المنبرالحر

استراتيجية ايران ازاء العراق (3) والأخير / فارس كريم فارس

إن العلاقة بين واشنطن وطهران خلال الفترة السابقة شديدة التعقيد ولعبة غامضة المعالم تارة وعلانية تارة أخرى، تتداخل معها تعقيدات الشرق الأوسط ومن الصعب معرفة ماديات الود المستتر بين البلدين الممسكان بشعرة معاوية وتظل قضية الملف النووي والعراق تحتلان الأولوية من اهتمام الطرفين وكلا الجانبين يوظف القضية العراقية للتأثير على الاخر لصالحه, اما بعد مجيء ترامب وتغير الادارة الامريكية التي لا تحمل الود الى ايران كما يبدو ظاهرا!!, سنرى ما يحدث, هل تتراجع ايران عن طموحاتها الاقليمية ولو مؤقتا امام الهجمة اللاحقة من طرف امريكا وحلفائها بالمنطقة او اختيار جانب التصعيد والمواجهة مما يسبب تعقيدات اكبر لإيران والمنطقة؟ ان الكثير من المحللين والعارفين بالشأن الايراني يتوقعون الحل الاول وحدوث تسويات ومساومات جديدة قد تنتظرها المنطقة قريبا بين الطرفين وحلفائهما!!.
أن المتابع للعلاقات الإيرانية الأمريكية يجد أن تعاوناً أمريكياً إيرانياً يحصل في كثير من الأوقات خصوصاً حين تتقاطع المصالح بل التجارب تؤكد بشكل كبير أن ما تقاطعت مصالح البلدين في قضية من القضايا إلا وكان التنسيق بينهما على أعلى المستويات وكان ذلك واضحاً في الحرب على أفغانستان وعلى العراق لهذا يمكن القول أن إيران نجحت حتى الآن في توظيف الورقة العراقية في إدارة شئونها الإقليمية والدولية، مما حدا بالكثير من القوى العربية والإقليمية للتعبير عن قلقها إزاء النفوذ الإيراني في العراق، ولم يكن غريباً أن تضطر الولايات المتحدة سابقا إلى القبول بالحوار مع إيران عدوها التقليدي في المنطقة للمساعدة في إدارة شؤون المنطقة.
ان سلوك الحكومة السابقة في تهميش السنة والأكراد وحلفائه الشيعة (الصدر، والمجلس) لم تعمل على إقلاق السنة وخصومه الأخريين فحسب بل عطلت الاستراتيجية الإيرانية لإدارة العراق هذه الاستراتيجية التي ترمي إلى تحقيق التوازن بين الفصائل الشيعية المختلفة حتى تكون للشيعة كتلة سياسية موحدة فضلاً على تقديم تنازلات لبعض فصائل السنة, التي لا تعوض هيمنة الشيعة (حسب التأويل الايراني للأحداث)، كما أن حراك السنة في سوريا وتهميشهم، شجع سنة العراق على استئناف النشاط من جديد (هذا اثناء الحكومة الثانية للمالكي) الأمر الذي لن يترك لإيران أي خيارات جيدة للتعامل مع التهديد المتزايد قرب حدودها، لذا لم يكن أمام إيران فرص كثيرة في إدارة الوضع السياسي في العراق لو أن البلاد تشهد موجة جديدة من الصراع الطائفي مما يقلل من نفوذ إيران ويجعله يتجه نحو الانحسار, ولهذا السبب تخلت ايران عن المالكي بسهولة كبيرة وبسرعة وخاصة بعد الهزيمة النكراء امام داعش, و(توافقت بذلك ايضا مع وجهة النظر الامريكية بشان (فشل المالكي) فتمت صفقة حكومة العبادي مع بعضهما, وكانت الاوضاع متهيئة لذلك داخليا ايضا), وحدث ما توقعته ايران كنتيجة لسياسات المالكي الخاطئة والمتشنجة والهوجاء, المغرقة بالفساد والتمزق, حيث اقتربت داعش والارهاب الى اقرب نقطة من حدودها بتهديدها العاصمة بغداد واحتلالها ثلث الاراضي العراقية والهروب الجماعي لقيادات الجيش (الذين اعتمدهم المالكي على اساس طائفي وليس مهني) وعشرات الالاف المقاتلين (مع ترك معدات بمليارات الدولارات) امام بضعة مئات من الارهابيين. ولو كان هناك قائد عام آخر لهذه القوات, لفضل الانتحار قبل التفكير بالاستقالة او الاعتزال عن العمل السياسي مدى الحياة!!!!!)
تعد كل من سوريا والعراق مجالاً ساخناً لصراع سعودي – إيراني، على النفوذ والهيمنة في الخليج العربي، إن السعودية وبالتعاون مع الأنظمة الخليجية الأخرى، شرعت بدعم الجماعات المتمردة بالسلاح والجهود الدبلوماسية لدعم المعارضين للأسد, الا ان بروز داعش وتحقيقه الانتصارات المتوالية وخاصة في العراق ولقربه من الحدود السعودية ودول الخليج, لم يرعبْ ايران فقط بل حتى السعودية وجميع دول الخليج العربي لذا فإن المملكة العربية السعودية سارعت وخاصة بعد تغيير المالكي الى مد اليد للحكومة الجديدة ومحاولة استرداد العلاقات الطبيعية مع العراق وخاصة بعد تخطيئ حكومة العبادي سابقتها بشان سلوكها مع دول الجوار العربي وتهميشها للشركاء داخليا وتصميمها بل ونجاحها في محاربة الارهاب والانتصار عليه في عدة مدن وما تخوضه حاليا القوات المسلحة العراقية من معارك شرسة مع ما تبقى من الارهابيين الدواعش في ايمن الموصل رغم صعوبتها, ان معركة تحرير الموصل لم تجعل من الاجماع بين مختلف الاطراف والقوى العراقية على ضرورة الوحدة وخوض معركة التحرير والانتصار فيها على قوى الظلام والارهاب بل ادت ايضا الى النجاح في جمع اطراف وقوى اقليمية ودولية رغم التنافر والاختلاف العقائدي والسياسي, او بالمصالح والنوايا بينها, الا انه جمعتها مع المصلحة الوطنية العراقية هدف استراتيجي واحد وواضح, وهو تدمير او التخلص من تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام –داعش-, الذي ارعب بانتصاراته المتتالية وسلوكه الوحشي حتى الذين صنعوه!!!!.
أما الصراع الإيراني مع تركيا على النفوذ في الشرق الأوسط والرغبة في التمدد الإقليمي أصبح قدراً مستمراً للعلاقات الإيرانية التركية، حيث أدى الاحتلال الأمريكي للعراق إلى نتيجة واضحة في التنافس التركي الإيراني، على اعتبار أن كل من أمريكا وإيران أصبحا الأقوى على الساحة العراقية وبعد الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية 2011، أصبحت إيران هي اللاعب الأقوى في العراق فزاد ذلك من حدة التنافس الإيراني التركي على الساحة العراقية بالإضافة إلى التنافس بنيهما في جمهوريات آسيا الوسطى والقلق التركي من أن يؤدي توصل إيران لصنع أسلحة نووية إلى حسم التنافس التاريخي بينهما لصالح إيران.
وفي ظل أوضاع سوريا والعراق واليمن تحاول السعودية وتركيا ومعهما الان بقوة اكبر امريكا ترامب من تخفيف قبضة إيران على هذه البلدان حيث يتعمق التعاون بين هذه الدول رغم اختلاف الأهداف والأساليب لكسر أو قطع الهلال الشيعي الذي تسعى إليه ايران والممتد من طهران إلى بيروت والتي سخر له النظام في ايران ماء قلبه كما يقال (اموال باهظة بالمليارات وامكانيات الدولة المادية والبشرية رغم الضائقة المالية والظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الشعب الايراني, وهذا الاستنزاف الهائل للموارد قد يكون ما ترغب به الصهيونية وامريكا). إن السعي في التأثير على معادلات النفوذ في العراق وسوريا واليمن تعني تقليصاً للنفوذ الإيراني وبطرق مختلفة ناعمة وتراكمية او على نحو تصادمي مباشر لو تطلب الامر, من ذلك يمكن القول أن الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط والرغبة في التمدد الإقليمي عمق التنافس بين ايران من جهة والسعودية وتركيا من جهة اخرى ودخول ترامب بسياسة جديدة تظهر ملامحها الاولية بالتشدد ازاء النظام في ايران, يجعل من الضروري للساسة الإيرانيين القيام بمراجعة سياساتهم ومجمل استراتيجياتهم وتكتيكاتهم في المنطقة والعراق بشكل خاص.
ان تفاخر بعض القادة الايرانيين بانهم نجحوا في نقل خط المواجهة والصد مع اعداء ايران الى الموصل وحلب لا ينم عن حكمة (كما هو معروف عن السياسيين في النظام الايراني عموما), لان ذلك يعني ان اهدار دماء العراقيين والسوريين والفوضى في بلدهم لا يعني شيء مهم بالنسبة للنظام الايراني, بل المهم هو مصلحة الامن القومي الايراني الذي يعني الحفاظ على سلطة الولي الفقيه تحديدا, وهذا بالتأكيد امر لا يقبل به الشعبين العراقي والسوري, حيث لماذا يكونوا ضحايا لأمن والحفاظ على سلطة لدولة اخرى, فالأحرى ان يتحمل النظام الايراني امن ايران هو بذاته وليس بدماء شعوب اخرى.
هذا من جانب ومن الجانب الاخر ان جعل العراق وسوريا او أي بلد اخر مصد وساحة مواجهة مع الاطراف المتنافسة الاخرى, يعني جعل هذه البلدان ضعيفة غير مستقرة وغير مستقلة, تكون تابعة للطرف الاقوى بالتأكيد, وهذا كله ليس في صالح الاستقرار والسلام في المنطقة, ان بقاء العراق ضعيف ومنقسم ومشتت على اسس عرقية وطائفية لا يعني سوى انتقال هذا الداء الى كل دول الجوار, ايران وتركيا والسعودية بالذات, واذا انتشر هذا الداء في هذه البلدان فليس من المرجح وجود دواء للتعافي من هذا الداء لمدى زمني طويل جدا حيث تغرق هذه البلدان بالفوضى والتمزق (لا سامح الله).
ان العراق القوي المتماسك الوطني المستقل الديمقراطي المسالم, الذي لا يعتدي ويتدخل بشؤون الجوار ولا يقبل تدخل الاخريين بشؤونه هو الحل الامثل لاستقرار وتعافي المنطقة من (الفوضى الخلاقة) التي صنعته النظم الرأسمالية والصهيونية في المنطقة, ان العراق القوي والمسالم والمستقل استراتيجيا هو لصالح الامن القومي الايراني وكذلك السعودي والتركي والاردني والكويتي والسوري, ان وجود نخبة وطنية عابرة للطائفية تحترم حقوق الانسان والمواطنة وتنشد للدمقراطية والعدالة الاجتماعية لقيادة العراق هو الحل الامثل لمصلحة الامن القومي العراقي والاقليمي وهو الدواء للداء الذي نتمنى ان لا يعم المنطقة بسياسات قصيرة النظر واستراتيجيات غير حكيمة سواء من قبل النظام في ايران او أنظمة دول الجوار الاخرى ازاء العراق. انتهى

المنبر الحر