فضاءات

خالد مزعل فهد بين مطامير البعث وسجون مؤسسة السجناء! / سميرة مزعل فهد

قد يندهش البعض من غرابة العنوان ..فمطامير البعث يفهمها الكثيرون وعاشوا تفاصيلها وقسوتها الاجرامية ..لكن سجون مؤسسة السجناء تطرح الكثير من علامات الاستفهام لدى القارئ الكريم.
السجن في مفهومنا هو ليس سجن الجسد بين جدران اربعة وباب حديدي موصد لكن سجن الاحلام والطموحات والحقوق اكثر وقعا على النفوس التي عانت الامرين في زمن الجلادين ... وها هي الاحلام والحقوق تتبدد من اناس لم يذوقوا طعم المرارة والهزيمة النفسية والجسدية على يد الجلاوزة وجاءت بهم الاقدار على رأس مؤسسة اوكلت اليها مهمة الدفاع عن هؤلاء المظلومين واسترداد حقوقهم التي سلبتها الطغمة البعثية المجرمة..
عاش خالد مزعل وترعرع في احضان الحركة اليسارية العراقية منذ ان كان يافعا لم يصل الى سن الرشد وكان من اوائل الذين اعتقلتهم سلطة البعث الدموية التي جاءت بانقلاب شباط الاسود عام 1963 فتم الحكم عليه بالسجن لخمس سنوات قضاها في سجن نكرة السلمان السيء الصيت فعانى ما عانى من ظلمة السجون ولم يتمتع بسنوات شبابه كما هو حال الاخرين وخرج من السجن ولم يجد عملا يقتات من خلاله قوت يومه لان السلطة العارفية سارت على نهج البعث في محاربة الفكر اليساري فذاق الامرين بين مراقبة وتوقيع في مراكز الشرطة وجوع وحرمان ورزق يسير من كامرا اخته الشمسية التي كسرتها الاجهزة القمعية مرات عديدة..
وعاد البعث عام 1968 وعادت معه اجهزته الاجرامية وممارساته القمعية بحق كل من لا يوافقه فكريا وعقائديا ولم يرضخ هذا الشاب المناضل لتلك الممارسات ولم يسر في ركب المجرمين فبقي معزولا اجتماعيا وسلطويا ومراقبا بشكل دائم من قبل اجهزة السلطة القمعية.. فبين مراقبة واعتقال وتنكيل وسلب للحقوق المدنية التي من المفترض ان يعيشها وبين ضنك العيش وصعوبة الحصول على الرغيف قضى سنوات شبابه ودخل مرحلة الكهولة وهو لم يزل شابا، واخيرا وجد متنفسه في الانتفاضة الشعبانية فكان اول الخارجين على سلطة البعث الدموية وشارك فيها بكل ما تبقى لديه من قوة وارادة فكانت ايام تنفسنا من خلالها الحرية للمرة الاولى.. لكن ارادة الطواغيت العرب والغربيين شاءت ان تجهض الانتفاضة المباركة في مهدها وتتبدد احلام الثوار المنتفضين مرة اخرى لتعود سلطة البعث اكثر تنكيلا بالمناضلين الذين لا يرتضون الخنوع لارادتها القمعية ويعود خالد مرة اخرى الى الزنزانة البعثية ولكنها كانت هذه المرة اكثر تنكيلا واجراما وقسوة وبين زنزانة الامن والمخابرات والفيلق الرابع والرضوانية واخيرا امن ميسان كانت رحلته المكوكية التي افقدته عقله ثم اطلق سراحه بعد ان قضى اكثر من سنتين في المعتقلات الامنية للنظام وبدأت مرحلة العلاج النفسي والعقلي على يد الدكتور علي مزيد اخصائي الامراض النفسية وكذلك الدكتور الاخصائي بالامراض النفسية طاهر عبد الرحمن طاهر اللذين بذلا جهدا خارقا لعودة خالد الى وضعه شبه الطبيعي وليستذكر سنوات العذاب والقسوة التي عاشها في مطامير البعث المجرم لكن حالته لم تستقر الى يومنا هذا وتعود حالة الهذيان وفقدان الوعي له بين فترة واخرى .
اعود مرة اخرى الى مؤسسة السجناء التي قدم اوراقه لها منذ بداية تأسيسها وبشق الانفس حصل خالد على جزء يسير من حقوقه التي لم تستمر بفضل الطارئين الذين تم وضعهم على رأس الهرم الاداري لهذه المؤسسة المهمة والحيوية وفعلت المحسوبية فعلها بفضل هؤلاء الذين لم يتضرروا يوما من اجرام البعث ودمويته فكانت الحقوق تعطى لمن لم يذوقوا طعم السجون الصدامية للاسباب السياسية فكان اهل المخدرات والمحكومين بجرائم القتل والسرقة والخيانة هم اهل الدار واصحاب الحقوق اما خالد المناضل الحقيقي وأمثاله من السياسيين فلم تحسب لهم سوى اشهر معدودة مما دعاه الى المراجعة ومتابعة قضيته وبسبب عدم اعطائه الاذن الصاغية وبسبب ما يعانيه من آثار نفسية ذكرتها آنفا ثارت ثائرته تجاه من ظلموه وسلبوا حقوقه المشروعة فما كان منهم الا ان يتهموه بتزوير الحقائق من خلال التلويح بقضية شهادة الجنسية التي استخرجت ايام سجنه وبشهادة العديد من ابناء ميسان ليعتبروها مثلبة عليه ويقولون له كيف استخرجت شهادة الجنسية وانت في السجن فتم قطع راتبه الذي استحقه ثمنا لحريته التي انتهكت ايام البعث المقبور وليعود زمن الفقر المدقع مرة اخرى.. رجل تجاوز السبعين من عمره الذي قضاه في السجون والمعتقلات والتعذيب وعقل منهك لا يقوى على ادراك ما يدور فبات بلا راتب ولا عمل يقتات منه حيث سلبت ارادته وكرامته ورغبته في العيش الكريم من قبل موظفين فعلوا كل ما بوسعهما من اجل ابعاد السجناء الحقيقيين والإتيان بمن كانوا مستفيدين من نظام البعث ليكونوا بدلاء غير شرعيين لمن عانوا من اجرام البعث ودمويته.. اليس سجن الحقوق والاحلام والكرامة اكثر قسوة من سجون البعث الدموي ؟ سؤال اطرحه لاصحاب الضمائر الحية التي لازالت لديهم بقايا من الانسانية التي هدرت في هذا الزمن.. اترك الاجابة والتعليق للقاريء الكريم لكي يصدر حكمه الانساني بحق هذه المؤسسة ومن يديرها من الطارئين.

فضاءات