فضاءات

لحظة الوصول السعيدة الى قاعدة بهدينان / أمير أمين

حينما بدأت بالتوجه لوطني العراق عبر تركيا مع عدد من رفاقي الأنصار ، كانت جبال تركيا مكسوة بالثلج الناصع البياض ومثلها كانت جبال وطننا العراق بحيث أنني لم أحقق رغبة إحدى رفيقاتي التي طلبت مني أن أقبّل أرض الوطن لحظة وصولي اليه ! ولم أستطع من تقبيل الثلج الذي كان يغطي كل مكان وبكثافة عالية الى أن وصلنا أول قاعدة للحزب الشيوعي في بهدينان ليلة الثاني من كانون الأول عام 79 وإستقبلنا من قبل الفقيد الملازم أحمد الجبوري أبو وليد والذي كان يشغل مسؤولية القاعدة بالإضافة الى عدد من الرفاق الرائعين والذين إستشهد عدد كبير منهم في السنوات اللاحقة من نضال الأنصار المسلح.. كان الفقيد أحمد الجبوري يرحب بنا بكلمات كردية مثل هاوري جيان وفرمو ..أي تفضلوا وبعد دخولنا لقاعة الأنصار وثم استرحنا قليلاً، جلبوا لنا خبزة صغيرة جداً وأعطوا لكل واحد منّا خمسة جوزات مع كأس شاي صغير ساخن ولذيذ عرفت أنها وجبة العشاء بعد أن تصورت في البداية أنها فقط لفتح الشهية !! لكن الشهيد أبو سلام نفط الذي جلس قربي وضح لي كيفية الحرص على عدم رمي أي شيء من الخبز لعدم وجود كميات إضافية منه ونصحني بأن أخبيء أية قطعة زائدة بجيبي ليوم غد خوفاً من الجوع وهذا الخبز كنّا نستلمه من تنور يعود للحزب الديمقراطي الكردستاني ومقره يقع بالقرب من مقر قاعدتنا وهذا ما شاهدته فيما بعد ، كانت ليلة باردة لكنها أصبحت دافئة من خلال أحاديث الرفاق الشيقة وذكرياتهم الجميلة عن الوطن وعملهم السابق فيه من خلال الجامعات التي كانوا يدرسون فيها أو عملهم في دوائر الدولة وأحاديثهم عن زملائهم وعن عوائلهم ورفاقهم وجيرانهم ومن الوجوه التي لا تنسى في تلك اللحظات كان وجه دكتور القاعدة الشهيد عادل والذي كان يتحف الرفاق بقراءة نشرة الأخبار والشهيد أبو سلام نفط صديقي الذي تعرفت عليه في لبنان وهو طيب جداً ومن اهالي البصرة وإسمه أحمد عبد الأمير وكانت له مسؤولية في الحرص على تقنين كميات النفط المستخدمة في القاعدة فأضيفت الى لقبه وسمي أبو سلام نفط وإستشهد في أحداث بشتاشان عام 1983 وكان عائداً من رحلة علاج من إيران ولم يكن حينها حاملاً للسلاح ..! وكان تلك الليلة الشهيد أبو علي النجار والشهيد أبو آذار وهما من الناصرية والشهيد أبو غسان وهو من أهالي خانقين والفقيد أبو شروق الذي صار فيما بعد آمراً لإحدى السرايا وتوفى عام 2009 في ليبيا والشهيد أبو جلال الذي كان مستشاراً سياسياً لإحدى السرايا وإستشهد داخل الوطن والشهيد أبو لهيب والنصير أبو نرجس من الناصرية وعدد آخر من الأنصار الشهداء أو الذين لا زالوا أحياءً وقد كانت تغص بهم القاعة ويتعالى ضجيجهم وضحكهم وآلامهم على وطنهم وشعبهم بنفس الوقت ..