/
/

اول لقاء لي مع العزيزة بثينة ( ام سعد ) كان في ١٤ تموز ١٩٧٣ وكان الحزب الشيوعي العراقي ورابطة المرأة العراقية وبقية المنظمات الديمقراطية آنذاك قد نظموا اول مسيرة علنية بعد انقلاب شباط الأسود للاحتفال بالذكرى الخامسة عشر لثورة تموز. كانت مسيرة ضخمة انطلقت من اول شارع الربيعي في زيونة باتجاه ملعب الشعب مكان الاحتفال، لفتت نظري واثارت اعجابي شخصيتها الهادئة والقيادية في نفس الوقت. التقيت بها كثيراً فيما بعد خلال العمل المشترك في اللجنة العليا للرابطة، ولحسن الحظ ترسخ هذا الانطباع الجيد عنها نتيجة طروحاتها ووعيها ورؤاها الناضجة والعقلانية.
ولدت د. بثينة في مدينة عنه عام ١٩٣٨، لعائلة متجذرة فكراً تقدمياً وتوجهاً وطنياً، والدها الدكتور عبد الحكيم شريف شقيق الشخصية الوطنية المعروفة عزيز شريف والشهيد الباسل عبد الرحيم شريف، الذي اثر فيها بشدة لشخصيته القوية وثقافته الواسعة، وانحازت لطروحاته حيث كان بالنسبة لها المثال الذي يقتدى به . والدتها السيدة مقبولة احمد، احدى ناشطات رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية بعد تأسيسها. وكان لها دور مجيد في رعاية ذوي المعتقلين اثر انقلاب شباط الاسود.
اكملت دراستها الثانوية في الأعظمية بتفوق واستطاعت الحصول على بعثة لدراسة الكيمياء في الجامعة الامريكية في بيروت. تخرجت عام ١٩٥٧ وتعينت معيدة في قسم الهندسة الكيمياوية/ كلية الهندسة في بغداد.
انخرطت في العمل كمتطوعة في جمعية الهلال الأحمر ثم تعرفت على المناضلة الكبيرة والمعروفة سافرة جميل حافظ في الاتحاد النسائي العراقي، اثرها انضوت في صفوف رابطة الدفاع عن حقوق المرأة التي كانت تُمارس نشاطها بشكل سري في ذلك الوقت، ثم انضمت للحزب الشيوعي العراقي اثر قيام ثورة تموز.
التقت بشريك حياتها الشهيد البطل الدكتور محمد الجلبي في تموز ١٩٦٢، وعقد قرانهما في ٢٧ كانون الثاني ١٩٦٣ حيث حرص الشهيد ان يرتبط يوم زواجهما بذكرى الوثبة. وسافرا الى البصرة لقضاء شهر العسل هناك.
نتيجة تدهور الوضع السياسي اثر إضراب الطلبة البعثيين والقوميين الشوفينيين ضد حكم الشهيد عبد الكريم قاسم، بتحريض من القوى الرجعية ودعم المخابرات الامريكية والبريطانية، قطع الشهيد محمد الجلبي شهر العسل وعاد مع بثينة الى بغداد ٧/ ٨ شباط . ليهرع الشهيد الى الكاظمية للاشتراك في مقاومة الانقلابيين، وتم اعتقاله مع الشهيد البطل متي الشيخ بعد سحق المقاومة بالدبابات ونقلا الى قصر النهاية، واستشهدا تحت التعذيب الوحشي وقدما حياتهما ثمناً لصمودهما.
حاولت بثينة الاختفاء عن أعين الحرس القومي باللجوء الى بيوت الاقارب والاصدقاء ، الا انها سرعان ما اعتقلت في ٢٠ شباط مع مجموعة من الرابطيات وتم سجنهن في حمام احد البيوت لمدة شهرين، حيث استطاعت والدتها عبر التوسط لدى بعض المعارف إطلاق سراحها. وهرعت مباشرة الى بيت المرحومة والدة الشهيد زوجها لتعرف اخباره دون جدوى، وبعد وساطات من بعض الاقارب استطاعت ان تقابله في مبنى الادارة المحلية في المنصور، بعد ان أحضروه من قصر النهاية لتفجع فيما بعد باستشهاده.
تم فصلها من عملها وبقيت عاطلة عن العمل حتى عام ١٩٦٩ حيث أعيدت للعمل في الجامعة.
تكررت مأساة ١٩٦٣ على الشيوعيين العراقيين وأصدقائهم ثانية عامي ١٩٧٨-١٩٧٩ على يد نفس حزب البعث الفاشي الفكر وبصورة اكثر دموية ووحشية لان القمع تم هذه المرة بطريقة حصار العنكبوت ( تعبير أستعرته من الروائي الأنصاري كريم كطافة )، اي عدم ترك اي منفذ للخلاص.
عند اشتداد الحملة الشيطانية اختفت بثينة شريف في بيت سري لمدة سنة تقريباً الى ان استطاعت احدى قريباتها توفير هوية مزورة لها لتعبر الحدود الى سوريا في ٢٥ كانون الثاني ١٩٧٩. بقيت في الشام سنة اخرى مع مجموعة من الرفيقات منهن المرحومة المناضلة رجاء الزنبوري، حيث تم تدريبهن على حمل السلاح في قيادة المنظمات الفلسطينية.
التحقت بحركة الانصار العراقية في كردستان نهاية عام ١٩٨١، وهناك ضربت اروع الأمثلة في الثبات والصمود والتحمل. بقيت في كردستان الى نهاية عام ١٩٨٦ حيث ارسلها الحزب الى كوبنهاغن لتمثل الاتحاد النسائي العربي في مؤتمر السلام العالمي.
نهاية ١٩٨٧ انتقلت الى بلغاريا، حيث انكبت على دراسة الدكتوراه حول ( تأريخ الحركة النسوية الديمقراطية في العراق )، وأنجزتها بتفوق أيضاً في ١٩٩٢/ ١٩٩٣. وحصلت على عقد عمل في جامعة ناصر في ليبيا حتى سقوط النظام فعادت فوراً الى الوطن، لتساهم مع رفاقها ورفيقاتها في تحقيق حلمهم الكبير ببناء الوطن المهدم من جديد على أسس المدنية والديمقراطية، يوماً بعد اخر تكشفت ابعاد الخراب الهائل في البلد وفي المجتمع والذي قامت به الدكتاتورية طيلة ٣٥ عاماً واكملته الإمبريالية بإبداع شيطاني قل نظيره في التاريخ الحديث.
حلم المناضلة الكبيرة بثينة (ام سعد) ان ترى توحيد جهود الخيرين في هذا الوطن من اجل انتشاله من هوة الخراب والفساد التي تبتلع كل الإمكانيات لتطوير البلد وتجهض احلام المواطنين في بلد آمن ومستقر.
باقات من الزهور وتحيات معطرة بأريج احلام الناس الخيرة في وطننا الحبيب في عيد المرأة العالمي للقامة الوطنية الشامخة بثينة حكيم شريف.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل