/
/

بوجه من الوجوه، ولأسباب متعددة، يمكننا القول أن هبة الاحتجاجات الشعبية المتواصلة والتي انطلقت عشية الذكرى الستين لثورة 14 تموز من البصرة لتمتد إلى كُل محافظات الجنوب والوسط، هي الأخطر والاكثر مغزى في دلالاتها السياسية والاجتماعية والطبقية منذ آخر احتجاجات متفجرة من هذا القبيل قبيل اندلاع ثورة تموز 1958 ذاتها إبان العهد الملكي البائد ؛ ودون التقليل بطبيعة الحال من قيمة التظاهرات التي جرت خلال السنوات القليلة الماضية، وعلى الأخص تلك التي جرت أواخر تموز في ساحة التحرير من عام 2015، وهذه كانت خليطاً من العفوية والدور التعبوي التنظيمي من قِبل بعض القوى الوطنية وذلك مقارنة بهبة تموز الجارية والتي يغلب عليها في الغالب الأعم الطابع الجماهيري العفوي. 

فعلى مدى ما يقرب من أربعة عقود من الحكم الشمولي الدكتاتوري البعثي الذي حكم البلاد بالنار والحديد وصادر أي منفذ للحريات العامة وانتهج سياسة تكميم الأفواه بوحشية، والتي أعقبها بعد إسقاطه عقد ونصف العقد تقريباً من حكم المحاصصة الطائفية الحالي والذي أتاح لممثلي قوى الإسلام السياسي الشيعي حصة الأسد فيها بإسم "النظام الديمقراطي" والذي تم إرساؤه تحت حراب المحتل الاميركي وسُلق صوغ الدستور الذي شرّع النظام القائم  في ظروف استثنائية أمنية ونفسية وتمزق أهلي وعلى عجل يفتقر في ظلها الشعب وممثلوه الحقيقيون ممارسة إرادتهم السياسية الوطنية الكاملة ، لم تحدث هبة شعبية عارمة وسلمية بهذا الاتساع ومن حيث الإصرار والصمود والتحدي والإجماع حول مطاليب محددة شديدة الوضوح تتحدد في تحسين الخدمات العامة الآخذة في التدهور على نحو متفاقم باطراد ينذر بالمزيد من الكوارث المجهول إتساع وانعكاسات خطوراتها المنظورة،  وعلى الأخص توفير الكهرباء والماء والقضاء على اخطبوط الفساد المتفشي والمتغول بصورة مُخيفة في جهاز الدولة والضارب بأطنابه في مفاصلها ومؤسساتها ، حتى غدا الفساد مؤسسة قائمة في حد ذاتها متضخمة لها " هيبتها " ونفوذها الارهابي الضارب بكل اشكاله النفسية والابتزازية  الضاغطة على صُنّاع القرار السياسي والتي تُخضع - مؤسسة الفساد - وتطّوع بموجبها حتى غير الفاسدين داخل الحكومة لإرادتها أو يحسب لقوتها ألف حساب ضمنياً ولكُبار أساطين الفساد الذين تمكنوا من تربية وتضخيم كروشهم في بحر 15عاماً ، ولا شك خضوع " الشرفاء" لمشيئة الفاسدين مهما كان مقداره  هو شكل من أشكال الفساد وتواطؤ مع الفاسدين ، ولو بحسن نية أو توهم أصحابه أنه مجرد تكتيك مؤقت ، إذ غالباً ما ينتهي بهم الأمر للوقوع في براثن مستنقعه الكبير ، وهذا ما يجب ان تتنبه له جيداً القلة الشريف في الحكومة والبرلمان ، بل وأعلى سلطة في الأولى خصوصاً  .  

فالفاسدون - كالارهابيين - لا مساومة ولا مفاوضات معهم إلا على قاعدة الاسترداد الكامل  المبرمج لما سرقوه من المال العام (مال الشعب) تحت مظلة قضاء نزيه، ولا يسقط مثولهم أمام المحاكمات العلنية بالتقادم ، مهما علا شأن أي رمز من رموزهم لتكون عبرةً لمن لا يعتبر، وهذا في تقديرنا أمتع وأكبر تشفٍ للشعب لتبريد غليله عوضاً عن نصب المشانق في الساحات العامة التي انتهجها النظام البعثي المقبور بعد محاكمات "ثورية" صورية كيدية ظالمة وكذلك مشهد إعدام الطاغية بمثوله أمام المشنقة فجر عيد الأضحى.    

مهما يكن وعلى الرغم من أن هبة تموز مازالت مستمرة  إلا أنها في تقديرنا تنطوي على  جملة من الدروس والدلالات الأولية المهمة التي يمكن استشفافها على النحو التالي : 

أولاً: إن الطابع العفوي والسلمي للهبة الجماهيرية بل والراقي تنظيمياً، عدا استثناءات لا تخلو منها أي انتفاضة جماهيرية في العالم، ومن ثم صمودها وقوة شكيمتها في مواجهة السلطة وفي ظروف مناخية قاسية وصلت فيها درجة الحرارة  في كثير من الأحيان  الى 50 درجة مئوية قد أجبر الحكومة على الاعتراف وعلى لسان أرفع مسئول فيها بسلميتها وعدالة مطاليبها (تصريح للعبادي قبل أيام بأن أكثر من 99% من المتظاهرين سلميين). وبهذا فقد أسقط المحتجون كل الذرائع الاستفزازية لهم بأن ثمة مندسين يقودونهم  أو مُحرضين، أو حتى لم يتورع البعض باستعارة ذرائع النظام الإيراني بوجود أيدٍ غربية وامريكية معادية للإسلام وراء الاحتجاجات أو فلول بعثية. وبطبيعة الحال فهذا الطابع العفوي الصارخ للحركة الجماهيرية الاحتجاجية إنما ينفي ضمنياً وقوف أحزاب وقوى سياسية وراءها،  وعلى الأخص اليسارية منها والمعروفة تاريخيا بأدوارها في تنظيم هذا الشكل من الحركات الاحتجاجية الشعبية المطلبية للطبقات الكادحة والفقيرة. بينما وقف الحزب الشيوعي موقف المساند والداعم بقوة لها وهو يعلم يقيناً أن هذه الطبقات المهمشة والمسحوقة الثائرة إنما هي - موضوعياً-  طبقاته التي قام وتأسس وناضل طوال عقود طويلة من مسيرته من أجل حقوقها وقدم قوافل متعاقبة من الشهداء في سبيل تحريرها من الظلم والاستغلال الطبقي،  لولا أن الظروف الذاتية، والموضوعية الحالية الاشد تأثيراً من الأولى، تحول واقعاً دون تمكنه من استقطابها ..  وكم أحسبه يتمنى -بحرقة - لو ترجمت تلك الجماهير غضبها بإقبالها برمتها أو بمعظمها على صناديق الاقتراع للحيلولة دون عودة الفاسدين ورموز المحاصصة الطائفية والاثنية وقطعت الطريق عليهم بكُلفة أقل خسارةً، وهذا مما يطرح على الحزب من جهة اخرى مهاماً آنية بالغة الاهمية لتكثيف نضاله السياسي بين الجماهير وخاصة في أوساط الشبيبة المهمشة وأن يرصد مناضلوه بقوة وعن كثب وحذر العناصر المشاركة في الانتفاضة المُهيئة للانخراط في الحزب أو لتكون نصيرة له أو لليسار والفكر الاشتراكي عامةً.   

 ثانياً: إن الوقوف الشجاع العلني للمتظاهرين ضد رجال الدين المعممين الفاسدين أو اللامبالين بهموم الشعب أو غير المتحلين بنضج سياسي والمكتفين بالشعارات الدينية الخشبية التخديرية غير الفاعلة لمعالجة أحوال الناس في محافظات الجنوب والوسط، وجلها معاقل لقوى وأحزاب الإسلام السياسي الشيعي لهو دلالة سياسية وتاريخية بالغة الأهمية ؛ حتى لم يتوان بعضها من المطالبة بالعلمانية مما جرّد رجال الدين في  هذه الهبة المباركة من أن تكون لهم  قُدسية في دغدغة مشاعرهم الدينية والمذهبية التي تخدم مصالحهم الأنانية بإسم الدين والمُقدس، أو تضليلها من مخاطر العلمانية والشيوعية المزعومة. ولعل ما يزيد حرج قوى الإسلام السياسي الشيعي في العراق ان هبة تموز تأتي بالتوازي مع الحركات الاحتجاجية الجماهيرية الايرانية  ضد فساد الطبقة السياسية من ذات فئة رجال الدين الحاكمة في طهران. فلقد كان النضال ضد حكم رجال الدين في العالم - لأسباب موضوعية متعددة ليس هنا مقام بسطها - من أصعب النضالات التي تواجهها الحركات السياسية وعلى الأخص اليسارية،  وهذا ما يُذكّرنا تاريخياً  -  إلى حدما - بالثورة  الفرنسية ضد تحالف الإقطاع والكنيسة. 

ثالثاً: إن مواقف المرجعية الدينية العُليا في النجف منذ إنهيار نظام صدّام، ممثلةً في السيد علي السيستاني، والتي تميزت بتحليها بقدر كبير من الحياد والنزاهة إزاء صراعات القوى السياسية، ومن ضمنها الأحزاب الشيعية، سواء ضد بعضها بعضاً أم ضد خصومها من القوى الاخرى ، فضلاً عن  إنحيازها بقدر معقول إلى جانب "المستضعفين"، وآخرها التصريح بالفم المليان وبلا أي لبس بأن المطالب تُنتزع أو تُؤخذ ولا تُعطىٰ .. كل ذلك وفّر ظرفاً موضوعياً مؤاتياً يصبُ إيجابياً في صالح الحركتين الجماهيرية والسياسية معاً ؛ وهذا ما يشكل بدوره أبلغ الحرج لمعظم قوى الإسلام السياسي الشيعي المتدثرة بعباءة الدين والشعارات المُقدسة الشيعية والتي لم تعد تنطلي اليوم على السواد الأعظم من الناس البسيطة والجماهير، وحيث فشلت كُل منها فشلاً ذريعاً في استمالة المرجعية إلى جانبها أو لتبرير عُرف المحاصصة الطائفية. ولعل مواقف مرجعية النجف وبما عُرف عنها من رفض لنظرية "ولاية الفقيه" الخمينية والتي يحكم بإسمها وبموجبها حالياً في إيران المرشد الأعلى السيد علي خامنئي تطرح من جهة اُخرى على بساط البحث بقوة، بل وتلفت أيضاً انتباه الجماهير في كلا البلدين، للمقارنة بين مرجعية داخل العراق تقف الى جانب المستضعفين ضد الفساد وعلى الحياد بين الاحزاب الشيعية وبين مرجعية داخل ايران تحكم بإسم "الدستور"  المصمم على مقاس "نظرية ولاية الفقيه" لكنها تحمي بصورة او اخرى رموز الفساد في الطبقة السياسية الحاكمة بإسم الدين، ولا تتورع عن الوقوف حتى إلى جانب "المحافظين" كأحد جناحي النظام في قواعد لعبته السياسية ضد الإصلاحيين، بل ومُباركة قمع احتجاجات المستضعفين وفق " نظرية المؤامرة " أي تفسير الاحتجاجات بما تواجههه "الجمهورية الإسلامية " من استهداف من قِبل فلول الشاه والمندسين من عملاء الاستكبار العالمي والامريكي والصهيوني وما شاكل ذلك من ذرائع خشبية مبتذلة متهافتة أكل الدهر عليها وشرب على مدى نحو 40 عاماً من ثورة 1979 !

رابعاً: يبرهن صمود وتحدي وثبات الحركة الاحتجاجية الحالية ونضج مطاليبها مدى الخبرة التاريخية التي راكمها الشعب من  تقاليد العمل المطلبي والاحتجاجي الجماهيري المديد طوال ما يقرب من قرن منذ ثورة العشرين، سواءً أكان بطابعه العفوي أو السياسي المُنظم. وتُخطئ السلطة إذا ما لجأت إلى اسلوب القمع والقتل والاعتقال والتنكيل لإخماد الانتفاضة ، بل هي بذلك تُعجل بفنائها آنياً أو على مدى  المستقبل المنظور إذا ما نجحت مناوراتها ومساعيها المحمومة إعادة تسويق وتمرير عُرف المحاصصة الطائفية والإثنية المقيت والذي يشكل تطبيقه أفضل بيئة وبائية لتفشي الفساد وتفقيس المُفسدين. 

وخلاصة القول إن الأزمة السياسية الراهنة التي تعصف بالبلاد لا يفيد معها توسل شماعات لتعليقها عليها ، كالقول انها موروثة من الحكومات السابقة أو من النظام السابق المقبور اولنتائج الحروب الداخلية والحملة على داعش ، كل هذه العوامل يمكن تفهمها بقدر او بآخر لولا ان السلطة ، وخاصةً ممثلو القوى الاسلامية ذات النفوذ الأقوى ،  غارقون حتى آذانهم في مستنقع الفساد ، وباتت ميليشيات العديد من أحزابها التي تحمي مقارها لاتتورع عن إطلاق الرصاص  على المستضعفين الجياع المنتفضين بصدورهم العارية على تلك الاحزاب الممثلة في السلطة من خلال التظاهر أمام مقارها ، فالاصغاء لمطاليب الحركة الاحتجاجية وترجمة الاعتراف بعدالتها الى آليات عمل فعلية تنفيذية فورية والموافقة على مغادرة نهج المحاصصة في عملية تشكيل الحكومة الاتحادية المُنتخبة المنتظرة أو على الأقل وفق خطة قصيرة الأجل مُحدد أمدها هو خشبة الخلاص للخروج من نفق الأزمة ،  ومن ثم يتوجب الكف عن تجريب المرواغات والوعود الكلامية المعسولة التي خبرها المحتجون، ولن يؤدي استمرار انتهاجها إلا لإطالة الأزمة وإدخال العراق - لا سمح الله-  في نفاق مُظلم كارثي غير مأمون العواقب، وإن كان حتماً ستؤذن نهايته لإنبلاج فجر جديد ينهي أي دور أو مستقبل مأمول للإسلام السياسي برمته.  

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل