المنبرالحر

خواطر عن الرفيق العزيز الراحل عزيز محمد / د. خليل الجنابي

الرفيق العزيز والطيب الذكر ( عزيز محمد - أبو سعود ) كان إنساناً متواضعاً إلى أبعد الحدود ويتميز بذكاء فطرى وحنكة سياسية أهلته لخوض معترك العمل الحزبي بكل مقدرة ومسؤولية . ولا غرو في ذلك لأنه خريج مدرسة السجون التي قضى فيها ردحاً من الزمن ما يقارب العقد .
تعلم خلالها الصبر والإخلاص والتضحية والفداء ، إكتسب الشهامة والنبل والدفاع عن قضية العمال والفلاحين والطبقات المسحوقة التي ينتمي إليها ، برع في الدفاع عن الشعوب والقوميات وحقها في تقرير المصير وخاصة الشعب الكردي والشعوب الأخرى التي يحتضنها العراق .. كان صمام الأمان لوحدة الحزب وتقويم سيره في خضم الصراعات الحزبية والإختلافات في الرؤى في مواقف الحزب في العديد من القضايا الداخلية والعربية والعالمية . لم أكن في موقع يؤهلني للخوض في دقائق الأمور ، لكن اللقاءات العديدة التي تشرفنا في اللقاء بها مع رفيقنا الراحل عزيز محمد عندما كنا في بلغاريا للدراسة في بداية السبعينات ولمدة عقد كامل جعلتنا نتعرف عن قرب على هذه الشخصية الفذة ورفاق آخرون كانوا في موقع المسؤولية ومنهم الرفاق ( زكي خيري ، باقر إبراهيم ، عبد الرزاق الصافي ، بهاء الدين نوري ، آرا خاجادور ، حميد مجيد موسى ، كمال شاكر ، فخري كريم . حسين سلطان ، عادل حبه ، حميد بخش ، لبيد عباوي ، يعقوب مصري ) وغيرهم . لقاءاتنا المتعددة معهم خلال زيارتهم إلى بلغاريا بدعوة من الرفاق البلغار الذين كانوا على علاقة وثيقة برفاق حزبنا الشيوعي العراقي وبكل الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية وفي أرجاء العالم .
إن المساعدات الجمة التي قدمتها بلغاريا لهذه الأحزاب لا يمكن عدها إبتداءاً من منح الزمالات الدراسية لطلبة بلدان تلك الأحزاب والتي تُعد بالآلاف وفي شتى الإختصاصات العلمية والأدبية والتقنية والمهنية وتهيئتهم كوادر علمية تخدم بلدانها في عملية البناء والتعمير إلى جانب المساعدات العينية والدراسات النقابية والحزبية لإعدادهم كوادر علمية ليتصدروا المشهد السياسي في بلادهم .
نعم لقد كان لي شرف المساهمة مع رفاق آخرين في اللقاء مع مجموعة الأسماء التي ذكرتها وخاصة مع الرفيق الراحل ( عزيز محمد - أبو سعود ) ، ولا أبالغ من أن اللقاء معه كان يمتاز بروحية عالية من الألفة والمحبة والأمل والتفاؤل والتي كان يمتاز بها رفيقنا العزيز .
وهناك لقطات جميلة أتذكرها في لقاءاتنا مع الرفيق ( أبو سعود ) ، ففي إحداها كنا مجموعة من رفاق منظمة بلغاريا للحزب الشيوعي العراقي ذهبنا لزيارته في موقع إقامته في صوفيا ، كنا خمسة رفاق ورفيقة واحدة فقط ، وخلال اللقاء صادف أن الرفاق ( الذكور ) كانوا في المقدمة وجاء دور ( الرفيقة ) في النهاية ، هنا قال لنا وبصوت مسموع ( بعدكم فِلِحْ - فلاحين !! ) ، وصافح الرفيقة بحرارة لأنه يعرفها ويعرف تأريخها النضالي ومكانتها في الحركة النسوية العراقية ورابطة المرأة ..والرفيقة هي الراحلة ( عميدة الرفيعي ) .
بعد اللقاء وخروجنا سألنا أحد الرفاق .. قائلاً الحقيقة ( ما فهمت شنو قصد الرفيق عزيز محمد .. بعدكم فلاحين ) .. وتم الشرح له بأن الفلاح ينظر إلى المرأة نظرة دونية ومتخلفة ودائماً يجعلها بعده حتى في المسير
.. إلتفت الرفيق إلى الرفيقة ( عميدة ) معاتباً إياها على هذا الإشكال ، وقال لها ( من وراج أكلنا رزالة من الرفيق عزيز ) . فأجابته ( تستاهلون لأن واحدكم مثل أي شيخ عشيرة نافخ نفسه ويمشي في الأمام !! ).
الحقيقة لم تكن إشارة الرفيق ( عزيز محمد ) للموضوع على أنها ( رزالة ) ، لكنه قالها بشكل تربوي مؤدب تعني الكثير خاصة ونحن متواجدين في بلغاريا وعلينا أن ننهل من ثقافتهم ومواقفهم إتجاه المرأة ومساواتها الكاملة مع الرجل .
اللقطة الأخرى لي .. حيث علمت بأن الرفيق عزيز محمد سيصل مطار صوفيا على الخطوط الجوية البلغارية القادمة من بغداد في أحد الأيام . وفي الموعد المذكور ذهبت إلى المطار لإستقباله ، وأنا أعرف مقدماً أن ممثلاً للحزب الشيوعي البلغاري ( العلاقات الخارجية ) سيكون في إستقباله أيضاً . وصلت الطائرة ووصل الرفيق عزيز محمد ودخل صالة التفتيش كأي مسافر عادي ، وللأسف لم يصل لحد الآن ممثل الحزب الشيوعي البلغاري المكلف بإستقباله وتسهيل عملية دخوله ، هنا بادرت وإتصلت بضابط المطار وعرفته بنفسي وبالضيف القادم وتم دخوله على أفضل ما يكون . إقترح الرفيق عزيز أن ننتظر بعض الوقت في صالة الإنتظار لكي نعطي فرصة لوصول الرفيق البلغاري ، مضى بعض الوقت ولم يصل أحد ، عندها إقترحت على الرفيق عزيز أن نأخذ ( تاكسي ) ونذهب إلى الفندق المخصص عادة للضيوف من الأحزاب الشيوعية فندق ( ريلا ) على ما أتذكر ، الرفيق عزيز كان يحمل معه ( جنطة ملابس متوسطة ) ، حاولت أن أساعده وحملها عنه إلى التاكسي رفض رفضاً قاطعاً وقال ( بعدني شباب ) وقال حتى ما تزعل هذا كيس صغير كان يحمله في يده ممكن أن تساعدني به ، وعندما وصلنا الفندق المذكور حمل الجنطة بنفسه ودخلنا وعند تقديمه جواز سفرة للإستعلامات عرفوه ونادوا على مدير الفندق وإستقبله إستقبالاً حاراً ويبدو أن لديه معلومات بوصول الرفيق الضيف . وأخبرنا بأن الرفيق البلغاري قد حصل له حادث سير عرضي مما أدى إلى تأخره وهو في طريقه إلينا الآن .
بعد نصف ساعة تقريباً وصل الرفيق البلغاري وهو من الذين يجيدون اللغة العربية وكان العَرَق يتصبب منه خجلاً وقص لنا ما حدث له وإعتذر كثيراً على هذا التأخير وقال كيف وصلتم ؟ ، أجابه الرفيق عزيز مبتسماً ( جئنا مشياً على الأقدام !! ) عندها سألني كم دفعتم إجرة للتاكسي ؟ ، وأصر على معرفة ذلك ، بعدها ناولني وبإلحاح ( عشرة ليفات ) مع علبة جكليت وشدة ورد كان يحملها معه قدمها للرفيق أبو سعود .
اللقطة الثالثة للرفيق أبو سعود ، هو أنه في إحدى زياراته إلى بلغاريا صادف وجود الرفيق الخالد ( خالد بكداش ) في زيارة هو الآخر بدعوة من الحزب الشيوعي البلغاري ، إلتقى القائدان الشيوعيان في منتجع سياحي في مدينة فارنا الجميلة الواقعة على البحر الأسود في لقاء غير رسمي ، كان الرفيق عزيز مرتاحاً من هذا اللقاء حسب ما نقله إلينا حيث إمتد لساعات طويلة ولأيام عديدة أفرغ كلاً منهما ما بجعبته عن أوضاع الحركة الشيوعية في العالم العربي والعالم الثالث وفي أرجاء العالم ، وتناولا العلاقات الحميمة بين الحزبين الشيوعيين السوري والعراقي والعلاقة مع الآحزاب الأخرى خاصة مع الحزبين الحاكمين في هذين البلدين وهو ( حزب البعث العربي الإشتراكي ) اللذين يتشابهان في الإسم والمختلفين إلى حد العداء السافر بينهما ، وإستخلصا التجارب والعبر ، حيث كما ذكر الرفيق عزيز محمد كان اللقاء بينهما يتسم بالصراحة ومتطابق في الرؤى رغم وجود بعض المشاكل التنظيمية التي ظهرت واضحة في تلك الفترة وظهور أجنحة متعددة في الحزب الشيوعي السوري أدت إلى تعثر مسيرة الحزب الشيوعي الشقيق .
كما كانت توصياته لنا أن نوطد العلاقة مع الرفاق في منظمة الحزب الشيوعي السوري ومتابعة نشاطاتهم وفعالياتهم والسعي على تذليل الصعوبات الفكرية والتنظيمية بين أطرافهم .
لقد كانت لقاءاتنا المتكررة مع الرفاق الذين يزورون صوفيا دعماً معنويا وتثقيفياً لنا لمواكبة الأحداث .. وكان الجميع بدون إستثناء أول سؤالهم عن أحوالنا الدراسية وتشجيعنا وحثنا على نهل العلم من البلد الصديق ، تماشياً مع شعار منظماتنا الطلابية والحزبية ( التفوق العلمي والعودة إلى الوطن ) ، لكن للأسف عاد العشرات وتسكعوا في الشوارع ولا أحد إهتم بهم ولم يُعترف بشهاداتهم خاصة خريجي الدول الإشتراكية في ذلك الوقت وعادوا أدراجهم من حيث أتوا .
لقد كان بعض الرفاق لهم الحضوة في اللقاءات الكثيرة معهم بحكم وجودهم الطويل في بلغاريا وفي المقدمة منهم الرفيق العزيز ( حميد مجيد موسى - أبو داود ) بحكم دراسته الحزبية والأكاديمية في صوفيا ، كان قريباً منا ورفيقاً ودوداً يساهم معنا في معظم نشاطاتنا وفعالياتنا ، وكان خير المرشد وخير الموجه لما يمتاز به من حنكة ودراية حزبية وثقافية وسياسية .
نعم لقد كانت لقاءاتنا مع هذه المجموعة الخيرة من الرفاق القياديين ذات أثر فكري وتنظيمي وتربوي نعتز بها وفي المقدمة منهم الرفيق الخالد ( عزيز محمد - أبو سعود ) .. الذكر الطيب لك على الدوام أيها الرفيق العزيز .

المنبر الحر