/
/

ينشغل الوسط السياسي العراقي اليوم بموضوعة التحالفات التي يفرضها الواقع السياسي. ومع كثرة ترديد مفردة (تحالف) في الخطاب السياسي، يبقى الخلاف والجدل قائمين حول مفهوم واهداف وآليات التحالف واشكالياته.
لقد عرف التاريخ السياسي للعالم تجارب تحالفية لا تعد ولا تحصى، والعراق ليس خارج سياق الدول التي شهدت اكثر من شكل ونوع من التحالفات، ويمكن الجزم بان من غير الممكن تصور نظام سياسي لم تنتظم فيه تحالفات سياسية، سواء كانت لقوى معارضة او انتخابية او لتشكيل حكومة وادارتها.
وبطبيعة الحال هناك انواع مختلفة من التحالفات، حيث لا توجد صيغة محددة لها كما لا توجد وصفة ثابتة، فكل تحالف هو وليد ظروفه الملموسة. ويمكن القول بشكل عام ان التحالف هو إطار سياسي للتعاون والتنسيق والعمل المشترك بين اطراف سياسية. فهو بهذا المعنى ليس تنازلا فكريا او مساومة ايديولوجية بين اطرافه المختلفة. فالتحالف لا يمس المبادئ. انما هو اتفاق سياسي بين اطراف سياسية مختلفة التوجهات والمتبنيات الفكرية والايديولوجية، على اهداف ملموسة وبرامج محددة. وهو كذلك ليس اندماجا تنظيميا، بل اطار سياسي يجمع تنظيمات سياسية، ويضع آليات عمل تنظم وتضبط عملها المشترك وتضمنه، فيما يحتفظ كل حزب بهيكليته التنظيمية واتجاهه الفكري.
كثيرا ما حاول السياسيون تضمين الاتفاقات التحالفية كلمة استراتيجية، خاصة عندما تتشكل في ظروف إيجابية تسودها التفاهما. لكن إضافة مفردة الاستراتيجية اليها، وإن طرحت بروحية العمل المشترك طويل الأمد، لا تغير من حقيقة ان التحالف هو تكتيك سياسي تلجأ اليه القوى السياسية، التي يحتاج بعضها البعض الاخر، بغض النظر عن حجم وقيم ونشاط وفعالية كل منها. وعدُّ التحالف تكتيكا لا يثلم صدقية المتحالفين ورغبتهم في التعاون امدا اطول، ولا يضعف ثقتهم المتبادلة، وانما هو حقيقة اثبتتها تجارب التحالفات على مر التاريخ السياسي.
وليس هناك تحالف خالد، اذ لا بد ان ينفرط العقد وينتهي دوره. كما انه لا ينتهي بالضرورة بسبب النوايا السيئة، والخطط المبيتة، بل قد يحصل الافتراق عندما يتحقق الهدف المنشود، او حين تتغير الظروف والوقائع، وتتبدل الاهتمامات وقد تبرز أولويات أخرى، غير تلك التي تم الاتفاق عليها. عند ذاك يحق لكل حزب انتهاج الطريق الذي يختاره، وقد يحدث انقلاب من طرف او اكثر على التحالف، او لأسباب غيرها تحول دون بقاء التحالف موحدا. ويمكن ان تستثنى من ذلك التحالفات التي تضم أطرافا تستند على ايدلوجية واحدة، وتنطلق من متبنيات فكرية موحدة. حيث يتحول التحالف في ما بينها الى اندماج تنظيمي، وتتحول مجتمعة الى حزب سياسي جديد. لذا لا يصح الحكم مسبقاً بفشل تحالف ما، وفق تقييم يعتمد مقارنة مع تجارب تحالفية انتهت، او فشلت، فكل تجربة تحالفية هي بنت وقتها وظروفها الملموسة.
من جهة اخرى هناك من يميز التحالف السياسي عن التحالف الانتخابي، لكن التمييز هنا مخادع، حيث ان السياسة تدخل في كل الامور، والانتخابات في مجمل فعالياتها، ومنها الانتخابية، ليست خارجة عن نطاق السياسة. وقد يكون الهدف من التحالف مجرد الوصول الى قبة البرلمان، ثم يمضي كل طرف في سبيله، كما تشهد الساحة العراقية اليوم، وقسم من هذا مبرر وتمليه الظروف وقانون الانتخابات الجائر، الذي يجعل من مشاركة حزب بمفرده في الانتخابات امرا عقيما ويفرض عليه ان يتحالف مع اطراف أخرى، او يفتح ابوابه لترشيح شخصيات مستقلة ضمن قائمته الانتخابية، وهناك قسم آخر غير مبرر، كونه ينطلق من منطلقات نفعية ضيقة.
في كل الأحوال يحتاج التحالف من اجل ادارته بشكل صحيح، الى هيكل تنظيمي خاص به، تحكمه آليات عمل موثقة تصاغ بطريقة قانونية، ولا تحتمل تأويلات وتفسيرات مختلفة، ويتضمن آليات لصنع القرار واتخاذه، ولاختيار الهيئة القيادية وتشكيلها، اضافة الى برنامج سياسي يستجيب للمشتركات، ويعكس بوضوح تام الأهداف المشتركة.
ولقد شهدنا في الاسابيع الفائتة انفراط عقد عدد من التحالفات.
ويبقى السؤال: أيّ من التحالفات التي اعلن عنها، سيصمد بعد الانتخابات؟

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل