المنبرالحر

هل تصنع النصوص الدينية بمفردها إرهابياً؟ (3) / قصي الصافي

بخلاف نصوص العنف الدينية، والتي ترتبط بظروف سياسية واقتصادية خاصة بمرحلة غابرة من التأريخ ، فان نصوص المحبة والسلام والتسامح تبقى صالحة لكل زمان ومكان، لتناغمها مع نزعة الانسان للتعايش مع الآخر على اعتباره كائناً إجتماعياً، وهي جزء لا يتجزأ من الثقافة الاجتماعية، يؤثر ويتأثر بها، و يتطور مع تطورها.
يعتبر أوريجين المصري ( القرن الثالث الميلادي ) من أهم من طور منظومة القيم المسيحية في مراحلها المبكرة ، وذلك باخراج الاله من قوقعته (القومية) الى العالمية، وجعل العلاقة بين السماء و الانسان أكثر حميمية. حسب أوريجين خلق الله الكائنات أرواحاً نقية تتمتع بدفئه الرباني، حتى القاها الى الأرض، فابتعدت عنه وصارت تشعر بالبرد لفقدها الدفء السماوي، فكساها لحماً ودماً، و بفقدها دفء الرب ضيعت جزءاً من النقاء الرباني، فيما عدا يسوع الذي بقي بكامل نقاءه، ولذا فان الانسان - بل وحتى الشيطان - سيمد له الله يد العون ليعيد له صفاءه الروحي، وبهذا فالجميع سيشملهم الخلاص. تلك الرؤية مختلفة تماماً عما في سفر الرؤيا ليوحنا، فهي أكثر إنسانية ويظهر فيها الله أكثر تسامحاً ويشمل برحمته كل البشر وليس من شعب مختار لديه.
رغم أن الكنيسة عدته كافراً إلا أن لافكاره كبير الاثر في الوعي الديني المسيحي، ألم يرجم و يكفر الحلاج؟، فهل تنكر البصمات التي تركها على الوعي الديني للمسلمين؟.
ماذا عن نصوص العنف الدينية ؟ ، تؤكد الدراسات المختصة أن تلك النصوص لايمكن أن تصنع ارهابياً بمفردها، خاصة وأن الغالبية العظمى ممن اقترفوا جرائم الارهاب لا معرفة لديهم بنصوص الدين اصلا، ويتم اجتذابهم الى التنظيمات المتطرفة عبر بروباغاندا سياسية تقوم على إستثارة الغضب الهستيري وتضخيم المظلومية السياسية وجرح الهوية و إهدار الكرامة و انعدام العدالة الاجتماعية، مع بث آمال وحلول وهمية، تجد قبولاً لدى فئات تعاني من تشوهات فكرية واختلالات نفسية، أما النصوص الدينية فتعمل بعد تجريدها من بعدها التأريخي كمبرر أخلاقي مزيف لفعل الجريمة، أو مسكن لآلام الضمير، فلا يمكن إلقاء اللوم على الدين المسيحي مثلاً للجرائم الوحشية التي ارتكبها جيش الرب للمقاومة في أفريقيا، رغم ان هدف المنظمة إقامة دولة تحكم بالشريعة المسيحية والوصايا العشر. انبثق جيش الرب عن منظمة الروح القدس عام 1986 م وتلاشت الحركة عام 2015 م، وهي لا تختلف عن داعش لا في تعدادها ولا بنهجها الارهابي، إلا أنها لم تتمتع بالتغطية الاعلامية لأن ضحاياها لم يكونوا من الأوربيين. قاد جوزيف كوني المنظمة للاطاحة بالرئيس ياوري واستعادة الحقوق السياسية لقومية ( الاكولي )، وقد كانوا مهمشين ويتعرضون الى انتهاكات من قبل جيش الحكومة بالقتل والاغتصاب ومصادرة الأراضي ومحاربتهم في رزقهم، فاستغل كوني الغضب المتنامي مدعياً أن الحل يكمن في الاطاحة بالحكومة وإقامة دولة مسيحية قومية، وتبعه الآلاف في السنوات الأولى، إلا أن جيشه أمعن فيما بعد في تدمير القرى، وقتل البالغين فيها، واجبار الصغار على القتال معه، وسبي النساء لممارسة الجنس الجماعي في أبشع أنواع العبودية الجنسية، وقد بلغ عدد الاطفال المختطفين 66 ألفا وآلاف الفتيات المسبيات ومليوني نازح، ومارس جيش الرب قطع الرقاب والأرجل والايدي والانوف والآذان، أما بتهم التعاون مع الحكومة، أو عقوبة لخروج الناس الى العمل يوم الاحد خلافاً لتعاليم المسيح!!، يدعي كوني أن ما الهمه للجهاد هو ما ورد في الأناجيل والعهد القديم عن مملكة الرب!!!، فما هو البعد التأريخي الذي تجاهله كوني في ما يسمى مملكة الرب ؟، لفهم ذلك علينا العودة الى الواقع السياسي والاقتصادي فجر نشوء المسيحية.
يخبرنا يوسفوس في وصفه للتركيبة الطبقية في فلسطين بالقرن الاول الميلادي، أن الطبقه الوسطى تكاد تكون مفقودة تماماً، فالمجتمع منقسم الى أقلية ارستقراطية فاحشة الثراء، تشمل القادة العسكريين والموظفين الكبار المقربين من السلطة الرومانية وكبار كهنة المعبد اليهودي، واكثرية معدمة من الفلاحين والعبيد، وهم من أسرى الحروب وممن يبيعون انفسهم لدائنيهم أو لعدم القدرة على إطعام عوائلهم، ومما ضاعف بؤس الفقراء النسبة الباهضة من الجزية التي يؤديها كل فرد للحكومة الرومانية، بجانب ضرائب المعبد والاضاحي، بحيث بلغت النسبة ثلث مدخول الفرد، وقد اتخذت ردود أفعال الفقراء صيغاً مختلفة، فنظمت بعض القرى نظاماً مشاعيا يطعم بعضهم بعضاً، وكان معظم هؤلاء من أتباع يوحنا المعمدان، والذي كان يسوع من تلامذته، و يبدو أن هذا ما الهمه ليوصي بالتضامن والتكافل الاجتماعي بين أتباعه ( وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد و نفس واحدة، ولم يكن أحد يقول أن شيئاً من أمواله له، بل كان عندهم كل شئ مشتركا). . .. أعمال الرسل 4: 32 ، وقد ظهرت أيضاً جماعة روبنهودية سماها الرومان البانديتس اي اللصوص، وكانوا يسرقون أموال الاغنياء وخاصة من كهنة المعبد ليوزعوها على الفقراء.
كانت فكرة مجئ المخلص (الزيلوت) حسب وعد الرب يهوه لبني اسرائيل قد هيمنت على عقول و قلوب الفقراء من اليهود، ترياقاً لمعاناتهم الاقتصادية والجرح القومي والشعور بذل الخضوع الى الاحتلال الرومانى، وهكذا اجتمع الغضب الشعبي مع اليوتوبيا الحالمة كوصفة نموذجية للعنف، بفعل تلك الاوضاع الاقتصادية والسياسية نشأت منظمة السيكاري وهي أشبه بجماعة الحشاشين، وقد بدأت نشاطها بطعن المسؤولين الرومان ومن يتعاون معهم، وخاصة من الصديقين (كهنة المعبد اليهودي)، وتطورت المنظمة الى مليشيا لطرد الرومان، فانطلقت العديد من الثورات، وفي كل مرة يدعي قائد الثورة انه المسيح المخلص الذي وعد به الرب، وفي كل ثورة يدمر الرومان القرى، ويقتل سكانها و يصلب قادتها مع مئات المتمردين صلباً جماعياً ، فالصلب حسب القانون الروماني جزاء المتمرد السياسي ولا يطال المجرم العادي. وكانت الثورة الكبرى ( 66 م-73 م ) قد انتهت بمجزرة كبرى لليهود بين القتل والموت جوعاً، بعد محاصرة اورشليم وقصفها وحرق المعبد، ومن نجا أخذ عبداً أسيراً إلى عاصمة روما ، كما حوصر المتمردون بقيادة مناحيم في قلعة مسعدة طويلاً، حتى قرروا الانتحار بقتل زوجاتهم وأطفالهم، ثم طعن بعضهم البعض حسب رواية يوسيفوس ( التي لا تخلو من مبالغة درامية طبعا ).
بعيداً عن التأويل و الأسطرة الدينية هناك الكثير مما يجعلنا نميل الى الاعتقاد بان يسوع كان قد آمن بانه هو من اختاره الله بعد قتل معلمه يوحنا المعمدان، ليكون مخلص اليهود من الرومان واقامة مملكة الرب، وتلك هي الفترة التي ظهرت فيها تعاليم العنف ووصايا التسلح ( من له كيس فليأخذه ومزود كذلك، ومن ليس له فليبع ثوبه و يشتر سيفاً.)... لوقا 22: 36 ،( لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. ما جئت لألقي سلاماً بل سيفا ً).... متى 10: 34 ، ( جئت لألقي ناراً على الارض، فماذا أريد لو إضطرمت... أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض؟ كلا أقول لكم بل انقساماً... لو 12: 49- 51) ، أما كيف يتحدى بيلاطس وجيشه وهو بهذا الضعف، ولا يتبعه سوى بضعة الاف من الفقراء الضعفاء، فذلك لأنه كان مؤمناً بأن الرب سيبر بوعده، فيرسل جيوشاً من الملائكة المحاربة ( أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب من أبي فيقدم لي أكثر من إثني عشر جيشا من الملائكة ) ...متي 26 : 53 ، ولكن لم تصل في اللحظات الحاسمة أي من جيوش الملائكة، فكانت لحظة يأس تراجيدية دعته لمعاتبة ربه وهو على الصليب (إلهي.. الهي.. لم تركتني). .. مرقس 15: 34 .
لو ختمت قصة المسيح بصلبه فانه سينضم الى قائمة الكثيرين ممن صلبوا بنفس الطريقة ولنفس الهدف، إلا ان الميثولوجيا الدينية قد أنقذت حركة اليهود الناصريين ( التسمية التي كان اتباع يسوع يطلقونها على أنفسهم)، اقصد حكاية رفعه الى السماء و تجدد الأمل بعودته ليقيم مملكة الرب، و تستكمل الحكاية بانكار ثورية المسيح، وتبرئة الرومان من دمه، واتهام اليهود بصلبه ، وهذا ما كان بداية العداء للسامية التي عانى منها اليهود طيلة التأريخ، علماً أن يسوع كان يعلم في الهيكل كل يوم (متى 26: 55)، ولو رأى الكهنة إنه إنحرف عن عقيدتهم فحكم الشريعة الرجم، أما الصلب فهو قانون الدولة المدنية الرومانية وينفذ بحق من يتحدى سلطتها فقط ، أما الكهنة فلا علاقة لهم البتة بغير تطبيق القوانين والأعراف الدينية. ما تذكره الكتب الدينية من ان بيلاطس الحاكم الروماني الذي أحرق مدناً وقرى، وصلب وقتل الآلاف، قد حاول بكل امكاناته تبرئة يسوع ، وانه لم يستطع في نهاية الأمر غير الاذعان لاصرار اليهود على صلبه، فهذا أمر لا يستقيم مع المنطق ومن الصعب تصديقه!!
تبرئة الرومان وتجريد المسيح من ثوريته ربما جاء متناغماً مع تحول مزاج الشعب اليهودي الذي دفع أثماناً باهضة من القتل والدمار بسبب الثورات الفاشلة، ولم تعد تجتذبه المغامرات الثورية، فكان لابد للخطاب الديني ان يتحلى بالبراغماتية والميل الى لغة السلام، فاذا كان العشار ( جابي الضرائب للرومان) يعتبر وثنياً.. ( متى 18: 17 )، فقد أصبح عمل الجابي مقدساً، ومن لا يدفع الضرائب أو يخالف قوانين السلطة المدنية إنما يعصي أوامر الله..(رسائل بولس لأهل رومية).
بسبب حروب اليهود مع الرومان تناقص عدد اليهود في فلسطين وخاصة في اورشليم ، وانتشروا في بلدان الامبراطورية الرومانية كسوريا ومصر وأثينا وروما، وقد كانت تلك البلدان تعج بإفكار الفلسفة والديانات الاخرى، وكان على حركة اليهود الناصريين ان ترتقي الى المستوى الفكري في تلك المجتمعات، التي لا تستسيغ ما في اليهودية من عنف وتعصب قومي، وعلى الأله الجديد ان يتحرر من كهف القومية الى فضاء العالمية ( فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس )...متي 28: 19، ومن لغة العنف الى لغة التسامح ، و لن يتم ذلك إلا بالاستقلال النسبي عن اليهودية، وهذا ما شرع به الرسول بولس، ليجني العداوة من الحرس القديم من تلامذة المسيح وشقيقه يوسي العادل، والذين لم يغادروا الهيكل اليهودي في اورشليم بانتظار عودة المسيح ( الوشيكة ).
يميل البعض الى الاعتقاد بأن بولس هو من وضع اللبنة الاولى للمسيحية، لا بمنح المسيحية هويتها المستقلة نسبياً عن اليهودية اوالتوجه لغير اليهود فحسب، بل لحسن ادارة وتنظيم شبكة تواصل عالمية، ومد قنوات اتصال مع أتباعه في كل البلدان التابعة للأمبراطورية، وقد كان النظام الداخلي الذي ينظم العلاقات بين الاعضاء مبنياً على تعاليم المحبة والاخاء والتكافل الاجتماعي، ومن هنا وردت الكثير من نصوص التسامح والمحبة، وعلى عكس المسيح الذي بقي تبشيره مقتصراً على الفقراء الضعفاء ،وقد دعاه غضبه من فساد وثراء الكهنة الى نبذ الاغنياء ( مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من ان يدخل غني الى ملكوت الله). . مرقس 10: 25 ، فان الأغنياء كانوا سندا عظيماً لحركة بولس، فيما يقدمونه من أموال لسد مصاريف المبشرين من نقل وطعام و منام، وتقديم العون للفقراء،و لا يعود عليهم هذا السخاء بالثواب عند الرب فحسب، بل ان نزلهم و مطاعمهم و سلعهم التجارية ستجد بالمقابل جمهوراً واسعاً من الزبائن المسيحيين أتباع بولس. يبدو ان العامل الاقتصادي هنا قد أتاح للثري فرصة الدخول الى ملكوت الله، ولا حاجة لدخول الجمل في ثقب إبرة.
ملخص إستنتاجي:
بالعودة إلى حركات السيكاريين كنموذج للفكر المغامر والمتطرف، نجد أن غالبية جماهير الحركة من الفقراء المعدمين الذين تنامى في أوساطهم الغضب الهستيري، لإنعدام العدالة الإجتماعية والشعور بذل التبعية لدولة روما الأجنبية، وما يترتب على ذلك من جرح للهوية، يضاف إلى ذلك الأمية المستشرية بينهم،وقوة الإيمان بالحل الطوباوي المتمثل بالأعتقاد بإمكانية هزيمة روما، وإقامة مملكة إسرائيل. مع توفر تلك الشروط السياسية والإقتصادية تستدعى نصوص العنف الدينية العائده لقرون أو آلاف السنين ، وفي حالتنا هذه شراسة الإله يهوا لإخضاع الإمم لبني إسرائيل ( شعب الله المختار ).
تكشف المقارنة بين حركات اليهود العسكرية تلك، وتنظيمات الإرهاب في الشرق الأوسط ،عن أوجه شبه كثيرة في تفصيلات الحاضنة السياسية والإقتصادية والثقافية للعنف. لا شك أن الحشود التي تستميلها تنظيمات الإرهاب تعاني من ضياع وتشوهات فكرية ونفسية، إلا أنها تعاني أيضاً - كأتباع الحركة السيكارية - من أمية ثقافية تحجب عنها الرؤية الواضحة لفهم الواقع وكيفية التعامل معه بعقلانية، وهم - كنظرائهم السيكاريين - يستبيح نفوسهم الحنق والنقمة الهستيرية، والشعور بذل التبعية وهيمنة الدول الكبرى سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً على ما يرونها "خير امة أخرجت للناس" ، ويرتفع منسوب الغضب مع إنعدام العدالة الإجتماعية، و زيادة نسبة الفقر، في ظل العولمة اللبرالية المستبدة، و ما يسببه ألكومبرادور الصناعي من تصحر وكوارث مناخية، اسهمت في تدهور الزراعة ونقص المياه . الفقر والأمية الثقافية والغضب المنفلت، كل ذلك يسر لقادة الإرهاب تضليل تلك الحشود، بأستدعاء نصوص العنف الدينية، بعد تجريدها من بعدها التأريخي، لتحقيق يوتوبيا الدولة الإسلامية على غرار مملكة الرب السيكارية.
وفي ختام المقارنة لا بد من الإشارة إلى أن " الزيلوت السيكاري " بن سمعان ، قد إنتهز فرصة ضعف الدولة الرومانية في فلسطين - بسبب إنشغال نيرون في حروب ثانوية مع جنرالاته - فأحكم قبضته مؤقتاً على أورشليم (66 م- 70 م) ، ليرتكب مجازر مريعة بحق كل من لا يدين باليهودية، وهكذا يعيد التأريخ نفسه اليوم، مع ضعف الدولة العراقية بعد الإحتلال الأمريكي، فتسيطر داعش على ثلث البلاد و تعمل قتلاً بكل من يخالف عقيدتها.

المنبر الحر