فضاءات

حميد مجيد جوري العطار .. الشيوعي الشجاع الذي توهج بعشق العراق / جلال حسن

في بداية السبعينيات يوم كنا طلاب على مقاعد الدراسة في متوسطة المرتضى للبنين، دعاني الصديق حميد مجيد جوري العطار لزيارة محلية الحزب الشيوعي في العمارة، وكانت المحلية تقع في بداية الفرع الأخير من شارع المعارف " التربية" حاليا في محلة التوراة، وكان مسؤول المحلية آنذاك السيد عبد الواحد كاظم الهاشمي والمعروف باسم " أبو عبد الله" والمقر عبارة عن بيت متواضع بطابقين تتخلله باحة متوسطة مليئة بالصور واللوحات التشكيلة وشعارات الحزب، ولم أعرف وقتها أن المكان مراقب من أجهزة الأمن.
عند خروجي من المحلية وفي الفرع الضيق المؤدي الى كنيسة أم الأحزان أوقفني شخصان عرفت إنهما من رجال الأمن، وأخبرني أحدهما بطريقة تهديد مباشر أنه الإنذار الأخير بل المرة الأخيرة المسموح بها بمرافقة المدعو حميد مجيد جوري لأنه شيوعي ومراقب من الأجهزة الأمنية ومن يمشي معه يتحمل نتائج سيئة ومصيره الحبس.
أتذكر وقتها قلت له باندفاع: أنا حر في اختياري وتحديد أصدقائي، طبعا كلامي لم يعجب الشخص الثاني فتخلى عن صمته بتهديد ووعيد وكلام آخر. لم يكن عمري آنذاك يسمح بالرد عليه فذهبت الى البيت منزعجا. وتشاء الصدف ان الشخص الأول سكن في نفس المنطقة التي أسكن فيها في بغداد وكان جارا لي لمدة أكثر من عشرين عاما بعد ان تقاعد من عمله، ولم أخبره حتى وافاه الأجل قبل سنتين.
كانت تلك الأيام مزروعة بالرعب وبعد أسبوع زاد الخوف بين المدرسين والطلبة حين القي القبض على مدرس الرياضيات فرج عثمان الملقب " أبو أحمد" وكان أستاذاً محترما، يتعاطف معه الطلبة لخلقه الرفيع وطيبته وجديته بالتدريس، كذلك يتعاطف الطلبة مع الأستاذ الشيوعي عبد الإله عبد الجليل الشيباني مدرس اللغة الانكليزية في متوسطة المرتضى لما يتمتع به من حضور وانسجام ومودة وحظوة خاصة بين الطلبة.
كان الرجل يأتي من بيتهم كل يوم على دراجة هوائية، لكن في ذلك اليوم جاء بدونها وتبدو عليه علامات الحزن عكس كل مرة وهو المعروف عنه بالمزاح والابتسامة الدائمة، لذلك أحس الطلبة أن هناك خطب حصل في الأوضاع العامة خصوصا ما جرى في المتوسطة بعد إلقاء القبض على فرج عثمان لكن جرتْ الأمور بصمت يحمل دلالات من حالة توجس عام.
وكان الأستاذ عبد الإله عبد الجليل الشيباني لا يلتزم بالحد الأدنى من الاشتراك الشهري، بل هو الشخص الوحيد الذي يتبرع بأكثر من 20 دينار شهرياً للحزب.
كما كان مدرس مادة الرسم الفنان الأنيق عاصم فليح يحتل منزلة خاصة عند الطلبة وهو المدرس الجاد حيث تعتبر حصته الدراسية في مادة الرسم من أمتع الدروس لأنها حضور فني تكشف عن واقع متميز حين يطلب من احد الطلبة ان يجلس موديلا لكي يتعلم الطلبة فن الرسم في تلك الحصة التي يعيش فيها الطلبة أجمل اللحظات، كذلك مدرس الكيمياء الأستاذ ستار عبد الجبار في مختبره الذي يحضر كل المواد للتجارب التي يجريها وفق المادة الدراسية، كذلك مدرس الجغرافيا الأستاذ سالم علوان يوسف وهو يفصل خرائط العالم على مقياس احترامه لطلبته، وكان يترأس الإدارة آنذاك الأستاذ ابراهيم غانم كحيط والمعاون غفوري .
