فضاءات

قصائد الحياة والحب على نهر التايمس ينشدها الشاعر كريم عبد في مقهى لندن

لندن- طريق الشعب (خاص)
الفنان التشكيلي فيصل لعيبي يفتتح أمسية المقهى مرحبا بضيوفه قائلا:" كريم عبد الشاعر أعرفه من أيامنا العراقية .. مهووس ببلده العراق وقيمه الوطنية والديمقراطية والتقدمية .. القصائد التي سيقرأها اليوم عن الحب والغرام والعشق على نهر التايمس" .. يعلق الشاعر كريم عبد مقاطعا:" والحياة..." فيستدرك فيصل :" طبعا ..." لكنه سرعان ما يلتفت الى الشاعر مازحا :" خليني أحجي ...." وتضج القاعة بالضحك ..ويضيف فيصل :" في شعر كريم هناك إهتمام واضح بالطبيعة ، الأزهار ،المياه ، المطر والسماء، النجوم ، الطيور والأشجار ". وهكذا بدأت الأمسية مسترخية ، تنطوي على الألفة والحميمية ، كبقية آماسي المقهى التي تنساب فيها الأفكار والكلمات بين مبدعيها ومتلقيها كجريان مياه دجلة والفرات.. والتايمس أيضا ..
" حتى لو قطفت جميع الزهور
وألقيتها واحدة تلو الأخرى
في بئر نسيانك العميق
فأنك لن تنسى أبدا ذلك العطر الذي فقدته
ذات يوم "
القصيدة الأولى :
ابتهاجاً بفستانك الجميل
برقٌ ورذاذٌ وعصافيرُ تُـشقّشقُ أعشاشاً بين حجارة البيوت
بينَ برقٍ قليلٍ يسّـاقطُ على بابٍ مفتوح
ورذاذٍ يرذُّ على الصفصاف ..
ريشٌ كثيرٌ على الأرصفة
عصافيرُ تزقزقُ على شبابيك الروح ..
ترفرفُ تُشقشقُ أعشاشاً بين حجارة البيوت
وبينَ ريشٍ كثيرٍ متراكمٍ على الأرصفة ..
تُشقشقُ خطواتي طريقاً من أجلِكِ
كي تذهبي وتعودي
فعلى وقع خطاكِ وحفيفِ فستانِكِ الجديد ..
تهتزُّ الأشجارُ وتفتحُ الحدائقُ أبوابَها.
وابتدأت الأمسية بقراءات الشاعر عبد لمجموعة من قصائده..ثم جاء دور صديقه الناقد عدنان حسين احمد الذي كان من المفروض ان يقدمه في البداية ، لكن زحمة شوارع لندن حالت دون وصوله في الموعد . .
- هناك بعض المحطات في مسيرة الشاعر والقاص كريم عبد ينبغي التوقف عندها .. فهو قد أصدر عدة مجموعات شعرية نذكر من بينها : "ثم نهدي الكلام" و "أطروحة الندى" و "هدهد الشتاء والصيف" كما أصدر خمس مجموعات قصصية ، اضافة الى بعض (النوفيلات)..اذن هويكتب القصة القصيرة و(النوفيلا) وهي جنس أدبي محسوب بين القصة القصيرة وبين الرواية ، ولديه احدى هذه النوفيلات في مجموعته القصصية الأخيرة "العيون السود" وعنوانها "ملاحقة الأشباح" ، ونذكر من بين مجموعاته القصصية : "الهواء يوشك على الهجوم" و " عزف عود بغدادي" و " خرزة زرقاء" و "العيون السود" و " ليالي السيد سلمان " وهي مترجمة الى اللغة الأنكليزية.
فقط لاهمية (النوفيلا) التي يكتبها كريم ،رغم ان غالبية الحاضرين يعرفون هذا الجنس الأدبي، نذكر أمثلة عنها مثل "موسم الهجرة الى الشمال " للطيب صالح أو "سلمى " لغازي القصيبي ومن الأدب العالمي : "الشيخ والبحر" و "صباح الخير ايها الحزن" ..وكريم يكتب نوفيلاه من هذا الطراز شكلا ومضمونا .
الشيء الآخر عند كريم عبد وان لم يكن ضمن موضوع هذه الأمسية ، أنه يكتب المقالة الفكرية والسياسية ، وهذا له شأن آخر فقد أصدر كتابين هامين في هذا الجانب .
فقط لو استعرنا مقولة الناقدة الفرنسية "سوزان برنار" التي تتحدث عن معايير قصيدة النثر ، هناك ثلاث معطيات تشير اليها وهي : الأيجاز والكثافة والتوهج ..في الحقيقة الكثافة والتوهج موجودة كما أستمعتم في هذه القصائد التي قرأها . صحيح ان قصيدته لا تشكل قطيعة مع الشعر العربي لكنها ، هذه القصيدة ، تظل تدور في فضاء مختلف تماما عن النسق العام .
وفي القصة القصيرة نجد في كتابته لها توهج اللغة في نصوصه والتي تنطوي على ما يسمى بـ"النص المفتوح" . وسأقرأ بينكم نصا مفتوحا له لتتبينوا فيه اللغة والثيما والبناء القصصي ، يعني كيف يشيد معمار قصته القصيرة؟ وكيف يشيد معمار (النوفيلا).
بعد مداخلته دعا الناقد عدنان حسين الشاعر عبد لقراءة قصيدة اليكم مطلعها :
!! نحن سهارى هذا العالم
نحنُ سهارى هذا العالم
عشاقُ الريح
عشاقُ الصفصافاتِ الهيمانةِ في الريح
جـئنا من بغدادَ مجروحةً وجميلة
نفتحُ أبوابَ العالمِ للأمطار
جئنا من البصرةِ طفلةَ البحر
يَحملُها الضحى على كتفيه
من الكوفةِ تلعبُ تحتَ قمصانِـها النجوم
من الموصلِ حزينة ً
كوجوهـنا المصلوبةِ تحت الشمس
جئنا من لا مكانَ ومن كلِّ مكان
نحنُ العشاقَ الأقحاحَ
المجروحينَ بصوت المغني الذي ماتَ من كثرة الحبّ
المكسورينَ بحنين النوقِ وظلالِ النوق
في وديان الله الممتدةِ دون نـهاية
حيثُ تلوحُ لنا منارةُ الموصلِ من بعيد نوراً يخفقُ بالأمطارِ وصخبِ الأمطار
*****
نحنُ العشاقَ المأخوذينَ بـهذي الريح
وجروحِ الصفصافاتِ الهيمانةِ في الريح
قمنا لصلاة لابد منها
نصعد في سجدةٍ لا تنتهي
من كربلاءَ نصعدُ إلى كربلاء
رغم العواصفِ والجوارح والجروح
وحين يُصيـبُنا العمى
تأخذُ بيدنا السماوةُ إلى دارتـِها الخضراء
حيثُ المشرقُ والمغربُ يغرقُ، لكثرةِ رقّتهِ،
ثم قرأ عدنان لكريم نصا مفتوحا قدم له قائلا: نقرأ هذا النص المفتوح ،وهو يختلف عن القصة القصيرة ، فهو مفتوح حقا بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ..عنوان النص " السقوط في بئر".
ومن أجواء هذا النص :
" الوقت عال ، والمدينة بعيدة تحت المطر..تحت ثيابنا صيف ورغبة وذكريات ..الليل يغرق في برك الكلام ..والكلام يتسرب من بين الأيادي والأيام ..الكلام مظلة تتسع لنا جميعا ..حين نكون تحت الأمطار ..او تحت الأوهام والذكريات..نتصايح في الشوارع او نتعارك في البساتين ..أو حين ننتظر الله في ظلال السجون ".
" عندما أقتادونا من البيوت الى المدارس ..كان الكلام يلثغ في قلوبنا..وجوه أمهاتنا تستدرك مستغيثة،بالله والمعلمين ، ونحن لا نزال نحبو في أزقة الكلام .. نتهجى أسماءنا فتحبطنا المفاجأة والعصي ..وعندما يرفعون العلم العراقي تعلوا أصواتنا بالنشيد الوطني ، نشيد لا نفهمه، لكنه يتصاعد فوق رؤوسنا يعلو بنا ونعلو به، ننشد ورؤوسنا الى أعلى، بعضنا يرتجف بردا ..وبعض آخر يتلعثم لأن ريقه يابس ، فقد جاء الى المدرسة من دون فطور..يتلعثم النشيد في قلوبنا الصغيرة، ثم تسقط المدارس في الخوف والأرتباك. ما الذي يحدث ؟..ما هذا الضجيج..؟ انقلاب عسكري ..رشاشات وخوف وسيارات مسرعة ..وجوه المعلمين وعصيهم تبقى طاعنة في قلوبنا ..آثار النشيد على الحناجر ..وعلى الأصابع آثار البرد والعصي ثم تأتي العطلة الصيفية طويلة فنتقافز فوق الغيوم وتحت النخيل نلعب في البساتين المفتوحة تأخذنا الأيام والسنوات فنصبح رجالا ..ينتصر الغبار على وجوه المعلمين ، ينتصر النسيان على وجوهنا جميعا..نصبح رجالا بقلوب من قش وعشق ومصادفات..نذهب الى بغداد وثمة من يرتب اسماءنا في الأرشيف او في سجلات الأجهزة الأمنية.. نذهب ونضيع بين المدن والطرقات والثكنات..يقتلوننا في الحروب، وفي السجون يقدمون لنا شايا باردا وشتائم وطعنات..هكذا يحدث في كل فجر..وفي كل فجر يغسل المسؤولون وجوههم بالكذب والعار والنسيان".
الشاعر والفنان والاعلامي فلاح هاشم كانت له شهادة في كريم عبد وشاعريته جاء فيها :" الشعر الذي فيه ثيما، حتى اذا ترجم ، او نقل معناه، تبقى ضربته الشعريه متوقدة، مثل بعض شعر رسول حمزاتوف عندما يقول ما معناه : علماء الجغرافيا وصلوا الى مدى معين او علماء الجيولوجيا أكتشفوا باطن الأرض ، علماء البحار غاصوا تلك الأعماق ، علماء الفضاء وصلوا الى القمر ، أما أنا الشاعر فأريد أن أصل اليك أخي الأنسان.. هذه ضربة شعرية " . ثم واصل فلاح:
"في احدى المرات قرأت قصيدة لكريم عبد ما معناه انه يتحدث عن العراق متسائلا من الذي أعطاه هذا الأسم؟ من الذي أعطاه رقعة السماء هذه التي تظلله؟ من الذي أعطاه كذا كذا كذا ..وكل هذا العدد من الأنذال والمشانق؟"
ثم تحدث فلاح هاشم عن طبيعة الشاعر عبد :" القصيدة التي ذكرتها الآن أعتبرها منفذا لمعرفة طبيعة شاعر أمسيتنا لهذا اليوم ، فكريم في كتاباته كلها ، خصوصا حينما يكتب في أمور فكرية أو سياسية ، كتابته تشبهه تماما ، فهو شخص (يزعل) بسرعة ، اذا رأى شيئا يتعارض مع روحه المبدأية، فهو مبدأي جدا، الى درجة انه قد يخسر علاقات ، فيصيبه العطب اذا ارتبكت حوله العلاقات الأجتماعية .. كأنه يريد العالم أنقى مما هو عليه .. بهذه الحساسية ، يدخل الى نصوصه ".
اختار فلاح ، الشاعر ، قصيدة من قصائد كريم عبد ، قرأها على الجمهور :
وجهك يلوح وصوتك يتردد في الوديان
ماذا أعطيك وأنت ملكي؟
وماذا تعطينني وأنا الخسارة؟
أحييك بشمس موشكة على ثلج الحدائق
رغم انني أخرس الآن
خرس الأوراق
وذهول الأوراق
فليس ثمة بهجة حين تظهرين في مرآة الليل
وتختفين....
كانت قصيدة طويلة ، لكن القاء فلاح المسرحي لها ، أعطاها بعدا دراميا ، وصوتا فخما نقل ما تنطوي عليه حروفها وكلماتها وحتى فواصل صمتها ببعد درامي آخاذ ، تابعها الحضور بشغف تترجم هذا في عاصفة تصفيق في ختامها ..
وعاد الشاعر كريم لقراءات أخرى ..
وكعادة جمهور المقهى كان لا بد من الحوار الذي أضاف للأمسية آفاقا ومديات ذهبت اليها لتنساب الأحاديث الحيوية عن الملحمة والنافيلا والسرد والثيما الشعرية وعلاقتها بالأنسان والحياة .. كل هذه المحاور أجاب عنها كريم عبد بالتوضيح وبرؤيته الشخصية لها وعلاقتها بمنجزه الأبداعي .

فضاءات