/
/

على مدار عمر التجربة الديموقراطية في البلاد، كانت البرامج الانتخابية التي تعلن عنها القوى السياسية الباحثة عن الصدارة تدور في اطار الوعود المنصبة على تحقيق الرفاه الاجتماعي ومحاربة الفساد وتحقيق تنمية اقتصادية، فضلا عن الاقرار بالنهج الديموقراطي والتعددية الحزبية في مناخ يضمن حقوق الانسان الطبيعية والمكتسبة بما يؤكد الالتزام بالدستور.
وقد يكون الاختلاف في طبيعة الرؤية لحجم الوعود وامكانية تحقيقها في برامج القوى السياسية بحسب درجات الصدقية التي اختلفت بحسب العوامل التاريخية لوجود تلك القوى في الساحة السياسية، وبحسب فهمها لطبيعة العمل السياسي وظروف البلاد، فضلا عن تأثير مساحات وجود تلك القوى في الشارع. بيد أن التأثير الأكبر لبرامج عديد من القوى كان في أساليب التسويق التي اعتمدت على أدوات الخطاب المباشر لعواطف الناس وحاجاتهم الآنية بوصفها طرقاً قصيرة لتحقيق غاية التصويت لصالح الكيان السياسي، الأمر الذي أفصح عن حقيقة تجاهل بعض تلك القوى، بقصد أو غير قصد، لرؤيتها المتعلقة بمستقبل البلاد، وقدرتها على اجابة أخطر الأسئلة المتعلقة بمستقبل البلاد ومنها (لماذا جاء المحتل؟ لماذا أنفق نحو ترليون دولار كفاتورة للحرب والفوضى الخلاقة؟ ما هو سبب وجود أكبر سفارة للولايات المتحدة في بغداد؟ ولماذا تضم حاليا نحو اثنى عشر ألف موظف بين خبير في الشؤون العسكرية والمخابراتية والاقتصادية والمالية وعلوم التقانات الألكترونية والاحيائية ومنظومات الرصد عبر الاقمار الصناعية ، فضلا عن المتخصصين بشؤون علم النفس الاجتماعي وفنون صناعة الفوضى والأزمات واثارة النزاعات وطرق التعويق) والبلاد تعيش في حالة عدم استقرار انتهت بدخول داعش وزوالها وهي مجهولة الأب والأم؟ .
اليوم ما ذا ستقول القوى السياسية لناخبيها لتعيد تسويق نفسها ازاء هذه الأسئلة عبر برامجها الانتخابية؟ هل ستعد بالديموقراطية بعد عقد ونيف من المحاصصة الطائفية؟ ، وهل ستعد جمهورها بالحريات وحقوق الانسان والبلاد تلملم جراحها التي خلفتها الحروب مع الارهاب الذي ولد من رحم الخطاب الطائفي؟ وهل ستتكلم في برامجها الاقتصادية عن خطط واستراتيجيات للنهوض بالعراق وهي لا تستطيع الاجابة عن سر تعطيل كل البرامج والستراتيجيات التي وضعتها الوزارات القطاعية وهيئة المستشارين والتي كان يمكن أن تصل بالبلاد الى مصاف الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها "الستراتيجية الوطنية للطاقة"؟
هل تستطيع أن تخبر جمهورها عن سر تعويق عموم مشاريع الدولة التي بقيت حبرا على ورق؟ ثم آلت بقرار حكومي للاستثمار حصرا، وعن سر تفشي الفساد الذي ساهم في صناعة الفوضى الخلاقة وجعل الشركات العامة في موضع الخسارة التي سترشحها للخصخصة، وعن سر ايقاف العمل بمشاريع الوزارات والمحافظات التي أنفق عليها مليارات الدنانير ثم أكلها الاندثار وتحولت فيما بعد الى مكبات للنفايات؟ وماذا بشأن المعالجات المالية وهي لا تستطيع أن تعطي تفسيرا لسر المديونية التي بدأت منذ زمن الوفرة المالية؟، وهل ستعد باستقلال القرار الوطني وهي لم تدرك بعد شروط المديونية التي ستكبل كل الحكومات القادمة ازاء ارادات الرساميل الأجنبية التي ستتحكم باللعبة الديموقراطية في البلاد؟ وهل ستعد بدولة يسودها القانون وهي لا تعطي مبررا واحدا يفسر تجميد العمل بحزمة القوانين التي شرعت خلال السنوات الماضية، وتقف عاجزة أمام امكانية تشريع قانون المحكمة الاتحادية، وهل ستعد باستثمار الثروة النفطية لصالح الناس؟ وهي تتجاهل سر بقاء قانون النفط والغاز حبيسا في الادراج منذ العام 2007 .
وبأي لغة ستكتب برامج الانتخابات ازاء النتائج التي افرزتها مرحلة التسويق الطائفي أمام لغة الأبطال الذين جعلوا أجسادهم الطاهرة معابر للشيوخ والاطفال والنساء في محنة النزوح من الحرب؟ وأية برامج اقتصادية يمكن الخوض فيها بعد هذا الهدر في فرص التنمية؟
انها حزمة من الاسئلة التي لايمكن العبور عليها أوتجاهلها في أي برنامج انتخابي يطرح قبل الانتخابات المقبلة، وواهم من يأمل في أساليب التدوير والتورية والاستعارة سبيلا للهروب من اجاباتها.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل