المنبرالحر

خاطرة المساء / صادق محمد عبد الكريم الدبش

كنت دوما متفائلا بالرغم من قتامة المشهد السياسي والاصطفاف الطبقي والطائفي والاثني ، وما يدور على الساحة العراقية ...سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، داخليا وخارجيا ، وما مر على العراق طيلة العقود الأربعة الأخيرة من حياة شعبنا .
دائما كنت أتذكر هذا القول [ الشعب ما مات يوما وأنه لن يموتا
أن فاته اليوم نصر ففي غد لن يفوتا ].
ولدي قناعة راسخة بأن حركة المجتمع هي كحركة الزلزال!.. الذي يحدث على كوكبنا ، لا يمكنك التنبؤ بموعد حدوثه ومقدار قوته وعدد الارتدادات التي يحدثها والتصدعات وحجمها ، وكذلك الحراك الاجتماعي ( الثورة الاجتماعية ...أو قاطرات التأريخ مثلما أسماها ووصفها شيخنا الجليل كارل ماركس ) .
اليوم الجموع الغفيرة التي خرجت لتعبر عن سخطها ورفضها لهذا الواقع والبؤس الذي هي عليه وما قاسته عبر هذه العقود العجاف ، وما نالته على أيدي هذه القوى المتخلفة والظلامية ، التي أمسكت بزمام الأمور بعد 2003م ، والتي أتت على كل ما فيه حياة ...وبالرغم من كل المناشدات التي تطلقها حناجر المتظاهرين ، والهبات لجماهير شعبنا وقواه السياسية في سوح التظاهر ، رغم ذلك لن يصغي المتربعون على دست السلطة لهذه المناشدات ، ولمنطق العقل والضمير ، ويرحموا الناس وينتشلوهم من هوتهم التي وضعوا بها من قبل هذه القوى الفاسدة ، والقيام على تلبية الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم لهم ، بل ازدادوا أيغالا وعنجهية وطغيانا ، ولن يلتفتوا الى هذه الملايين التي تعاني من جحيم الفساد والافساد والطائفية والمحاصصة والارهاب بكل أشكاله ، من داعش.. والميليشيات الطائفية والعنصرية ، وغياب الأمن والخدمات ، والبطالة المتفشية بين القوى القادرة على دخول سوق العمل ، والانهيار والتمزق المجتمعي المريع ، وذهبت هذه الفئة الباغية بسرقة كل شئ ..سرقة البسمة والفرح والاطمئنان من أبناء شعبنا ، وعدم الشعور بحلاوة الحياة وبهجتها ، ولا بالسعادة والرخاء الذي يرجوه ويتمنوه !
فهؤلاء لم يسرقوا المال العام فقط!.. وحولوه الى خزائنهم في البنوك الخارجية ...بل سرقوا وطن بكامله ! ...واليوم يَعِدون الملايين ؟..بأنهم سَيُعَدِلون المسيرة ههههه ؟!!...ويحاربون الفساد والطائفية والحد من سلطة الميليشيات وهيمنة الأحزاب الدينية الاسلاموية ، على مقدرات البلد ؟
وكأن من سرق كل شيء .. قوة خارقة جاءت من كوكب خارج كوكب الأرض ؟... و ليس هم !.. وأحزابهم وزبانيتهم ورواد حاناتهم ، المسيطرين على دور العهر والنخاسة ، وتجار السلاح والمخدرات ، وتحت أعينهم واشرافهم !!..
ومحاولاتهم تظليل الناس !.. بأنهم سينهضوا بالبلد !!.. وبثورة ( عرمرم ) ثوروية انفجارية ؟!!..وراحوا يهرولون الى الأمام وبشكل ديماغوغي وغبي !!..تفاديا من أن ينال الشعب وينتقم منهم ومن شرورهم !.. لكذبهم وفشلهم وفسادهم الذي فاق كل التصورات !.. ولم يسبقهم أحد في ذلك !.. فقد نالوا وبامتياز مع مرتبة الشرف ؟.. ومنحوا الدرجة الأولى في فسادهم وخرابهم وفشلهم !، وليغدقوا على هذه الملايين بوعودهم وفبركاتهم الكاذبة من خلال خطاباتهم الرنانة ومشاريعهم العملاقة التي يعدون الناس بتحقيقها ومنذ سنوات !.. ولكن لن يقبض هذا الشعب ، سوى الجوع والموت وغياب الحياة والخدمات ، وغياب الأمن وانتشار السلاح وعصابات الجريمة التي تحصد يوميا ضحاياها في مختلف المحافظات ، وقد أقاموا جبلا من الجليد بين جنباته كل ما تتمناه الملايين المحرومة من كل ما لذ وطاب ! .. وفقدت هذه الملايين بفضل هؤلاء كل شيء !.. والأمل بحياة أمنة .. رخية وسعيدة كباقي خلق الله ؟!!
هذه الملايين من أبناء وبنات شعبنا التي خبرت هؤلاء ، وقاست الويلات نتيجة لسياساتهم المدمرة للعراق وشعبه ، لن تُلْدغ من جُحْرٍ مرتين !!...فقد خذلتهم هذه الفئة الضالة والمتحايلة واللعوبة ... مرارا وتكرارا ولسنوات عديدة ...واليوم تقول لهم الجماهير [ ألى موضع الأسرار قلت لها قفي ] ...فلن تصدقكم بعد اليوم رغم وعودكم وتضليلكم وكذبكم المكشوف !...ووقت التغيير قد أزف ...وجاء وقت الحساب والمكاشفة وتبيان المستور !!
أقولها مخلصا لهذه القوى !!.. بأن يتعلموا من تجارب التأريخ ، ومن الذي مروا به من تجارب مرة ومريرة !.. بأن يحسنوا الاختيار والتعامل مع الواقع برجاحة وعقل وروية ، ويعلنوا فشلهم الذي لا يمكنهم التستر عليه أو اخفائه ، وحجم ما ارتكبوه بحق هذا الشعب من كوارث وما عرضوه من محن وويلات وخراب !! ... ويعتذروا لشعبهم ووطنهم ، ويعيدوا كل دينار سرقوه !...وما ليس لهم حق به ، ويعودوا الى مساجدهم وحسينياتهم ومدارسهم الدينية ..كرجال دين ووعاظ يبشرون لدينهم ومبادئه وقيمه السمحاء ، وما أمرهم الله به ، ويبتعدوا عن سلوكهم الشيطاني المعادي للدين وللدنيا وللحياة ، فلا يمكنكم الجمع بين السياسة والدين أبدا ، فهي من المتناقضات والمتقاطعات !...ولست أنا الذي أقول لكم ذلك ولكن تجارب التأريخ تأشر الى حجم الصراع والعنف الذي ارتكبته هذه الفئة التي أمسكت بالسلطتين الدينية والدنيوية في أوربا ، وكم من الملايين من الأبرياء ذهبوا ضحية الجمع بين السلطتين ، وفي أخر المطاف ولقناعة المجتمعات بأن الجدوى هي انتزاع السلطة السياسية من رجال الدين وابعادهم عن الدولة وعن السياسة ، حينها تم فصل الدين عن السياسة بشكل كامل عام 1789م وعبر هذا التحول التأريخي تمكنت أوربا من التعايش بين شعوبها وساد الأمن الاجتماعي من خلال الدولة الديمقراطية العلمانية المدنية ، وتم حفظ حقوق رجال الدين وسواهم على حد سواء .
واليوم .. نحن نمر بمرحلة مفصلية ودقيقة وصعبة ولا يجوز التشبث بالسلطة !.. ولا تغريكم مغانمها ، فهي سلاح ذا حدين فلا تغرنكم مكاسبها فتقعون في وحل فسادها ، واتقوا الله في شعبكم ووطنكم .
على جماهير شعبنا أن لا تستكين ولا تتراجع عن أهدافها في قيام دولة المواطنة... الضامن الأكيد والوحيد لطموح شعبنا ...والمتناغم تماما مع حركة الحياة ومع مصالح الناس ، والناشر للأمن والسلام والرخاء في ربوع عراقنا الجريح والمدمر .
وعلى الجماهير أن تضغط ومن دون تردد أو تراجع ، عن الذي بدؤه منذ عامين ، لتحقيق هدف بناء دولة المواطنة ، ومن أجل تحقيق العدالة والمساوات بين الجميع .
على النظام القائم اليوم أن يسارع بالبدء بالقيام بإصلاحات حقيقية وبما يعود على الملايين بالفائدة ، وبشكل ملموس ورفد مؤسسات الدولة المختلفة وعلى وجه الخصوص المؤسسة الأمنية ، بأصحابي الخبرة والكفاءة والنزاهة والوطنية ، ووصع الشخص المناسب بالمكان المناسب ، بعيدا عن الطائفية والمحاصصة والتعصب ، من الوطنيين والمخلصين ، أصحابي الدرجات المعرفية والعلمية ، ومن أصحابي الخبرة الادارية ومن مكونات شعبنا المختلفة ، تشكيل مجلس وطني للدولة ، من الخبراء والقانونيين والسياسيين والمستقلين لاعادة النظر في بناء الدولة ، وعلى أساس المواطنة ، وبما يضمن وحدة نسيجنا الاجتماعي ، وبما يصب في وحدة العراق وسلامة أراضيه ، وضمان عدم التدخل في شؤونه ،
والعمل على اصدار التشريعات والقوانين التي تساهم في أعادة هيكلة الدولة والمنظمات الاجتماعية والأحزاب السياسية ، والقيام ببعض التعديلات الدستورية والقانونية والتي تساعد وتساهم في عصرنة بناء الدولة والمجتمع وبما يحمي شعبنا وثرواته وأرثه الحضاري ، ويحافظ على كيانه في دولة ديمقراطية مستقلة وذات سيادة على كامل تراب الوطن، والطلب من المجتمع الدولى المساندة والدعم والحماية وخاصة الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة ، وتشريع كل ما من شأنه أن يعزز النهج الديمقراطي العلماني ، وعدم وضع العصي في عملية إعادة بناء الدولة وعلى أساس سليم ورصين وحقيقي ، وبذلك نكون قد وضعنا قدمنا على السكة وفي المسار السليم والمنقذ لحاضر ومستقبل بلدنا وشعبنا وبشكل متوازي العمل على هزيمة الارهاب والرهابيين ، لنعيد للعراق وجهه الحضاري وبسمته وألقه ومكانته بين الأمم .
7/8/2017 م

المنبر الحر