بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خرجت بريطانيا من الحرب منهكة بل مدمّرة، وأرادت أن تضمد جراحها بعد استنزاف اقتصادها، فالتفتت إلى اكسير الذهب الأسود في البلدان العربية، وبالمقابل كانت قلقة من الانتصارات التي حققها الاتحاد السوفيتي، وتأسيس الأحزاب الشيوعية في بعض البلدان العربية، ولهذا رأت بريطانيا أن تعدل معاهدة 1930 لمصلحتها والتي يطالب الشعب بإلغائها، ووجدت أن هناك رجلين فقط يمكن أن يعهد إليهما أداء المهمة، هما نوري السعيد وعبد الإله، وقام السفير البريطاني في تشرين الثاني عام 1946بدعوتهما إلى حفل عشاء في مقر السفارة، للتأكد من أن لهما رؤية مطابقة لرؤية حكومته، وتداول الطرفان في وجهة نظريهما في بعض النقاط الرئيسة لتعديل المعاهدة، وبحثا بعض الخطوط الرئيسية للمعاهدة الجديدة التي يجب أن تبدو أفضل من سابقتها، بينما يجب أن لا تمس مصالح بريطانيا العظمى.
وبعد التأكد من موافقتهما أخبر السفير وزير خارجية بلاده بنتيجة المحادثات المرضية، وطلب منه حث الوصي على إقصاء أرشد العمري، وتكليف نوري السعيد بتشكيل الوزارة، وبعد ثلاثة أيام فقط نفذ الوصي هذه الأوامر، فشكل نوري السعيد وزارته التاسعة في 21/ 11/ 1946، وأول إجراء اتخذه نوري السعيد هو دعوة حزبي الوطني الديمقراطي والأحرار للاشتراك في وزارته، فكان محمد حديد من الحزب الوطني الديمقراطي وزيرا للتموينية وعلي ممتاز الدفتري من حزب الأحرار وزيرا للمواصلات والأشغال، ولم تدم عضويتهما في الحكومة طويلاً، إذ فوجئت الحكومة بعد تأليفها بمدة قصيرة بعاصفة من الاحتجاجات على عدم التزامها بما تعهدت للأحزاب عند موافقتها على الاشتراك في الحكومة، وذلك بعدم السماح للأحزاب السياسية بفتح فروع لها في الألوية (المحافظات)، وبالتدخلات السافرة في الانتخابات التي شرعت الحكومة في إجرائها، ولذلك قرر ممثلا الحزبين السياسيين المشتركين في الحكومة أن ينسحبا من الوزارة بعد اشتداد التظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي أدت الى سقوط حكومة نوري السعيد .
بعد ذلك شكل صالح جبر وزارته الأولى ، في 29/ 3/ 1947 والتي قوبلت بالمعارضة الشديدة من جانب جميع الأحزاب السياسية المعارضة، التي أعلنت أن الهدف من مجيء الوزارة ربط العراق وشعبه بعجلة الاستعمار، وضياع تطلعاته الوطنية. وقام صالح جبر بمفاوضات سرية مع بريطانيا، أسفرت عن توقيع معاهدة بورت سموث سيئة الصيت، في 15 كانون الثاني 1948 وخلال ذلك تسربت إلى الجماهير والأحزاب السياسية بعض بنود المعاهدة الرئيسية، التي اعتبرت أشد وطأة من معاهدة 1930، ومنها إلزام العراق بالوقوف إلى جانب حليفته بريطانيا في أي نزاع تدخل فيه، وان يسمح للقوات البريطانية باستخدام الأراضي العراقية، وبان ينفق العراق من حسابه الخاص على القواعد والمنشآت العسكرية المشتركة، وأن تكون طرق المواصلات في خدمة القوات البريطانية في حالات الحرب، ولذلك أدرك الوطنيون العراقيون خطر المؤامرة المحبكة ضد استقلال البلاد وسيادتها الوطنية، فجرى العمل والتحضير للتحشيد الجماهيري، وتعبئة الرأي العام لرفض جميع المشاريع والمعاهدات المخلة بالسيادة والاستقلال الوطني.
تشكلت بمبادرة من الشيوعيين لجنة طلاب الكليات والمعاهد لتنسيق نشاط الطلبة ، وكانت اللجنة ممثلة للأحزاب العلنية والسرية، كما تشكلت لجنة التعاون الوطني من الحزب الشيوعي، وحزب الشعب، والجناح اليساري للحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الوطني الكردستاني، والتي قادت الجماهير الواسعة لإسقاط المعاهدة. وأصدرت الأحزاب العلنية بيانا عبر عن عدم جدارة الحكومة القائمة بالاضطلاع بمثل هذه المهمة لأنها لا تتمتع بثقة الشعب. ودعا الحزب الشيوعي العراقي إلى عقد اجتماعات عامة لشرح بنود المعاهدة ومخاطرها ، وتحديد أساليب الكفاح ضدها، وحدد أهداف العمل السياسي والجماهيري برفض المعاهدة الجديدة وإلغاء القديمة، وإسقاط حكومة صالح جبر وحل مجلس النواب، وجلاء القوات البريطانية من العراق فورا، وتوفير الخبز والكساء بأسعار معتدلة، وتحقيق الحريات السياسية وإجازة الأحزاب والنقابات، فتم فعلا عقد اجتماعات عمالية وشعبية، وقررت لجنة طلاب المعاهد والكليات إعلان الإضراب عن الدراسة، اعتبارا من يوم 19 كانون الثاني، وفي اليوم التالي أطلقت الشرطة الرصاص على المتظاهرين فاستشهد أربعة متظاهرين، وفي اليوم الثالث تجددت التظاهرات مشيعة شهداء الأمس، وتصدت الشرطة لهم أيضا بالرصاص، واستشهد طالب وجرح آخر فاستقالت الهيئة التدريسية لكلية الطب وأعضاء الجمعية الطبية احتجاجا على إطلاق النار على المتظاهرين داخل المستشفى، وزادت الجماهير حماسة وتضحية، واتفقت على وجوب الحيلولة دون تنفيذ المعاهدة، ووجوب إسقاط الوزارة، فكانت مقاومة منظمة تصور أروع صور الإرادة الشعبية، حيث سقط عدد من القتلى بينهم جعفر الجواهري شقيق الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، وقيس الالوسي، وتحولت بغداد إلى ساحة حرب حقيقية، ونصبت الشرطة الرشاشات فوق الأبنية العالية ومآذن الجوامع ، وقد قدم رئيس المجلس النيابي عبد العزيز القصاب ومعه عشرون نائبا استقالاتهم من المجلس النيابي، كذلك فعل بعض الوزراء، واصدر قادة الأحزاب الوطنية، الشيوعي العراقي، الاستقلال، الأحرار، والوطني الديمقراطي بيانا مشتركا ينددون فيه بالحكومة ويطالبون باستقالتها، فاضطر الأمير عبد الإله إلى أن يكلف السيد محمد الصدر بتشكيل حكومة جديدة تخلف حكومة صالح جبر.
وقد طالب الرفيق فهد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي من داخل السجن، الحزب بنشر بيان يبين فيه المطالب الوطنية وتجنيد الجماهير ودفعها للمطالبة بها بكل الوسائل والطرق الممكنة، وأهم ما يمكن التشديد عليه بعد استقالة الحكومة واهمها إلغاء معاهدتي 1930 وبورتسموث، وجلاء الجيوش الأجنبية، والمطالبة بالحريات الديمقراطية، وحرية التنظيم النقابي، والاقتصاص من وزارة صالح جبر، وجهاز شرطته لسفكهم دماء أبناء الشعب الأبرياء، وحل المجلس النيابي، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتأليف حكومة وطنية وحل مشكلة الغذاء، وهذا ما قامت به الجماهير وقواها السياسية في معاركها اللاحقة مع السلطة.