خلال تلك الفترة زادتْ علاقتي بالصديق حميد مجيد جوري العطار، وكانت حصة الأدب وخصوصا درس الإنشاء تأخذ حيزاً للنقاش بين المدرس والطلبة، لأن حميد مجيد جوري كان مثقفاً بارعا في صياغة المواضيع الإنشائية والمضامين التي تجعل الطلبة يفاجئون بالتعبيرات الجميلة والجمل الأنيقة والأفكار الجديدة. فكانت لقاءاتنا تزداد نقاشا حين نخرج من المدرسة الى بيتهم في وسط محلة المحمودية، وكنا نلتقي مساءً في مقهى بيروت لصاحبها " أبو سعدون" في شارع دجلة قرب معرض الأجهزة الدقيقة التي كانت تسمى الأفريقية حيث يوزع فيها صحيفة "طريق الشعب" مجاناً. لم نكن منتمين للحزب، لكن حميد مجيد جوري هو المنتمي الوحيد، ليس بالضرورة الانتماء قدر أن يكون الإنسان حراً هذه كانت مشاعري آنذاك حين كنا نتحاور مع حميد، لكنه يعتبر أن الانتماء هو تأكيد الهوية الوطنية التي يعمل على تعزيزها وشرط التعبير عن تأكيد تلك الهوية، وكثيرا ما جمعتنا اللقاءات بالصديق "سعد صخه" الشاب المتنور الذي يرى الحياة في جانبها المبهر حين يتم التخلص من الدكتاتورية والرجعية والشوفينية وكل السفلة.
كان حميد مجيد جوري العطار يمتاز بثقافة عالية وثقة بالنفس لا يحدها خوف، وكان شجاعا وصاحب لباقة أدبية متميزة وكثيرا ما يحدثنا ويقرأ لنا عن الحرية والاشتراكية والفقراء ومعامل الطحين ووسائل الإنتاج وهموم الفلاحين والعمال ومعاناة النساء، والتوجه لقراءة كتب الفكر والأدب ويلخص أفكار ماركس ولينين وأنجلز.
في احد الايام في بداية السبعينات جاء أحد الطلبة من المنتمين الى الاتحاد الوطني آنذاك وطلب من المدرس خروج الطالب حميد مجيد من الصف لمسألة خاصة. وبعد انتهاء الدرس عندما أعلن جرس المدرسة عن فرصة ذهبت الى غرفة الإتحاد الوطني كانت مقفولة من الداخل وفيها سمعت ضرباً وصياح وكلاما بذيئاً، وفي ذلك اليوم لم أر حميد مجيد جوري لكني رأيته بعد يومين مدمى الوجه من أثر الكدمات. وزادتْ عليه المضايقات والتعهدات من قبل لجنة الإتحاد الوطني ، لكن كل هذا لم يمنع حميد من مزاولة عمله وعشقه لأفكاره في واقع يسعى الى تغييره.
بعد زمن افترقنا، لكني عرفت بان حميد مجيد جوري القي القبض عليه من قبل رجال الأمن في أحدى فنادق بغداد في بداية الثمانينيات وانقطعت أخباره، ومع النهاية المأساوية التي حصلتْ له، تبقى صورة حميد مجيد جوري العطار المثقف الشجاع الذي يتوهج مع ذاته تنير ذاكرة أجيال ترفض النسيان وترسم بالقلم الأحمر تاريخا بهيا في معنى أن يكون الإنسان صاحب قضية ومسعى نحو تحقيق ذاته.
تحية الى كل بطل مجهول يعشق الوطن بالحب والانتماء للعراق، تحية لمن يعشق ولا يساوم ولا يهادن، تحية الى قوافل الأبرياء الذين غابوا ظلما وعدوانا.

فضاءات