المنبرالحر

أغلبية سياسية أم أغلبية طائفية؟ / د. صبيح الجابر

دعونا نناقش بعض المفاهيم والمصطلحات والآراء والافكار الملتبسة التي يُزَج بها في واقعنا السياسي والثقافي والاجتماعي، وتثير جدلا قد لا يصل الى مبتغاه الحقيقي حين يستفرد به شخص او جماعة او حزب من احزاب السلطة.
فقد كثر الحديث عن الاغلبية السياسية منذ فترة ليست بالقصيرة في العراق، والاغلبية السياسية حسب فهم مروجيها نظام للحكم يراد تجريبه مستقبلا علينا بعد ان فشلت التجارب السابقة – حسب زعمهم – (التوافقية، المشاركة، التوازن، المحاصصة، حقوق او حصة المكونات الطائفية والاثنية وغيرها)، وهي جميعها تلتقي في نقطة واحدة تسمى (المحاصصة الطائفية) علما ان الطوائف جميعها والاثنيات بعيدة كل البعد عن هذه التقسيمات السياسية، والنفعية، والسلطة ايضا تشكل اغلبية سياسية (طائفية) اذ لا توجد سلطة حاكمة بدون سياسة.
يبدو ان مصطلح او مفهوم الاغلبية السياسية جرى اختياره والتمسك به من قبل بعض الحكام العراقيين كعنوان او شعار اعجبهم كثيراً،دون ان يدققوا في دلالاته وهم اليوم يريدون تجريبه في الانتخابات المقبلة بعد فشل ذريعة الصراع الطائفي وانحساره كمبرر لتحقيق الاهداف السلطوية عن طريق حشد الطوائف والاثنيات في الانتخابات البرلمانية المقبلة للعبور الى (جنات النعيم) السلطوية الموعودة من خلال جسر الطائفية، العائم والمتحرك.
انهم يفكرون بذلك وكأنهم كانوا سابقا يحكمون باغلبية فلاحية مستقلة عن السياسة، او اغلبية عمالية او طلابية او اغلبية من موظفي الدولة، من الذين لا يخضعون لاوامرهم الحزبية الطائفية. اسئلة عديدة توجه الى اصحاب الاغلبية السياسية: ما هي الاغلبية التي كنتم تحكمون بها؟ الم تكن اغلبية سياسية طائفية؟ لماذا حذفتم الطائفية؟ وهل هناك من جديد طرأ على الواقع السياسي الطائفي المهيمن على مساحة البلد باكملها؟ ألم يلتق امراء الطوائف السلطويون عقب كل انتخابات برلمانية لتأخذ هذه اللقاءات مداها الزمني للاتفاق في ما بينهم على كيفية توزيع حصص غنيمة السلطة بعد (فتوحات) الانتخابات؟
ربما بدأوا يفكرون اليوم؟ ويشككون في احتمالية ظهور شريك لهم في السلطة من خارج اسوار (بيوتهم الطائفية المحصنة) كما يدعون علنا ويعملون على تمتين تحصيناتها المنيعة، خوفا من الاختراق، كلما قربت الانتخابات وبعدها يشتعل الصراع كالمعتاد دائماً.
ان القائلين بالاغلبية السياسية (الاغلبية السياسية والاغلبية الوطنية لا يختلفان في شيء) قد تناسوا بانهم يترأسون احزابا طائفية، لباسها ديني وجوهرها سياسي سلطوي، اي ان اهدافها منذ التأسيس العمل وسط طائفتها التي انبثقت عنها، وان برنامجها السياسي – كما تدعي – الدفاع عن الطائفة وتحقيق حقوقها المهضومة وليس الدفاع عن ابناء الوطن والمظلومين والمهمشين والمقموعين مهما كانت انتماءاتهم القومية والدينية والطائفية.
والاغلبية السياسية هي ليست نظرية جديدة في قيادة السلطة السياسية، وكأن بعض السياسيين العراقيين قد اكتشفوها تواً، بل هي المرتكز الاساس لاي نظام ديمقراطي برلماني يقوم على الانتخابات ولكن في ظل أية احزاب سياسية؟
في العراق احزاب حاكمة وصلت الى السلطة ليس من خلال برامجها واهدافها السياسية، بل من خلال شحذ الصراعات الطائفية والطوائف التي تزج ظلما في عملية انتخاب اعضاء هذه الاحزاب وبعض النفعيين الذين يسيرون خلفهم. فالاغلبية السياسية في مفهوم بعض قادة الاحزاب الطائفية هي ان يصل قادة هذه الاحزاب الى السلطة عن طريق الانتخابات، ومن ثم المنتفعين بغض النظر عن طوائفهم ليتفقوا على توزيع مغانم السلطة على اساس محاصصاتي، أسوأ بكثير من محاصصة الاعوام السابقة. اما من يحرم من الدخول في هذا (البازار) التجاري، فعليه ان يذهب الى المعارضة، كما ينصح بذلك زعماء السلطة المحاصصاتية وكأنهم يفصلون الواقع السياسي بعد الانتخابات على مقاساتهم الخاصة. وهذا يعني ان الفائزين بالسلطة قد جددوا أبعاد فشلهم مسبقا، وخططوا للكيفية التي يتقون بها شر المعارضة البرلمانية. السؤال الآتي: لماذا يوكل لغير الفائزين بكرسي حكومي لمراقبة السلطة التنفيذية باعتبارهم معارضة، في الوقت الذي تكون فيه مهمة البرلمان هي مراقبة الحكومة، سواء اكان البرلمانيون مشاركين في السلطة التنفيذية ام غير مشاركين؟
وهذا يعني ايضا ان الحكومة في (الاغلبية السياسية) ستكون مقدسة بطائفياتها واثنياتها ولا يمكن مساءلتها او استجواب اي من اعضائها لان اغلبية البرلمان السياسية ستكون مع الحكومة ذات الاغلبية الطائفية او مع حكومة زعماء الطوائف السياسيين، وهم في الحقيقة ابعد ما يكونون عن هموم الطوائف والمذاهب الدينية، واكثرا التصاقاً بمصالحهم الشخصية ومصالح احزابهم واكثر حرصا على ان يظل باب نهب الدولة مشرعا ومشرعنا على ايدي سراق المال العام باعتبارهم هم السلطة التشريعية والتنفيذية في آن واحد. وهم الاغلبية السياسية الحاكمة وهم الذين استبدلوا شعار صدام المقبور، ثلاثي الابعاد (وحدة، حرية، اشتراكية) بشعارهم الجديد ثلاثي الابعاد ايضاً ويعملون على تطبيقه قسرا برؤوس العراقيين (لا ارى ، لا اسمع ، لا اتكلم) ويختصرها بعض السياسيين بقوله: (اذا ابتليتم فاستتروا).

المنبر الحر