التي يسكنها لعدم ارتياحه وانسجامه مع بعض نازليها من السجناء. وعرض أسمه على غرف أخرى له فيها أصحاب ومحبون، لكنهم رفضوه بالإجماع، لأنهم كانوا يخشون الخراب معه؟! وقد ألقى هذه القصيدة –كذلك كان شعبي- في أمسية 26-6-1965 فانتخبتها ذكرى اللقاء. 

كذلك كان شعبي 

كمرتقبٍ لدى الميعاد الفا

 

كأرض ترتجي نيسان لهفى

كما تحوي بلادي كل خير

 

بشائره البشائر ليس تخفى

كما حن الصغار الى أبيهم

 

ففرط الوجد في الحدقات شّفا

كما يهفو الى الأنغام عود

 

بأوتار تخال الجن عزفا

كما أحببت شعبي يا صحابي

 

كما أحببتكم إلفاً والفا

كما أشتاق الغدير لورد طير

 

على حافاته المعشاب دَفّا

كما أم تذّوب مـقلتـيها

 

لترأم طفلها والليل أغفى

كجفن صبية زهراء خَودٍ

 

كأحلام الصبا البيضاء رفا

كما ذكر المسافر بـعد كدٍّ

 

وتجوال موطنه فخفا

كـما تاقت قلوع بعد نوءٍ

 

وإعصار الى ايماء مرفا

كما حن ابن هاني بعد منع

 

الى بنت الكروم الخضر صرفا

كليلات السرار بها اشتياق

 

الى قمر يضيئ الضوء لطفا

كما يتـهلل الـعربي بشرا

 

اذا القى لدى الأطناب ضيفا

وشوق الشاعر المعطاء حنت

 

خواطره لقافية فقفّا

كما حيا (زهير) في قريض

 

شجى دمنةً من اُم أوفى

كذلك كان شعبي في انتظار

 

لمن قادوا النضال المر زحفا

تلـقاهم بـقلب ظل دهراً

 

على الأرزاء يزهو مستخفا

بكردستان تشافى النجم كبراً

 

بدجلة عانقت جرفا فجرفا

تلـقاهـم بشوق مشرئب

 

يمدّ مزغرد الترحيب كفّا

بمجد النخلة الفرعاء قامت

 

تهلل باللقا رُطبا وسعفا

اذا ما أبسرت كانت رواءً

 

وإما أثمرت عسلاً مصفى

وقد هـيّا لهم أمجاد الفٍ

 

من الأجيال ضحت لم تكفا

وعاد الجاحظ البصري يملي

 

حديثاً شيق الأخبار طرفا

وسلمهم مشاعر أكـرميه

 

تذر ذر ضوءها كرما وعطفا

سناها من سنا المأمون وافى

 

رحاب العلم حاشدةً فوفّى

ومن أشعار دعـبل تتقيها

 

طواغيت تسوم الناس خسفا

ومن إطلالة الشيخ المعري

 

يكشف والدجى يلتاث زيفا

أقام المـجد للآداب تـدعو

 

الى حق وترجو ثم نَصفا

وباركـها بان اورت زنادا

 

له لهب تألق ليس يطفى

وفَند ان تساقـيه غـيوثُ

 

واجداب بباقي الأرض حفا

وغنى للعدالة وهي تـعطي

 

كما وهبت زهور الروض عَرفا

وقد لعن المرائي في رياءٍ

 

يُقرّبه الى السلطان زُلفى

وسلم شعبنا الآتين سفـرا

 

تضيئ سطوره حرفاً فحرفا

ففي صفـحاته أخبار كاوا

 

يقارع غاشما ويميط حيفا

وثـورات الخوارج كل شهم

 

يجرّد للعلا قلباً وسيفا

وكان لو أبتغى للنفس خيراً

 

ويقعد نائلاً ما عنه عفا

وفي صفحات هذا السفر حشد

 

من الأمجاد أعجز منه وصفا

هنا ثار الزنوج على عـتاةٍ

 

ففلوا كيدهم صفاً فصفا

هنا حمدان قرمط دك حصنا

 

ينازل أرعنا ويحط حلفا

هنا من ثورة العشرين ذكرى

 

أماطت عن رؤى التأريخ سجفا

وقال الشعب كلمته وأعطى

 

لفتيته تراث الفكر صحفا

فباركـها الربيع بـكل نورٍ

 

وآذار تململ فأستشفا

راى قوس السحاب ركام غيم

 

فذرى ضوءها في الأفق ندفا

فكان ازاهراً في كل صـقعٍ

 

جزت عن نعمة الألوان عرفا

اعـطارُ يـوزع كل طـيب

 

هنا بين الخمائل قد تخفى

ام الأرجاء لـمّت كل عـطرٍ

 

لعرس جن راقصة ودَفا

وكان البدءُ ان أوحى هـمامُ

 

الى ندٍ يؤاخيه فقفى

ولبت دعوة الداعـي جموعٌ

 

تعيش حياتها جدباء عجفا

وحسّ البغي ان الأرض هبت

 

تثير النقع زوبعة وعصفا

فطار صوابه المغرور ذعراً

 

و أفعم صدره المنخوب خوفا

فـطار يقـاوم التيار طيشا

 

فلا يألو له التيار جرفا

فللأحـرار تضييقٌ وسجـنٌ

 

وتشريدٌ ومشنقةٌ ومنفى

وشبت وثبة في إثر أخـرى

 

تريد بدار الباغين خسفا

فكانون يحدث كـيف ثـرنا

 

جحيما عاد فيه القر صيفا

وتشرين وتـموز فـمـحى

 

بنا اوضار طغمتهم وعفى

فسلني كيف قد عـادت أفاع

 

فعاثت في البلاد أذىً وعنفا

تألـيت الأراقـم ذات لـيلٍ

 

فمجت سمها فانساب حتفا

فأودى من غـطارفة قبيلٌ

 

و أرهفت الجموع شجىً وعسفا

كــأن نفوسهم واكــرمْ

 

بما تهدي على الشفرات وقفا

فكم رَمَقٍ أسالوه عطــاءً

 

وكم عرقٍ لفرط البذل جفا

على ان الحياة الى أنتصارٍ

 

وان زعم المزور ذلك خلفا

 

*- نشر البعض هذه الصورة على أنها عام 1963 وفي سجن نقرة السلمان وهذا غير صحيح إطلاقاً، والصحيح انها في سجن الحلة عام 1965، لأن الكامرات دخلت -طبعاً خفية- الى سجن النقرة وبقية السجون في النصف الاول من عام 1964، حيث خفت الضغوط على السجناء مما سهل إدخال الكامرات، كما ان الشاعر مظفر النواب كان في تلك الفترة مازال معتقلا في ايران وتم تسليمه للسلطات العراقية في 28-12-1963./ الناشر محمد علي الشبيبي 

عرض مقالات: