المنبرالحر

لماذا نجح إضراب الأسرى الفلسطينيين ؟ / رضي السمّاك *

قبيل يوم واحد من شهر رمضان المبارك الجاري أعلن الأسرى الفلسطينيون المضربون في السجون الاسرائيلية انهاء واحد من أطول إضراباتهم طولاً في مدته حيث استمر 41 يوماً بالتمام والكمال والذي جاء احتجاجاً على أوضاع تلك البالغة السوء التي يرزحون في ظلها داخل تلك السجون والتي تعكس الوجه العنصري القبيح للنظام العنصري الحاكم في إسرائيل بالرغم من تشدقها وتباهي الغرب معها بديمقراطيتها .
ويُعد إضراب الاسرى الفلسطينيين الأخير حلقة من سلسلة إضرابات متواصلة داخل السجون الفاشية الاسرائيلية طوال ما يقرب من 50 عاماً منذ ما بعد هزيمة 1967 ، بيد ان ملحمة الا ضراب الأخير تكتسب معاني ودلالات هامة فلسطينياً لأن المضربين تمكنوا من تحقيق على الأقل الحد الأدنى من أهدافه المطلبية في ظل ظروف وموازين فلسطينية وعربية واقليمية ودولية غير مؤاتية شديدة الاختلال لغير صالح القضية الفلسطينية ، وهنا بالضبط مكمن عظمة ملحمة معركة البطون الخاوية التي خاضها الاسرى المضربون طوال تلك الفترة الطويلة بصمود منقطع النظير والتي ساهمت عدة عوامل في تكللها بالنصر ويمكن اعتبارها في ذات الوقت ذات دلالات مهمة جديرة بالإتعاظ والاستلهام على الصعيد الفلسطيني بوجه خاص وعلى الصعيد العربي بشكل عام ، ولعل أهمها :
الدلالة الأولى : الإرادة الجبارة التي أبداها كل المُضربين مستلهمين في ذلك الموقف الفولاذي لقياداتهم الفذة التي تشاركهم عذابات السجون ، وعلى رأسهم المناضل الفذ مروان البرغوثي ( القيادي في فتح ) وأحمد سعدات ( أمين عام الجبهة الجبهة الشعبية ) وقياديون آخرون من فصائل فلسطينية وطنية وإسلامية اخرى مثل " الجهاد " و " حماس " ، وبالتالي فإن روحهم الثورية واصراهم النضالي على مواصلة الاضراب وتصديهم لكل حيل العدو ساهم في انتصار الإضراب .
الدلالة الثانية : توافر الحد الادنى المعقول من وحدة فصائل النضال الفلسطيني ممثلةً في كوادرهم المُضرِبة داخل السجون سواء في مرحلة التخطيط للإضراب أم من خلال تنفيذه ومن ثم انتفاء المزايدات الثورية الى ادنى حد ممكن ، وبدون أيضاً إقحام مطالب سياسية بعيدة عن شجون وشئون السجون التي يرزح في ظلها الاسرى الفلسطينيون .
الدلالة الثالثة : المواقف الشهمة التضامنية التي جسدها أهالي المضربين في مساندة إضراب ابنائهم وذويهم سواء من خلال المخيمات التي نصبوها في مختلف مدن الضفة والقطاع أو من خلال شتى انشطتهم وفعالياتهم الاخرى من مسيرات احتجاجية غاضبة وتحركات مختلفة ضاغطة على موقف السلطة الفلسطينية الرخو ، وكذلك على الاصعدة العربية والدولية . وتجدر الإشادة هنا بالموقف المتميز الشجاع للمناضلة الرائعة فدوى البرغوثي كمناضلة وزوجة للمناضل مروان البرغوثي العضو القيادي في حركة "فتح " كُبرى الفصائل الفلسطينية .
الدلالة الرابعة : الدور المساند الذي وقفته الاحزاب والحركات العربية والعالمية الشريفة والمناضلة وكذلك المنظمات الحقوقية العالمية ، ولجان المقاطعة العالمية لاسرائيل المعروفة BDS ، فضلاً عن المؤسسات الوطنية والحقوقية ولجان التضامن والاسناد الشعبية في فلسطين المحتلة . وقد ضرب المناضل القيادي الأسير أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية مثالاً انسانياً وقدوةً رائعة في الامتنان لكل المواقف التضامنية العربية والعالمية مع الإضراب مهما بدا تأثيرها محدوداً، كما جاء في بيانه من معتقل ريمون بتاريخ 28 ايار الماضي .
الدلالة الخامسة : الموقف المتميز الذي ضربه عرب الداخل الذين عُرفوا ب " عرب 48 " في إسناد الإضراب وبخاصة القوى اليسارية التي راكمت خبرات نضالية تنظيمية كما جسدتها قوى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وعلى رأسها الحزب الشيوعي " راكاح " وغيرها من القوى والتنظيمات والرموز المستقلة .
وأخيراً فلعل المناشدة التي ختم بها المناضل الأسير سعدات قائد الجبهة الشعبية في بيانه الذي أصدره في اليوم التالي من فك الإضراب إلى الفصائل والقوى الفلسطينية الوطنية والإسلامية لاستعادة وحدتها والذي يفترض مدعاة لقيادات الفصائل الفلسطينية للخجل أن يصدر مثل هذا البيان الذي يدعوها لرأب الصدع فيما بينها من مناضل كبير في ظروف صحية بالغة السوء لهزال جسمه حيث عبّر في بيانه بها أن خير هدية تقدمها الفصائل للمضربين بعد فك اضرابهم استعادة وحدتهم ، لعلها - المناشدة - خير درس جدير بالاستلهام ليس من قِبل الفصائل والقوى الفلسطينية والإسلامية فحسب ، بل ومن قِبل سائر قوى المعارضة الوطنية والاسلامية في عالمنا العربي لاسيما في دول الربيع العربي المُجهض ، ذلك بأن النضال من أجل تحقيق مطالب آنية إنسانية ، كاضرابات المعتقلين ، وكالحصارات البوليسية التي تشن على أي اعتصامات سلمية تمهيداً لقمعها بوحشية من قِبل أنظمة تلك الدول في أحوال محددة ناجمة عن تداعيات الاحتقان السياسي الذي ولّده الغضب من اجهاض حلمها الربيعي لا ينبغي - لخصوصيتها الطارئة - ربطه على الدوام بالاستحقاقات الثورية أو المطلبية الاصلاحية الكبرى في حال أشتداد التأزم والتوتر والانكفاء الجماهيري مؤقتاً ، ولعل التجربة الفلسطينية النضالية ومن ضمنها معركة البطون الخاوية التي خاضها الاسرى الفلسطينيون أخيراً ، رغم خصوصيتها النضالية التحررية كحركة كفاح ضد "الاستعمار الاستيطاني "، ورغم أيضاً واقعها المؤلم الغني عن الوصف يمكن الاستفادة منها بأي وجه من الوجوه في نضالات الشعوب العربية وحركاتها وأحزابها المعارضة من أجل انتزاع مطالبها الديمقراطية والإصلاحات الجذرية الديمقراطية .
* كاتب بحريني

المنبر الحر