يذكر الكاتب والمناضل الراحل عزيز سباهي في كتابه "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ان البعثيين اطلقوا على انقلابهم الدموي في 8 شباط 1963، اسم "عروس الثورات"، وتناسوا ان هذه "العروس" زفها الأمريكان والانكليز، وانها "تحنت" بدماء الآلاف من أبناء الشعب العراقي.
ومهما استذكرنا ذلك - نحن الذين عايشنا اساليب البعثيين في معتقلاتهم وسجونهم بعد نجاح مؤامرتهم - لا نستطيع ان نعبر عن مجازرهم بشكل دقيق. فما قاموا به يفوق الوصف، ولا يختلف عما قامت به عصابات داعش الإجرامية في العراق، إن لم يكن أسوأ منه.
لا زلت أتذكر اساليب التعذيب التي مارسها البعثيون، بالرغم من اني اشرفت على الثمانين من عمري, وكأنها كوابيس مخيفة لا تفارقني. وكان ذنبنا الوحيد هو اننا نحب شعبنا بصدق واخلاص ونؤمن ببناء مجتمع العدالة الاجتماعية.
كشاهد في مقتبل العمر، عشت التجربة في معتقلات الحرس القومي ومديرية امن البصرة ومعتقلات الشعبة، واخيرا في سجن "نكرة السلمان"، ولا زلت أؤمن بان الانتصار النهائي والحتمي سيكون للانسان المضطهد وللأفكار الخيرة.
بعد نجاح مؤامرتهم غدا البعثيون يتسابقون لإقامة حمامات الدم في طول البلاد وعرضها، متمسكين بأفكارهم الفاشية. وكان حزبهم اللعين عاجزاً عن البناء الا بجماجم ضحاياه، وأفكاره النازية.
في الذكرى 55 لانقلاب شباط الدموي، استذكر ما حل بوطننا من خراب وتدمير وتعذيب للمناضلين حتى الموت في المسالخ البشرية. واتذكر بيان البعثيين المشؤوم رقم 13، الذي حدد جرائم المنفذين له "ضربا ضربا حتى الموت وسحقا سحقا حتى العظم".. ذلك البيان الذي اباح ابادة الشيوعيين وجميع من ايد ثورة تموز 1958، من دون محاكمة او تحقيق.
ولقد حول الانقلابيون الملاعب الرياضية والمدارس والكراجات والكثير من دوائر الدولة الى محلات واقبية للتعذيب, واعتقلوا النساء واعتدوا على كثيرات منهن أمام ازواجهن، وكان من بين المعتقلات "ام فاضل" مع ابنها فاضل ذي الخمسة عشر ربيعا، الذي نقل بعد تعذيبه الى سطح قصر النهاية وهو فاقد الوعي، ممزق الثياب، حتى استشهد بالقرب من غرفة والدته، التي كانت حاملا في اشهرها الأخيرة. وتعرضت حينها إلى اقسى انواع التعذيب كونها زوجة احد القياديين في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي.

نماذج من التعذيب

وفقا لكتاب "طوارق الظلام" لمؤلفيه توفيق جاني الناشي وابتسام نعيم الرومي، فإن الانقلابيين استخدموا مختلف وسائل التعذيب واكثرها بشاعة, مثل سلخ الجلود، التعليق بالمراوح بعد ربط اليدين الى الخلف, قلع العيون، التعليق من الارجل ، قلع الاسنان، قلع الاظافر، ادخال الدبابيس والابر في مختلف أجزاء الجسم الحساسة، تقطيع اجزاء الجسم, اجبار الضحية على الوقوف ساعات طويلة على ساق واحدة، الكي بالسكائر، الضرب بالكابلات، تكسير العظام بواسطة المطارق, رش الملح على الجروح، قطع الماء والطعام وغيرها من الأساليب التي نتحفظ عن ذكرها لبشاعتها.
وبحسب ما نشر في العدد 34 من "رسالة العراق" (المجلة التي كان يصدرها الحزب الشيوعي العراقي أيام النظام المقبور في الخارج) يقول السجين حسين سالم، وهو شاهد على جرائم انقلابيي شباط، انه بعد التعذيب البشع، كان السجين يحرم من النوم.
وجاء في مذكرات د. علي الزبيدي، ان الانقلابيين كانوا يربطون يد الموقوف وراء ظهره، ثم يربطونها بحبل آخر يتدلى من بكرة في السقف، ويجذبون طرف الحبل فيرتفع جسم السجين، حتى يشعر بآلام هائلة، ويعلو صراخه، فينهالون عليه ضربا بالعصي الغليظة والأنابيب البلاستيكية، ليغمى عليه. بعدها ينزلونه إلى الأرض، ويسكبون عليه ماء باردا، ويعاودون تعذيبه ثانية.
ويروي الضابط محمد علي سباهي، عضو المكتب العسكري لحزب البعث, انه عند زيارته في ذلك الحين "قصر النهاية"، فوجئ بالصحفي المناضل عبد الجبار وهبي ممددا على الارض، وكان على وشك الموت ويطلب الماء وهو منشور الرجل من تحت الركبة بآلة حادة، وكان الى جانبه شخص آخر بيد واحدة.
وجاء في كتاب "عراق 8 شباط 1963.. مراجعات في ذاكرة طالب شبيب"، أن صالح مهدي عماش وزير الدفاع في حكومة الانقلابيين، ذهب الى مسلخ "قصر النهاية"، وطلب تسليمه حوالي عشرين شيوعيا معتقلا. فتسلمهم وأشرف على إعدامهم جميعا.
واعترف طالب شبيب، وهو وزير خارجية الانقلابيين وعضو القيادة القطرية لحزب البعث، في مقابلة صحفية معه بعد هروبه من صدام، نشرت في الكتاب آنف الذكر نفسه قائلاً "كنا عصابة من اللصوص والقتلة، نسير خلف ميلشيات صدام, نفرج عن معتقلين سياسيين ثم كانت تقتلهم ميلشيات الفداء التابعة لصدام".

