ربيع، والربيع بديع في بلادنا وإن كان على كثبان رمل جرداء، الخضرة قد صبغت وجه الأرض بأعشاب خفيفة، وبعض وريقات ( الحندقوق ) الذي ينتظره الفقراء كي يجملوا به موائدهم اليتيمة التي لا يرصف عليها سوى أقراص ( الرِصَّاع ) وبعض مما تجود به دواجن البيت، بعد صيام نهار بطوله، فاليوم هو الرابع عشر منه، وهي عطلة ربيعية بمثابة العيد للتلاميذ أمثالي الذين أضناهم جهد مثابرة للنضال من أجل إحراز الامتياز، والثالثة عشرة عتبة الولوج لمرحلة خطيرة من العمر، بين الفينة والأخرى يمسح ما فوق الشفة العليا، أو ما بين الفخذين؛ لعل بضع شعيرات قد نبتت؛ فتبشره بأن شيئا ما بداخله بات يقربه لما يفكر به أو يفعله الرجال، ومازال يستذكر الأمس وقد حمَّله الكبار مسؤولية حمل لافتة كُتب عليها بحروف كبيرة ملونة ما لم يفهم معناه إلا بعد حين، جموع غفيرة التقت في ساحة المدرسة، منضدة قديمة نُضدت عليها ملفَّات، مدير الناحية، مفوض الشرطة، عمال، فلاحون؛ الفلاحون يضربون بأقدامهم الحافية بقوة على الأرض بإيقاعات مرتبة جميلة، مرددين أسماء عدة لشخص واحد، الزعيم، عبد الكريم، أبو دعيِّر، كلها تجمع على أنه المنقذ، منقذ ممَّ؟ تلك لم يفهمها آنذاك؛ فهو منشغل بالتشبث باللافتة لئلا تُنتزع منه لغيره، والمُنادي ينادي بالفلاحين واحداً واحداً، مُباركة لكم عقود الإصلاح الزراعي، من يكون هذا الإصلاح الزراعي؟ سيفتش عنه بعد أن يُنهى الاحتفال، ويسلِّم ما بعهدته، فيشكره جزيل الشكر.

هاهو العم سبهان، صديق الوالد، قادم من المركز، سوق الحلفاية؛ لكنه ليس ككل مرة فرحا ببيع محصوله من الخضروات، وليس على كتفه ما يجلب كل مرة من حاجيات البيت، في جيبه الطويل أصابع العروس ينشرها على الصغار؛ مُغنيَّا بصوته العذب ( فرحانه فرحانه، كل الشعوب اليوم ويَّانه فرحانه ) ماذا جرى لتلك الشعوب اليوم؟ من منَعها من الفرح معنا؟ ماذا دهاك - يا سبهان - وقد تجهم وجهك كمن بين يديه قد مات عزيز له، أيعقل أن الزعيم عبد الكريم، ( اكريِّم، كما تسمونه تحبُّباً ) قد رجع في قراره بتوزيع الأراضي على الفلاحين؟ أو تراه قد استرجع الأراضي التي وزَّعها على فقراء الميزرة والشاكرية بعد أن فرحوا بها وبنوا عليها ما يستر الأحوال؟ أم أنك مازلت غاضباً لأنه صفح عمَّن به غدر وهو شريك له، بقوله المشهور ( عفا الله عمَّا سلف )؟ لا، لا، يا سبهان، أكيد أنها كبرت عليك أن يزحف أعداء الثورة إلى مراكز القيادة، والأمن لينُكِّلوا برفاقك الشرفاء، ويزجُّوا بهم بالسجون، والمسخرة أن التهم المُلفَّقة لهم أنهم شتموا الزعيم.

