/
/
/

حققت الطبقة العاملة في العراق حضورها وتفاعلت مع الأحداث بوصفها طبقة فاعلة وحيوية، ابتداء من تشكيل الدولة العراقية الحديثة.
فرضت وجودها بفعل النهضة الاجتماعية والسياسية العامة في العراق، فكانت محوراً مهماً في النشاط الاقتصادي والسياسي والنقابي، لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه.
وأهم سمة تميزت بها هي وحدتها العمالية وسعة أفقها وحضورها على مستوى العراق كله.
فهي الطبقة التي اجتمعت فيها شروط الانتماء العراقي بكل تفاصيله، بحيث لم تجتمع عند غيرها، طبقة كانت أو حزباً أو فئة اجتماعية أو "مذهبية" أو "قومية"، لأنها "جامعة مانعة".
ان العمل وحده حقق لها طموحها وبلور شروط تكوينها وصدّ عنها نوازع الاستئثار ومحاولات إضعافها. وأخذت الانكسارات الاجتماعية منها مأخذاً خلال عقود الخوف والاستبداد والحروب والحصار الاقتصادي والاجتماعي التي ألمّت بالعراق طوال العقود الأربعة الماضية.
وها هي اليوم تحاصرها البطالة والعزلة والانحسار عن عالمها الجميل في العمل والإنتاج والتواصل مع الحياة.
صارت مركزاً لاستقبال الأزمات الاجتماعية والنفسية والصحية والمضاعفات الأخرى، التي أنهكت وجودها على مستوى الأفراد والأسرة والمحيط الاجتماعي.
ويبدو أنّ انتقال العراق إلى مرحلة جديدة على أنقاض البؤس والتخلف والصراعات الطائفية واستشراء ظاهرة الفساد الإداري والمحاصصات السياسية السيئة الصيت، ومضاعفات الاحتلال والعنف الذي يضرب أطنابه في العراق، لا يتم إلا بحسب الاشتغال الجاد لتوفير الشروط الذاتية والموضوعية لحركة إصلاح شاملة، تكتسي طابع "الاستقلالية" أولاً ووضوح الرؤية والمقاصد والانتشار ثانياً.
وتتوجه الحكومة من دون منازع نحو اقتصاد السوق والخصخصة، وبيع أملاك الدولة إلى القطاع الخاص، وتوفير الشروط المناسبة للشركات الأجنبية والعملاقة في استثمار النفط والغاز في العراق، الأمر الذي يؤكد إهمال الحكومة المقصود للشركات والمصانع المحلية وتعطيل حركة الإنتاج الوطني، لتفعيل قوانين الاقتصاد الحر، ما يعني ارتفاع نسبة البطالة والحرمان وغياب الضمانات الاجتماعية والصحية والتعليمية.
لهذا يقتضي أن يسعى جميع المعنيين بمستقبل العراق ودور الطبقة العاملة في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي، إلى جمع شمل العمال ببناء الثقة أولاً ورفض إجراءات الابتزاز والتهديد بالطرد والنقل والعقوبات الأخرى، والاشتغال لتكوين حركة عمالية نقابية تتمتع بخبرتها وتجاربها النضالية لتؤسس كياناً نقابياً جديداً من نوع آخر، لا يكون ملحقاً بهذا الحزب أو تلك الجماعة للتخلص من المساومات السياسية والابتزاز، حركة تقرر مصيرها بنفسها ولا تكون في الوقت نفسه واجهة لمؤثرات أجنبية وإقليمية تشتغل على "أجندة" سياسية في إغراءات مالية، تذهب لحساب أشخاص يراهنون في غير فضاءاتهم العمالية الحقيقية.

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل