فضاءات

رحيل العامل الباسل عبد زيد حمد غلوم / صباح راهي

السهيلية قرية تابعة لقضاء الكوفة تقع على بعد كيلومتر واحد من الشارع الرئيس المؤدي الى مسجد الكوفة, لذا كان سكانها على صلة وتواصل بمركزالمدينة ,وهذه القرية الوادعة تقع في قلب غابة نخيل تفيء بظلالها الوارفة حقول الخضرة والخضروات اليانعة وأشجارالفواكه المتنوعة التي أشتهرت بها القرية والتي تسقى بوساطة النواعير التي ترفع المياه من جداول ضيقة يغذيها نهر الفرات. لهذا فسكانها من الفقراء المعوزين .وعلى الرغم من شظف العيش فهم يتصفون بالكرم وحسن الضيافة الى جانب ما يمتلكونه من صفات الطيبة وحسن الخلق والوداعة والرقي. وموقع القرية المنزوي جعلها مكاناً آمناً وجالباً للسياسيين القادمين من مناطق الفرات الأوسط وبالأخص النجف والكوفة لعقد إجتماعاتهم ولقاءاتهم الحزبية والنشاطات الوطنية .ولقد دأب عبد الأمير حمد غلوم على إستقبال وإستضافة هؤلاء الوطنيين الأحرارفي بستان عائد لأخيه الأكبر جاسم الذي يقع على بعد عدة مئات من الأمتار عن بيته المراقب من قبل الشرطة على الدوام. فعلى سبيل المثال تم في هذا المكان عقد مؤتمرلأنصارالسلام عام 1954 والذي إفتتحه الشيخ عبد الكريم الماشطة والذي قدم من الحلة لهذا الغرض وضم المؤتمر في ثناياه أيضاً كثير من الشخصيات النجفية والكوفية نذكر منهم الشيخ محمد رضا الشبيبي والشاعر عبد الحسين أبو شبع والسيد كاظم القابجي والرفاق محمد رضا الحسيني وحسين سلطان وحسين شعلان الماضي وسليم حميد مرزه ونجم حمزه الكردي وصاحب كاظم حنحون ومحسن الشامي وجمع غفير من الفلاحين والكوادرالحزبية الفلاحية الى جانب ما كانت تحتضنه هذه القرية من الكونفرسات الحزبية للشيوعيين .ولقد بدأت هذه النشاطات السياسية في السهيلية منذ عام 1952 عندما إتصل سليم مرزه وهو إبن القرية بالفلاح عبد الأمير حمد مشكلاً أول خلية فلاحية في المنطقة والتي كان من بواكير نشاطاتها قيادة إضراب طلاب ثانوية الكوفة عام 1954 .في هذه القرية ولد الراحل عبد زيد حمد (أبو سلام) في عام 1939 وعاش في بيئة فلاحية يعاني الفقر وإنتشار الأمراض والأمية بين صفوف سكان القرية. وعندما غدا صبياَ بدا عليه التأثر بأفكار أخيه عبد الأميروالتي تدعو للحرية والدمقراطية والنضال من أجل رفع الحيف عن الفقراء بما فيهم العمال والفلاحين ,والدعوة الى مكافحة الأمية وتشجيع الناس على إلحاق أبنائهم بالمدارس.وهكذا وجد عبد زيد (أبو سلام) وهو لما يزل صبياً يحمل تلك المبادئ الإنسانية التي يدعو إليها أخوه وينادي بها حتى أصبح له دورمتميز في بث أفكارالحزب الشيوعي الى شباب القرية ونسائها ونشر أدبياته.
في جلسة جمعتني مع عبد زيد في خريف 2016 ذكر لي أسماء الشيوعيين الذين كانوا يجتمعون في بستان أخيه جاسم حمد وهم :- سليم حميد مرزه (أبو داود), حسين شعلان الماضي, محمد صاحب الحكيم, حامد عجينه,حسين سلطان (أبو علي),محسن الشامي, والرفيق (أبو حامد) القادم من مدينة الشامية. وخوفاً من مداهمة الشرطة الخيالة لهؤلاء المجتمعين فقد أوكلت مهمة مراقبة الطريق للصبي عبد زيد.ونظراً للنشاط السياسي الذي بدا واضحاً في القرية صدر أمر إلقاء القبض على سليم مرزه الذي تمكن من الهرب والإفلات من قبضة الشرطة بمساعدة عبد زيد وآخرين خدعوا الشرطة ومهدوا طريقاً آمنة تؤدي به الى قرية (ألبو حداري) ليتخلص سليم مرزة من قبضهم .
نظراً لما أبداه عبد زيد من نشاطات متميزة لذا قرر الرفيقان سليم مرزه وحسين سلطان تكليف عبد زيد ليكون مسؤولاً لإحدى الخلايا الحزبية الست التي تشكلت في القرية وبمعدل ثمانية رفاق لكل خلية,وبعد أن لوحظ نجاحه في قيادة الخلية تقرر إنتدابه كمراسل لنقل البريد الحزبي بين النجف والكوفة, وهذا التكليف دفع الفتى أكثر وشجعه لمواصلة النضال عن قناعة وإيمان وحمل الحرية والديمقراطية وسعادة الشعب العراقي .وهكذا نشأ عبد زيد وعاش مهتدياً بالمثل العليا وإلتصق بتربة الوطن حد التجذر.
في عام 1956 وأبان العدوان الثلاثي على مصر (حرب السويس) ساهم عبد زيد ومجموعة من رفاقه بالمظاهرات الصاخبة التي جرت في كل من النجف والكوفة وأعتقل في أعقابها هو وإثنا عشرمن رفاقه في مركز السدرة بدرعية النجف, ثم أطلق سراحه بكفالة بعد أن قضى بالموقف شهرين , ولم يفت هذا في عضده , وإنما زاده الأمر قوة وصلابة وإندفاعاً, فخرج من التوقيف مملوءاَ بالزهو والفخر وهو يشعر بدوره المهم والمؤثر في قريته السهيلية خاصة وفي مدينته الكوفة عموماً من خلال إلتفاف الناس من حوله.
بعد قيام ثورة 14 تموز المجيدة برز أبو سلام كقائد جماهيري في صفوف العمال ومناضل فذ وأبلى في ذلك بلاءاً حسناً . بعد إنقلاب شباط 1963 بأيام وبالضبط في يوم 12 شباط صدرت الأوامر بإلقاء القبض على الكثير من المناضلين وبضمنهم (أبوسلام) الذي أودع في مركز الشرطة المطل على نهر الفرات , ثم تم ترحيله مع ثلة من رفاقه الى معتقل خان الهنود في ميدان النجف وبقى هناك الى يوم 3 نيسان يوم إستدعائه هو وخمسة من رفاقه ( لقمان خوجه, شاكر كرضه, عمر كرضه,عزيز جوده الشيخ رسول, مهدي كاظم أبو الفجل ) للتحقيق بطلب من قيادة الحرس القومي في الكوفة . بعد وصولهم الى نادي المتنبي في الكوفة وهم مصفدي الأيادي مثنى مثنى تم إفرادهم لتبدأ جولة التعذيب من قبل الأوباش الساديين .من جهته فقد بدأت عملية التحقيق معه بعد منتصف الليل ,لكن الصمود الأسطوري الذي أبداه البطل عبد زيد أمام جلاده سبب لهذا الجلاد رعباً شعر معه بحقارة نفسه وتضاؤل حجمه أمام طود عنيد أشعره بالمهانة , فصار يضرب عبد زيد بطريقة هستيرية بالسوط تارة وبصوندة أدخل فيها شريط معدني صلب تارة أخرى مما أدى الى كسر ساقه اليسرى ففقد توازنه وسقط أرضاً يتلوى من الألم .لكن المجرم الذي لم يعرف قلبه معنى للرحمة (أتحفظ على ذكر إسمه) إستمر بالضرب على جسده النحيل حتى نال منه مصاباً في كليته اليسرى فعطلها والى الأبد , وهنا فقط صرخ عبد زيد من الألم وأغمي عليه.
بعد عودته الى الموقف ساء وضعه الصحي كثيراً وظل يعاني من الآلام المدمرة حتى يوم 10أيلول 1963 إذ أطلق سراحه بكفالة بعد أن قضى غالبية أيام التوقيف نزيلاً في مستشفى الفرات الأوسط يحظى بعناية الكوادر الصحية فيها من أهل الكوفة الطيبين. وفور إطلاق سراحه راجع الدكتور رضا عجينه الذي أحاله الى المستشفى الجمهوري في بغداد وبتوصية خاصة ليقوم الدكتور جابر محسن وعلى الفور بإستئصال كليته اليسرى التالفة وينقذ حياته.ولابد من أن نذكر للقارئ الكريم مقدار مايحمله هذا الإنسان من خلق سامي تجلى في موقفه عام 1991 عندما بكى وهو يشاهد جثة من أشرف على تعذيبه عام 1963 وأمر ولده أياد بإخفاء الجثة خوفاً من عبث الغاضبين قائلاً له ((إفعل ما أأمرك به فأنا أختلف معه بالتفكيرلكنني أشترك معه بالإنسانية)).
أحيل أبو سلام (ومعه 53 مناضلاً من النجف والكوفة) الى محكمة أمن الدولة الأولى ومقرها معسكر الرشيد في 3/8/1963 وكانت برئاسة العميد نجم عبد ألله العاني .أذكر بعض من أسماء هؤلاء المحالين الى هذه المحكمة مع حفظ الألقاب :-
من النجف ... حميد الإسكافي, منعم الصايغ, شاكر القطيفي, عبد الله عمران موسى, أديب عجينه, محمد صاحب الحكيم, خوام شير علي , منذر مرزه, عز الدين المانع, جبار رضا عبد ننه, عبد الزهره الحلاق, هادي الكيشوان, جاسم شيخ محمد المظفر, فاضل سميسم وآخرين. ومن الكوفة , رزاق أسد وحسين جاسم الوائلي وفاضل سيد جبر.
خرج أبو سلام من الموقف ليعود مناضلاً عنيداً في صفوف حزبه ,ونشط في تنظيم الخلايا وقيادتها ,وفي هذه الفترة تقدم للحصول على إجازة فتح مخبز لكن طلبه رفض لأربعة مرات بسبب موقفه السياسي لذا إضطر لطلب إجازة بإسم زوجته . وحصل الأمر نفسه عندما أراد تسجيل بيت إشتراه عام 1972 . وفي أثناء عمله كخباز كان يعمد لجعل وزن شقفة العجين أكثر 10 غرامات عن المطلوب لكن رجال الأمن يزورون المحل بشكل مفاجئ ويفحصون وزنها ويلاحظوا الزيادة ومع ذلك يطلبون إصطحابه معهم الى دائرة الأمن .أو أن يستدعى من قبل هذه الدائرة بين الحين والآخر ويتم توقيفه لأشهر أو لأسابيع أو لأيام حتى في أعقاب تقريركاذب ضده يرفعه أحد مرتزقة الأمن . فمثلاً أعتقل في 29 حزيران 1978 لمدة سبعة شهور لرفضه الإنتماء الى حزب السلطة تم خلالها تعذيبه بإشراف ضابط الأمن حاكم السيد خلف الذي أمر بتعليقه بالمروحة السقفية لمدة ثلاثة أيام مشدود اليدين الى الخلف ثم نقل الى مستشفى الفرات على ظهر سيارة بيكب بسروال وفانيلة ممزقة وبقي يعاني من آلام الظهر حتى يومه الأخير. وأخرى في 5 آذار 1983 بعد إشتداد حملة الإعدامات الظالمة للوطنيين أبان الحرب العراقية الإيرانية , ولم يطلق سراحه إلا في 12 كانون الأول من العام نفسه بعدأن قضى مدة توقيفه في مديرية الأمن العامة ببغداد.وهذا فيض من غيض.
رحل أبو سلام عنا والى الأبد يوم الخميس 11مايس أثر حادث دهس بسيارة يقودها شاب يعوزه الورع , وفي يوم الحادث نفسه وقبل وفاته طلب من أولاده التنازل عن الشاب الذي دهسه خوفاً عليه من السجن والأذى وأوصاهم بعدم متابعة الموضوع . كان رحيل هذا العامل الباسل قد شكل خسارة كبيرة لعائلته ولرفاقه ولحزبه وهو الذي كرس كل حياته من أجل قيام عراق ديمقراطي يصون كرامة المواطنين ويرعى حقوقهم ويضمن مصالحهم وبالأخص الفقراء منهم لتسود العدالة والسلم الإجتماعي ,ومن أجل توفير السعادة لأفراد الشعب في وطن حر.رحل أبو سلام في وقت يعاني شعبه الذي ناضل من أجله وضعاً أمنياً متردياً وبطالة وإنعدام فرص العمل بعد أن إنحسر الإنتاج الزراعي وأقفلت المصانع أبوابها وإنتشرت الأمراض وتسرب الصبية من المدارس لابل وحتى العزوف من التسجيل فيها, إلى جانب إنتشار الفقر وما نتج عنه من تفسخ أخلاقي وتفكك عائلي يثير الرعب ,ناهيك عن ماتركته الحرب الداخلية وما خلفته من مآسي ودمار, وكل هذا يمكن أن لا يحصل لولا المحاصصة الطائفية والإثنية التي إختارها الحكام المتصارعين على المنافع والمغانم والتسابق على سرقة المال العام. رحل أبو سلام وفي نفسه غصة وفي صدره حسرة وهو الذي أفنى عمره يناضل من أجل الفقراء والكادحين. عرفه الناس مخلصاً نقياً طاهراً يمنح أرغفة الخبز بالمجان وبصمت وهو سعيد لمن لا يجد شروى نقير دون منة وكان يردد دائماً بأن هذا خبز الفقراء والعناية به هي جزء من مهمات المناضلين ,وفعلته هذه تندرج في واحدة من صور النضال . ترك أبو سلام جرحاً في قلوب محبيه وأهل مدينته جميعاً ,وما موكب التشييع المهيب الذي جرى له في الكوفة إلا دليل عملي لما تركه هذا المناضل في نفوس أهله أهل الكوفة الطيبين.
وداعاً أبا سلام...............

فضاءات