تعالت صرخات النسوة من بيت العم سبهان، كالعادة احتشدت نسوة أخريات من القرية صارخات مجاراة لمن سمعن دون التقصي عن الأسباب، هكذا هم الناس الطيبون؛ يصرخون لصرخة الجار، خرجن سراعى من وراء سور القصب نحو النهر، ارتمسن بمائه الأحمر، لطَّخن الرؤوس من جرفه بالطين، احتكمن في حلقة مستديرة، من أفواههن كانت تخرج قصائد رثاء لم تقلها دواوين الشعراء، ( يُمَّاه اشلون يموت اكريِّم ؟ ) تقطعُ ( الردح ) واحدة منهن؛ كأن ( اكريِّم ) خارج عن قانون موت بقية الناس، أما كيف مات فلا أحد يمتلك الجواب لمن يراوده السؤال؛ بل ليس هناك من يسأل اليوم عما وراء موت زعيم غزت محبته قلوب الفقراء، والفقراء حين يُحبُّون لا يستوعب تفكيرهم أن يموت من أحبُّوه، أمام كوخ العم السبهان تجمع الرجال يُعزِّي بعضهم بعضا، عزاؤهم ما هو بالكلمات؛ بل بوجوه يحدِّق بعضها ببعض بحثا عن تفسير لما جرى في بغداد، وبغداد عنهم مسيرة ليلة ويوم بالباص الخشبي على طريق بدرة وجصان، ( والراديون ) لا يعمل إلا بالكهرباء، والكهرباء قد نصبت لها أعمدة بانتظار ربط الأسلاك، وقد تُربط الأسلاك بعد الانتهاء من مراسيم فاتحة الزعيم.

ما رسخت صورة في ذاكرتي مثلما هي اليوم، أيُعقل أن الناس تبكي زعماءها مثلما بُكي اليوم الزعيم عبد الكريم؟ أبحثُ عن إجابة بعد أن دسستُ وريقاتي بجيب فخذي المُخاط بخيط صوف غليظ، وظلت تراودني صور لا تتعدى جسر المشرح الكونكريتي، أيعيش الفقراء بعد موت زعيمهم؟ من يكون هذا الذي تشرَّب في عقول الصغار والكبار؟ أهو إنسان عادي مثلنا يأكل ويشرب وينام؟ أسرعتُ الخطى نحو البيت علَّني مُلاقٍ جوابا لما في عقلي يدور، كل شيء غريب في الدار، باب الدار موصدة على غير عادتها، على النار ذلك القدر الكبير الذي يُنبئ إما بضيوف، أو بمناسبة ما، حذر شديد، لا تكاد تسمع ما يدور في غرفة الضيوف، قد تكون هي السياسة التي سمعتُ عنها ولم يُحالفني حظٌّ بلقياها، من بين الوجوه أقارب عرفتهم يزوروننا في الأعياد، واليوم ليس عيداً؛ إذ في القرية التي تركتُها عزاء بموت الزعيم، أيعقل أنهم قادمون إلينا لنصب عزاء للزعيم؟

من خلف الباب سمعتُ الجواب، غدراً قُتل الزعيم، وخيرة قادته، والقاتلون خانوا الأمانة بعدما أقسموا قسم الولاء، قُتلوا بدار الإذاعة وهم مُقيَّدون، الزعيم لم يُقتل منفردا؛ بل كان العراق من شماله حتى الجنوب هو القتيل، والشعب لم يستسلم فقد هبَّت الجماهير للدفاع عن ثورتها، ثورة الكادحين المستَغَلِّين، العمال والفلاحون والمثقفون الثوريّون، رغم افتقارهم للسلاح ومستلزمات الدفاع، قوى اليسار تشكِّل فصائل المقاومة الشعبية في كل المحلات ببغداد وباقي المحافظات، الشهداء أغمضوا أعينهم واقفين، الحاكم العسكري يصدر بيان 13، إبادة الشيوعيين لرفعهم السلاح بوجه المُنقلبين، وتحت تلك الذريعة غصَّت السجون بالأبرياء والبريئات، قطار الموت ازدحمت عرباته في رحلة الصحراء نحو نقرة السلمان، انتُهكت الأعراض، عصابات الحرس القومي تدخل البيوت بلا استئذان وعلى أكتافهم رشاشات بورسعيد هدية من مصر الشقيق، صوت العرب من القاهرة يبارك للسفاحين ما أسموه بالانتصار، وأي انتصار من على ظهور دبابات الاستعمار؟ وماذا سيحدث لنا نحن، في بيتنا الطيني لو أن حرس البعث القومي انقضوا على هذا الجمع من الرجال والنساء النافذين بأرواحهم من شبح الموت؟ لا عليك، راقِبْ الطريق، همساً قالها خالُ والدي لي، فارس الهور، قبل الفجر صُفَّ الرجال في زورق، والنساء في آخر، متاعٌ من التمر والخبز، والغداء بانتظارهم في هور العظَيم، مضائف أهلنا السواعد، بيت حميدان، ولنا أهل هناك في الجهة الأخرى من إيران.