المنبرالحر

الدساتير في دولة العراق الحديث (4) والاخير / فارس كريم فارس

ج- الدستور الدائم لعام 2005م, في ظل الاحتلال الامريكي المباشر للعراق
قانون إدارة الدولة العراقية الانتقالي في8/آذار/2004م
نجحت ضغوطات (بريمر) في الحصول على موافقة مجلس الحكم الانتقالي على قانون إدارة الدولة العراقية الانتقالي في8/آذار/2004م، بعد طرح اراء و وجهات نظر سياسية مختلفة، حول صلاحية هذا القانون و المتمثلة في ما يلي :-
1. هناك من اعتبر قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، هي خطوة متقدمة وايجابية باتجاه استعادة العراقيين لحقهم الشرعي في حكم أنفسهم وادارة شؤونهم ودولتهم، بالشكل الذي يحقق مصالحهم وأهدافهم".
2. "أن هذا القانون يتفق مع المرحلة التي يرغب العراقيون الاحتفاء بها، وهو عودة إلى القيم الحقيقية، في الحرية والعدل والمساواة التي افتقدها العراقيون سابقا".
3. "وعلى الرغم من أن قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية قد احتوى على العديد من النصوص، التي أكدت على مبادئ لنظام حكم ديمقراطي، إلا انه في الوقت ذاته احتوى هذا القانون أيضا، على العديد من الفقرات التي تتناقض مع مبادئ الديمقراطية. فضلا عن ذلك اعتبرت بعض فقراته معوقات ومعرقلات وقفت عائقا أمام العملية السياسية لبناء الدولة العراقية الجديدة". "أن قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، قد خص مجلس الرئاسة بصلاحيات واسعة، قد تكون مدعاة لنمو الاستبداد في العراق".
و" تنفيذاً لما جاء به قانون ادارة الدولة، تم تشكيل (الحكومة العراقية المؤقتة) برئاسة (أياد علاوي) في31/أيار/2004م، وبعد مرور تسعة اشهر على تشكيل الحكومة الوطنية الانتقالية، تم إجراء الانتخابات للجمعية الوطنية العراقية في 30/كانون الثاني/2005م، وبعد لقاءات واجتماعات ومشاورات عديدة استمرت (87) يوما. تم الاعلان في 28/نيسان/2005م عن تشكيل حكومة انتقالية برئاسة (ابراهيم الجعفري) ونالت الحكومة ثقة الجمعية الوطنية المشكلة وفق انتخابات 30/كانون الثاني/2005م بأغلبية (180) صوتاً من مجموع الحضور البالغ (185) نائباً، أي بغياب (90) نائبا من اصل(275). وبموجب قانون إدارة الدولة الانتقالي، فإن حكومة (الجعفري) هي حكومة انتقالية، مهمتها إعداد مشروع دستور دائم، يعرض للاستفتاء الشعبي، وبعد ذلك يتم إجراء انتخابات جديدة للجمعية الوطنية، والتي تتولى بدورها تشكيل حكومة عراقية دائمة تامة الصلاحيات وبموجب الدستور الدائم.
وكما ذكرنا سابقا كانت مهمة الحكومة الانتقالية هي كتابة الدستور العراقي الدائم وتنفيذا لهذه المهمة، شكلت الجمعية الوطنية المنتخبة ذات الأغلبية الشيعية الكردية في 10/أيار/2005م، (لجنة كتابة الدستور) والتي تكونت من (55) عضوا في البداية بدون تمثيل العرب السنة، يصبح بعد ذلك عدد أعضاء اللجنة (71) عضو بعد انضمام (السنة) إلى اللجنة في 16/ حزيران/ 2005م". " وعقدت لجنة كتابة دستور العديد من الاجتماعات واللقاءات الموسعة والمكثفة من اجل الوصول إلى صيغة دستور عراقي يرضي جميع الأطراف، ومع أنه تم الاتفاق على كتابة الدستور بالتوافق والمشاركة الشاملة لجميع مكونات المجتمع العراقي".
"إلا أن سير عملية كتابة الدستور، تأثرت إلى حد كبير بقرارات ورؤى الكتلتين الأساسيتين الشيعية والكردية. إذ أضافت طريقة اختيار لجنة صياغة الدستور وتركيبتها تعقيدات اكثر، بسبب أنها اختيرت على ضوء نسب القوائم الانتخابية في الجمعية الوطنية. مما أدى إلى خلق أزمات وإشكاليات كبيرة في مرحلة كتابة الدستور الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى التدخل لحل هذه الاشكالات من خلال سفيرها في العراق آنذاك (زلماي خليل زاد) الذي أدرك صعوبة التوفيق بين الأطراف العراقية معتبرا نفسه، انه كان يتعامل مع عملية وضع الدستور ليس كممارسة لمبدأ بناء الدولة العراقية، بل كمفاوضات لإنجاز معاهدة سلام ثلاثية الأطراف".
"ومع وجود المصاعب وتباينات في الآراء ووجهات النظر، تأخرت عملية تسليم مسودة الدستور عن الموعد المقرر في قانون إدارة الدولة الانتقالي، وهو 15/آب /2005م، فالتجأت الجمعية إلى تعديل قانون إدارة الدولة الانتقالي، لتقنين عملية إكمال الدستور حتى 22 /آب/2005م. إلا انه حتى يوم تقديم المسودة لم تكن النسخة قد اكتملت نتيجة الخلافات بين الأطراف الثلاثة (الشيعة والسنة والاكراد) حول العديد من القضايا، منها علاقة الدين بالدولة والفيدرالية وتوزيع الموارد ووضع مدينة كركوك وهوية العراق العربية. فمسألة علاقة الدين بالدولة مثلا ودور لإسلام في التشريع مختلف عليها، ليس داخل المجتمع العراقي والجمعية الوطنية نفسها وانعكاسها في لجنة الصياغة، بل داخل التكتلات نفسها. وبالرغم من هذه الخلافات والمشكلات التي واجهت عملية كتابة الدستور، إلا أن الأطراف الرئيسية توصلت إلى صيغة مقبولة وعرض الدستور بعد كتابته للاستفتاء الشعبي في 15/تشرين الأول/2005م، وكانت نسبة التصويت (بنعم) للدستور العراقي هو(78%)".
سمات وخصائص الدستور العراقي الدائم لعام/2005م
أولا:- تشكيل لجنة لصياغة الدستور من بين أعضاء الجمعية الوطنية، وفق اسس المحاصصة الطائفية. ولما كان العرب السنة قد قاطعوا انتخابات الجمعية الوطنية، فلم يكن لهم تمثيل باللجنة، ولأجل إضفاء صفة التمثيل الطائفي على هذه اللجنة وارضاء العرب السنة، فقد تم تعيين (15) عضوا منهم في اللجنة التحقوا بها بعد مضي وقت طويل نسبيا على بدء اللجنة لإعمالها، ولم تقم هذه اللجنة على اسس الكفاءة التي تطلبها عملية إقامة الدستور حيث يفترض ان تتسم اللجنة التي وضعت الدستور مؤلفة من مختصين بالشؤون الدستورية والقانونية وبكفاءة عالية جدا، قادرين على اختيار النصوص والعبارات الملائمة، وفق الخيار السياسي المزمع اتباعه. ولكن الذي حدث هو أن اختيارها تم على اسس سياسية مرتبطة بالمحاصصة الطائفية والقومية كأساس لعضوية اللجنة.
ثانيا:- كما ان عدم وجود خيار سياسي وطني محدد ومتفق عليه لمستقبل العراق. فالخيارات متعددة ومتضاربة للكتل السياسية، مما يصعب على لجنة مختصة أن تتمكن من وضع دستور في ظل هذه الخيارات السياسية. وممارسة الضغوط على من يتعارض وتوجيهات القوى السياسية في اللجنة ولم تتمكن لجنة تعديل الدستور، رغم مضى فترة طويلة على تشكيلها من انجاز عملها، لكون التوافق بين أعضائها مستحيلا. فالدستور وفر للكيانات مصالح ومواقع للسلطة، لا يمكن أن يتنازل عنها حتى لو كان هذا التنازل لصالح الوطن.
ثالثا:- احاطت عملية الاستفتاء على الدستور حالة غموض وارباك غير طبيعية. ادت إلى تأخير إعلان نتائج الاستفتاء في احدى المحافظات الثلاثة، التي كان يفترض أن ترفض الدستور (محافظة نينوى). ولكن الذي حدث ان الاعلان تم اصداره من بعد يؤكد فيه، على ان المحافظة قد اقرت الدستور بنسبة بسيطة، مما انقذ الدستور في الرفض، استنادا إلى أحكام قانون إدارة الدولة. وهذا الأمر خلق شعورا لدى المواطنين بأن نتيجة الاستفتاء قد تعرضت للتلاعب والتزوير، والتي حملت طابع الترغيب والترهيب، والتي لعبت دورا لدفع المواطنين للأدلاء بأصواتهم ليس عن قناعة، وانها تأثرت بأساليب الخداع التي رافقت عملية الاستفتاء, وقد تم تعديل الكثير من الفقرات بعد نشر المسودة وقبل الاستفتاء وهذا مخالف للقانون.
رابعاً:- ويفترض في تدوين الدستور مراعاة الشكلية من حيث اللغة والصياغة، والابتعاد عن السرد الأدبي والتكرار والاسلوب الانشائي، وبالعودة لدستور العراق لسنة/ 2005م تجد أن ديباجة الدستور عبارة عن قطعة انشائية وضعت وصيغت لترضي بعض الأطراف الرئيسية في العملية السياسية، لم يراع فيها الانجاز القانوني المكثف ولا اللغة القانونية التي تبتعد عادة عن السرد الصحفي والخطابي، فالديباجة يجب أن تكون موجزة تعبر عن جوهر الدستور.
خامساً:- اتسمت الآلية التي صيغت بموجبها النصوص المتعلقة بممارسة السلطة سواء على المستوى الاتحادي أو على العلاقة بين السلطة الاتحادية وسلطات الاقليم والمحافظات غير المنتمية الى اقليم، بحالة من التعقيد والتعارض في الاختصاصات، ونجد أن هناك يوميا ومنذ تطبيق الدستور اشكالات عديدة، تظهر بين مؤسسات السلطة في العراق.
سادسا:- إن منطق تسريع العملية الدستورية لا يمكن اتخاذه، كمبرر لعملية نقل السلطة السياسية في العراق. فكلاهما يمكن أن يتزعزع طالما استمرت عمليات الهجوم وطالما بقى العراقيون منقسمين بشكل حاد حول اكثر المسائل أساسية. والتي تتعلق بطبيعة دولتهم المستقبلية ونظام الحكم الذي سيحكمهم. والتي تشكل احدى المصادر الرئيسية للخلاف المتعلق بتوزيع المناصب السياسية والمواقع الادارية في الدولة بين هذه القوى السياسية الطائفية. وعليه فان الدولة العراقية التي يراد اعادة بنائها، ليست الا دولة طوائف مصيرها يبقى غامضا، هذا اذا أخذنا بعين الاعتبار ان من صاغ هذا الدستور احالوا اشد القضايا حساسية إلى ما بعد إقامة مؤسسات الدولة الدائمة، مما يجعل الباب مفتوحا أمام معضلات كبيرة سيؤثر تأجيل البت بها على مجمل عملية بناء المؤسسات الدستورية للدولة وإعادة الأعمار وتفعيل العملية الديمقراطية وغيرها من المهمات ،التي لا يمكن أن تستقيم بدونها الدولة ككيان سياسي وقانوني، ومن بينها اختفاء الولاء الوطني وإحلال الولاء الطائفي. فلا غرابة أن يكون الدستور الذي سيولد هذه الدولة يحمل نفس سماته.
كما أن مجرد التفكير في إجراء أي تعديل على الدستور، ليساهم في اخراج العراق في وضعه الحالي، هو بمثابة الاستحالة, لأن هذا الدستور ملائم جدا للواقع السياسي الحالي، أي لواقع الدولة بما يوفره للمكونات الطائفية والقومية المسيطرة على العملية السياسية من امتيازات ومصالح خاصة، والدليل على ذلك ، فشل لجنة التعديل في مجلس النواب في انجاز عملها، واعترافها بوجود عدد مهم من المسائل التي لم تستطيع إجراء أي تعديل فيها. نظراً لأن المشكلة الرئيسية في الدستور العراقي وان كتب بأيد عراقية الا انه اعتبر كمنحة من قبل المستعمر لمواطني البلد الخاضعين له، ولكونه منحة، فيعني ذلك ان صياغته تأتي بالشكل الذي يذهب الى تحقيق مصالح المستعمر (وتحقيق نواياه الاستراتيجية الدفينة) اكثر مما هو تحقيق لمصالح الشعوب الخاضعة، وبخلق شرعية لسلطة لا شرعية لها, وزرع بذور التمزق الوطني التي نمت وكبرت ونجني ثمارها دما ودموعا وما زلنا.
ان كتابة دستور عراقي وطني (بعيد عن تقسيم المكونات) بأيدي عراقية اكاديمية وحقوقية متخصصة بالقانون الدستوري ومهنية مستقلة, بوجهة قيام دولة مدنية ديمقراطية اتحادية تضمن حقوق المواطنة, بالمساواة امام القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية والحفاظ على السيادة والاستقلال الوطني, بعيدا عن الطائفية والعنصرية والاكراه والتعصب بعد ان ذاق العراقيين منه كاس الذل والهوان على مر السنيين السابقة, ان كتابة دستور جديد او تعديل الحالي يشكل مهمة وطنية كبرى ومطلب اساسي لا بد منه للتغيير واصلاح الوضع المتأزم ووضع العراق على السكة السليمة للتطور والازدهار, وهذه المهمة النبيلة تقع على عاتق الشعب العراقي وقواه السياسية الخيرة والمخلصة لتطوي هذه الصفحة السوداء من تاريخ العراق الحديث والى الابد. انتهى

المنبر الحر