من ضحايا الانقلابيين الذين استشهدوا تحت التعذيب

سلام عادل:
جاء في كتاب "سلام عادل.. سيرة مناضل"، انه بعد تعذيب الشهيد الخالد "تغير جسده ولم يعد من السهل التعرف عليه. فقد فقئت عيناه، وكانت الدماء تنزف منهما ومن اذنه، ويتدلى اللحم من يديه المقطوعتين. ورش الملح والفلفل فوق جسده المدمى لزيادة آلامه، وبقي على هذه الحالة في سرداب تغطي ارضه المياه القذرة والحشرات ويعلو فيه انين المعتقلين وهذيانهم وحشرجات الموت, حتى لفظ انفاسه".
ويذكر طالب شبيب في مقابلته المشار إليها، انه أجلس الرفيق سلام عادل أمامه، وكان بعض اعضاء قيادة الحرس القومي لا يزالون يحققون معه. فسأله "لماذا لا تعترف؟"، فأجابه الرفيق قائلا "انا عقائدي, ومقتنع بمبادئ, ولا يمكن ان اخون رفاقي ومبادئي".
ويشير شبيب إلى انه أخبره بأن هؤلاء المحققين سيلحقون به الأذى، وربما يقتلونه، فقام الرفيق عادل من مجلسه، وأظهر له قفاه الممزق، وقال "ماذا سيفعلون أكثر من ذلك. فأنا أصبحت لا أشعر بقسوة التعذيب مهما كان نوعه".

حسن عوينه:
أما الرفيق حسن عوينه، فقد عذب بالكي الكهربائي، وقلعت أظفاره، وسكب عليه الماء الحار، وحرم من الأكل والشرب حتى فقد الوعي واستشهد.
ووفقا لما ذكره د. محمد الجلبي، فإن الشهيد عوينه مات بالتعذيب، بعد ان تعفنت جروحه، إثر كيها بالنار وضربه بأنابيب الحديد وتكسير عظام مشط يده اليمنى.

طالب عبد الجبار:
عذب الانقلابيون الرفيق طالب عبد الجبار، مرشح اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بشكل وحشي مدة 17 يوما، وكانوا يلفون اصابعه واذنيه بقطن مبلل بالنفط ويشعلون النار فيه. وقد قطعوا اصابع اقدامه الواحد تلو الآخر، وعلق بالسقف حتى استشهاده.

صبيح سباهي:
تعرض الرفيق صبيح سباهي للتعذيب مدة ثلاثة أسابيع، حتى صار جسمه مثخنا بالجراح. وكانت رجلاه ويداه مقيدة طيلة ايام التعذيب.

محمد صالح العبلي:
قام المجرم سعدون شاكر، وزير الداخلية في حكومة النظام البعثي المباد، بحفر حفرة وضع فيها الرفيق محمد صالح العبلي بعد تعذيبه، ولما امتنع الأخير عن الكلام، أطلق عليه الرصاص وتركه في الحفرة.

رحيم شريف
بينما عذب الرفيق رحيم شريف بشكل وحشي طيلة أيام، وكسر الجلادون عددا من أضلاعه وعظم الحوض، وتركوه في مكان مملوء بالمياه القذرة، ثم سحبوه إلى سطح البناية ليواجه برد الشتاء القارص وهو عاري الجسد، فامتلأ جسده بالقروح، واسود جلده. وبقي يقاوم حتى الموت وهو يهتف "تحيا الشيوعية".