بتنا تلك الليلة ونحن نحلم بأننا أصبحنا سعداء ونعيش في رقعة طيبة من أرض الوطن على الرغم من البرد والرطوبة والبعد عن مدننا وعاصمتنا الحبيبة بغداد لكننا نمنا بعمق وفرح وفي اليوم التالي منحونا إجازة ليوم واحد فقط لكي ينزاح من أقدامنا التعب والألم وثم جرى لقاؤنا مع أبو وليد الذي يسمى أيضاً أبو إزدهار ولم أعرف أنه كان عربياً إلاّ بعد مرور مدة من الزمن فقد كان شكله يميل للأكراد كما أنه يتقن اللغة الكردية بشكل جيد وحينما إلتقانا وضعنا كل ما جلبناه أمامه كالأدوية والصابون والمعلبات والكتب وحتى النقود المتبقية لدينا ، طلب من أحد الرفاق جمعها بعد أن شكرنا على ذلك وشرح لنا بعضاً من الأمور العامة والتي تشمل الجوانب العسكرية والمعيشية والمخاطر التي قد تواجه عملنا الانصاري ..وكانت له خبرة كبيرة بالعمل تمتد لعام 1963 فكان منظماً جيداً لمجمل عملنا وهو طيب ومحب لرفاقه ويتعامل بإخلاص وثقة معهم وكانت احاديثه مبعث سعادة وإنشراح وقد نظم حياتنا بشكل رائع منذ اللحظة الأولى بحيث صرنا ننهض في الساعة السادسة صباحاً ونغتسل في ماء الخابور البارد والذي يسمى الروبار ثم نتناول الفطور الذي كان غالباً ما يكون شوربة عدس مع خبزة صغيرة واحدة لكل نصير وقدح شاي من النوع الصغير وغالباً ما نتناول قدحاً آخر ثم ننصرف للعمل مباشرة ، شاركت معهم أول مرة يوم الرابع من شهر كانون الاول ولم يصدقوا حينما اخبرتهم أن هذا اليوم هو عيد ميلادي !! وكان يوماً شاقاً جداً وبارداً قمنا خلاله بعملية تقطيع الحطب وجمعه بكميات كبيرة لغرض إستعماله في الطبخ والبناء..إستمرينا لمدة محدودة بإستلام الخبز من حلفائنا بيشمرگة الحزب الديمقراطي الكردستاني وكانوا يعطون لكل نصير ثلاثة أرغفة لثلاث وجبات ولكننا كنّا نشعر دائماً بالجوع وثم عمل لنا الرفاق تنور صرنا ننجز فيه خبزاً شهياً وبحجم أكبر قليلاً من السابق لكن البرد وشدة العمل تتركنا أسرى الجوع الدائم وكانت وجبة الغداء غالباً هي البرغل الأحمر ووجبة العشاء كانت اللبن الذي يتم صنعه من قبلنا في القاعدة مع خبزة واحدة لكل نصير وعند المساء تبدأ ساعة المطالعة الإجبارية حيث ينصرف الجميع للقراءة على ضوء الفانوس أو اللالة المعلقة على سقف القاعة وفي هذه الساعة يمنع الكلام بالنسبة للجميع ومنهم الذين ليس بيدهم أي كتاب فكثيراً ما كان الشهيد عادل أبو سربست يتذمر ويقول .. رفاق ليش آني ما يصير أحجي..! فهو رجل أمي وفلاح كردي بسيط من سكان القرى ولا يحسن القراءة لكنه يلتزم أخيراً بالصمت مراعاة لأمر الحزب الذي كان يقدسه .كانت عملية شراء مواد التموين تتم عن طريق تاجر كردي تركي إسمه درباس نشتري منه كل ما نحتاج اليه بالتقسيط المريح ونقوم بتسديد بعض الديون التي بذمتنا ونترك بعضها للأشهر الأخرى ونشتري منه مواداً أخرى ثم صرنا نشتري بعض المواد من القرى الكردية العراقية وكان التعامل يجري بالدينار العراقي وأيضاً بالبنكنوت التركي أي الليرة ولم نكن في الأشهر الأولى نستلم أية مخصصات مالية من الحزب وكانت القاعدة توفر للأنصار المدخنين السجاير من خلال شرائهم گونية تبغ مع أوراق لف يستطيع من خلالها المدخنون ان يقوموا بعملية لف السجاير التي يحتاجون اليها في أي وقت ولما صار وضع الحزب المادي أفضل وصار يمنح أنصاره بعض المخصصات المالية ، باشر الأنصار بتدخين السجاير العراقية أو التركية مثل سمسون وسومر وغيرها وكان الأنصار من غير المدخنين يساهمون بمنح بعض الأموال البسيطة من جيوبهم الخاصة للأنصار المدخنين لمساعدتهم في شراء علب التدخين وهم غالباً ما يستخدمون أموالهم لشراء المعلبات من التجار الذين يحملونها معهم للقاعدة أو من دكاكين القرى القريبة والتي نشتري منها التموين بأنواعه ، كانت تنظم للأنصار ندوات للتوعية السياسية أو العسكرية كل أسبوع مرة وتتم عند المساء بعد تناول وجبة العشاء يتم فيها الحديث من قبل الفقيد الملازم أحمد الجبوري عن وضع القاعدة ومشاكل الرفاق وتتاح للجميع المناقشات وإبداء آرائهم بحرية وكانت بعض الندوات يتم فيها التطرق الى تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ونضاله وغالباً ما يكون المحاضر فيها مستشار القاعدة السياسي الفقيد أبو علي وهو عمر الياس الموصلي الذي كان يتحدث ببطيء وتركيز عن كل ما يخص تاريخ الحزب والسنوات التي عاصرها فيه وهو من الرفاق القدماء الأوائل بالحزب والذي كان له تاريخ مجيد ونضال يعرفه الجميع في حقبة الحكم الملكي والجمهوري ومشاركته في الهبّات والانتفاضات الشعبية.. كنّا ننصت اليه ونسأله عن كل ما يجول بخواطرنا من أمور تخص الحزب وتاريخه وسياسته وفي إحدى المرات أخبرني أنه يريد أن يقوم بإشراف على الخلية الحزبية التي كنت أديرها وحضر للإجتماع وأثنى على قيادتي له وحينما إنتهينا قلت له.. يا رفيق هل كانت عندي سلبيات في إدارة الاجتماع .! ضحك وقال.. لا .. إنت كنت تقود بشكل جيد ثم أردف كلامه ..لكن لا تكثر من كلمة ..نظام ديكتاتوري.. نظام همجي.. نظام إجرامي ...الخ فهذه غير مهمة ، لكنك كسكرتير وضح لهم ما يفعله النظام من جرائم بحق شعبنا وهم سوف يعرفون أنه إرهابي أو إجرامي أو ديكتاتوري...وقد أفادتني هذه الملاحظة كثيراً في السنوات اللاحقة .كان الفقيد عمر الياس روحه وعقله ومجمل طبعه وتفكيره هي للحزب وان كل كيانه يسخرها لخدمة حزبه وشعبه.. وفيما بعد تم ترحيل الفقيد أحمد الجبوري وإستبدل بالرفيق ملازم خضر أبو عايد ليكون قائد القاعدة العسكري والرفيق أبو علي بقي معه يعمل كمستشار سياسي لحين استبدالهما لاحقاً بالفقيدين توما توماس أبو جوزيف كقائد عسكري وأبو عواطف سليم إسماعيل كمستشار سياسي وكانوا حينها أعضاء في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ....
كانت الأيام والشهور الأولى في قاعدة بهدينان زاخرة بالعمل المثمر من خلال فتوة الشباب وتحديهم للصعاب والألفة والمحبة والتعاون الذي جمعهم بحيث عملوا على تشييد قاعدة أنصارية قوية ومتينة ومنها إنطلقت مفارز الأنصار المتوجهة لعمق الوطن.

فضاءات