المنبرالحر

استراتيجية السعودية و دول مجلس التعاون الخليجي ازاء العراق (1) / فارس كريم فارس

إن دراسة العلاقات العراقية- الخليجية تكتنفها العديد من الحساسية والتشعب نتيجة لطبيعتها المزدوجة التي تجمع بين عناصر التعاون وعناصر الصراع، فقبل غزو العراق للكويت في أغسطس 1990 امتازت العلاقات بين الطرفين بالانسجام والتناغم في المصالح المشتركة، إلا أنها أصيبت بالجمود والانقطاع بسبب الغزو، بالرغم أن مصالح الدول لا يمكنها أن تكون على الدوام متقاربة أو متباعدة مع الأطراف الأخرى، إذ يحدد ذلك طبيعة المناخ السياسي السائد، ناهيك عن العوامل الإقليمية والدولية التي قد تحجم أو تدعم العلاقات بين الطرفين.
أصبحت الأوضاع السياسية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، مثار اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي، وبدأت تظهر مواقف خليجية اتجاه المستجدات السياسية وكان أغلبها مواقف رسمية تؤكد على أهمية استقرار العراق واستقطابه خليجياً، والخشية من تسرب بذور التناحر العرقي والطائفي إلى داخل دول المجلس، خاصة بعد سيادة المحاصصة الطائفية والعرقية واستمرار نزيف الدم العراقي جراء العنف بمختلف أشكاله، فسادت الأجواء المترددة إزاء ظهور مجلس الحكم العراقي الانتقالي، حيث أبدت السعودية قلقها، إلا أنها عادت واعترفت به وبدوره ووجوده.
وهكذا فعلت البحرين والكويت والإمارات، وبعد أن أدت أول حكومة تشكلت بالعراق بعد الاحتلال الأمريكي في 9/4/2003، اليمين الدستورية أمام أعضاء مجلس الحكم العراقي الانتقالي أعربت معظم دول مجلس التعاون الخليجي ترحيبها بالحكومة العراقية الجديدة، ووصف هذا الموقف بأنه موقف "براجماتي" تعامل مع الحالة العراقية كأمر واقع، واعتبرت تشكيل الحكومة العراقية خطوة مهمة نحو تحقيق الوحدة والسيادة الوطنية للعراق. ويعتقد بعض الباحثين الخليجيين، إن سبب اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي بالوضع الداخلي للعراق ينبع من إدراكها أنه من الضروري مراقبة الوضع العراقي خوفاً من أنه قد تنعكس مستقبلاً أية أوضاع في العراق، سواء كانت سلباً أو إيجاباً على الأوضاع الداخلية فيها، أي أن استقرار العراق وازدهاره ينعكس إيجاباً والعكس، صحيح فإن تفشي الفوضى والطائفية والعشائرية وتمزق المجتمع العراقي ينعكس سلبياً على المنطقة العربية.
إلا أن بعض دول مجلس التعاون الخليجي، كالسعودية، أدركت مخاطر بعض القرارات التي اتخذتها سلطة الاحتلال الأمريكي منها تسريح الجيش العراقي، وربطت عدم الاستقرار في العراق بهذا القرار، حيث اعتبر سعود الفيصل، وزير الخارجية "أن تسريح الجيش العراقي في عام 2003 بعد سقوط النظام العراقي كان وراء الكثير من الصعوبات الحالية".
كما عبرت دول مجلس التعاون الخليجي عن خشيتها من إمكانية تقسيم العراق إلى دويلات موزعة في الشمال والجنوب والوسط العراقي، لا سيما يضم في نسيجه الاجتماعي مجاميع عرقية وطائفية مختلفة يمكن تأجيجها بوسائل مختلفة، ومن أبرز الدول التي نوهت إلى ذلك المملكة العربية السعودية واعتبرت تقسيم العراق يهدد أمن المملكة والدول المجاورة وكذلك قطر والكويت. لقد نظرت دول مجلس التعاون الخليجي إلى الكتل السياسية ذات الطبيعة الدينية ولها زعامات من الطائفة الشيعية وأصبح لديها مناصب مهمة في الحكومات العراقية ما بعد الاحتلال، وكانت هذه الحالة محط اهتمام الساسة الخليجيين، بسبب إدراكهم أن انتعاش الحياة السياسية في العراق وتوسيع دخول كتل شيعية فيها، سيحفز دول مجلس التعاون الخليجي خاصة المواطنين من الطائفة الشيعية، والتي تعيش حالة تتميز بالتهميش، لإعطائها دفعة جديدة للاهتمام، وتنظيم وجودها للدخول في الحياة السياسية كما حدث في العراق.
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لم تكن دول مجلس التعاون الخليجي تمارس دور المتفرج، بل أنها مارست دورين في آن واحد، الأول هو المشاركة بالدعم اللوجستي لتواجد القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها، وهناك عدة شواهد مهمة في هذا المجال، لعل أبرزها اعتبار أرض بعض دول مجلس التعاون الخليجي كقاعدة خلفية لقوات الاحتلال في العراق. أما الدور الثاني فهو دور المراقب للوضع العراقي، واحتمالات انعكاس التطورات السياسية في العراق على الوضع السياسي في دول المجلس، وخاصة بعد الارتباك الذي عاشته منطقة الخليج العربي، نتيجة لدخول العراق في حرب مع إيران، ثم تهديده الكويت، ثم احتلاله لها، ثم إخراجه منها، ثم وضعه تحت الحصار، وبعد ذلك التفتيش بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل، تم تهديد أمريكا بالحرب، ثم حربها له، واحتلاله، ساهم في عطب عجلة إنجاز المشروع الخليجي.
إن أبرز ما يؤثر على العلاقات العراقية- الخليجية: هو الوضع الإقليمي وبما أن أبرز لاعبين إقليميين يمكن أن يؤثرا في المنطقة هما إيران وتركيا، فإن الخليجيين يدركون أنه إذا سيطر أي منهما على المشهد السياسي العراقي، فإن توجهات الحكومات العراقية ستتأثر بذلك، وهو ما يؤثر بدوره على العلاقات العراقية- الخليجية. ولا شك في أن غياب العراق في معادلة توازن القوى الإقليمي أصاب هذا التوازن بالخلل، وجعله يرجح لمصلحة إيران وامتلاك إيران للتقنية النووية، سيوفر لها عنصراً إضافياً للهيمنة على منطقة الخليج العربي، إن تغيير المستوى الإقليمي لأمن الخليج العربي، تبعاً لذلك، حيث مع إزالة العراق، الذي كان يعد لفترة طويلة القوة الإقليمية الموازية لإيران، تزايدت المخاوف لدى الدول العربية الواقعة على الضفة الأخرى من الخليج العربي، من الهيمنة الإيرانية، وأصبحت الكيفية التي سوف يبني بها هيكل الأمن الإقليمي مصدر قلق حقيقي لهذه الدول.
تتدافع في منطقة الخليج العربي ثلاثة تصورات، ومن ثم مخططات لأمن الخليج العربي، إيران ترى على ان أمن الخليج من شأن دولها، وترفض الهيمنة الأمريكية أو أي قوة أخرى تنازعها السيطرة على المنطقة. وبينما ترفض دول الخليج العربي هيمنة أي قوة إقليمية (العراق وإيران سابقاً، وإيران حالياً) فإنها بالوقت نفسه لا تخفي خشيتها من التفرد الأمريكي بالمنطقة، وتحبذ التوصل إلى صيغة دولية للحفاظ على أمن الخليج العربي واستقراره، بمعنى أن تسهم فيه كل القوى الدولية المعنية، وفي كل الأحوال فإن الشك وعدم الثقة بين ضفتي الخليج العربي يمثلان مشكلة خطيرة بالنسبة للطرفين، الإيراني والعربي، كما أن العداء الأمريكي- الإيراني يعوق أي دمج لإيران في بنية أمنية مستقبلية لمنطقة الخليج العربي.
أما العراق (خلال الحكومة السابقة خاصة) يشكل خطراً جدياً لدول مجلس التعاون الخليجي من ثلاثة مصادر: المصدر الأول: كونه دولة فاشلة أو آيلة إلى الفشل Failed state. ومصدر الخطر الثاني: هو ما شهده العراق من فرز طائفي ومذهبي بين السنة والشيعة وانعكاساته على المجتمعات في دول مجلس التعاون والدول العربية الأخرى. أما الخطر الثالث فهو أن العراق اصبح ملهماً وحاضناً لعناصر الإرهاب والتطرف، مثل تنظيم القاعدة والتنظيمات المتأثرة بطروحاته وداعش لاحقا (حيث ارعب سيطرة داعش على مدن عراقية، السعودية والكويت ودول الخليج الاخرى لاقترابه من حدودها)، التي لا شك انها تهدد دول المجلس ومصالحها ايضا، بسبب اصطفاف هذه الدول إلى جانب القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وان داعش ونظام دولة الخلافة، تعتبر نفسها بديلا لهذه الانظمة.
وتبدو دول مجلس التعاون في حالة "لا توازن" فمن جهة لا تؤيد في المجمل الوجود الأمريكي في العراق، وهي في الوقت نفسه كانت لا تؤيد الانسحاب الأمريكي العسكري الفوري من العراق لأنه سوف يؤدي إلى تشظيه أكثر، مما سيهدد أمن المنطقة واستقرار دولها بشكل أكبر، وهي من جهة ثالثة لا تؤيد انفتاح واشنطن على إيران، لأن ذلك يعني المزيد من التنازلات الأمريكية لطهران على حساب دول المنطقة، مما يعطي طهران هامشاً أكبر ويرفع الحصار عنها، الأمر الذي يكسبها المزيد من الثقة والجرأة للتدخل أكثر في شئون دول مجلس التعاون، ما سينعكس سلباً على استقرار تلك الدول، خصوصاً مع ازدياد الفرز الطائفي في العراق وظهور شبهات حول الدور الإيراني في دعم ظاهرة التشيع في المنطقة، إن المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، تشعر بالقلق من تزايد التدخل الإيراني في العراق، وتزايدت المخاوف بشكل اكبر بعد الانسحاب الامريكي من العراقي والسلوك الطائفي وغير الودي لحكومة المالكي في ولايته الثانية بالخصوص، ولذلك وبوجود هكذا تصور واستنتاج ازاء الوضع العراقي حينئذ، لم تقف الحكومة السعودية موقف المتفرج، حيث تم دعم الحركات والتجمعات المعارضة لحكومة المالكي، مما وفر عوامل واجواء اضافية لتصاعد حدة الصراع السعودي الإيراني والحرب بالوكالة داخل الساحة العراقية.
إن ما يؤخذ على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مجتمعة هو عدم القدرة على اتخاذ سياسات سليمة وبصورة فعالة في المشهد العراقي، مما منعها من لعب دور استراتيجي مهم موازٍ للثقل الاقتصادي لها وخاصة أنها الأكثر تأثراً بما يجري في العراق، بالوقت الذي استطاعت به إيران أن تلعب دوراً مؤثراً في مجريات الأمور وخواتيمها، مستخدمة العراق كورقة قوة تستقوي بها في ملفاتها الأخرى، وخصوصاً ملفها النووي، وتحققت مخاوف دول المجلس بعد أن تم التوصل إلى "صفقة كبرى" بين واشنطن وطهران بشان ملفها النووي، وتواصل القلق من ان تقر واشنطن لطهران، ولو على مضض بدور لإيران في المنطقة يرضى طموحها كونها القوة الاقليمية الاولى بالمنطقة، واخيرا كاد يتحقق ذلك لولا النتائج المفاجأة بانتخاب ترامب كرئيس جديد للولايات المتحدة وطروحاته غير الودية مع أيران اثناء حملته الانتخابية!!!.
إن تحول العراق من دولة كانت تُعرف بأنها ذات حكم عربي سني إلى دولة تسيطر فيها الاحزاب الاسلامية الشيعية التي لها روابط متينة مع طهران، على أدوات السلطة وما يترتب على ذلك من استقطاب الهويات المجتمعية والولوج لصراع طائفي في العراق، دفع المراقبين إلى افتراض بدايات لحرب أهلية أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط، يصارع فيها الشيعة على السلطة، ليس فقط في العراق بل في دول الخليج العربية ولبنان، والسعودية لم تكن تخفي قلقها بشأن السيناريوهات المحتملة وخاصة بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، حيث أعلنت صراحة، أنه في حال حصول أي صراع على السلطة بين السنة والشيعة، ستقوم بدعم المجتمع السني، لما لذلك من أثر كبير وحقيقي وتحولي على دول الخليج العربي، أما الاتجاه الثاني للتأثير فيتمثل في الحرب بالوكالة، تندلق في شكل مواجهة أوسع نطاقاً بين أمريكاً وإيران في الخليج، وعملياً استطاعت إيران أن تنجح في العراق عبر دعم احزاب الاسلام السياسي الشيعة خاصة، كما يمكنها أن تسبب زعزعة في استقرار لبنان، وتصعيد المشكلات الخطيرة في أفغانستان وكذلك التأثير في الأحداث في فلسطين واليمن ودورها الكبير والمؤثر في سوريا، وبذلك يمكنها من التأثير في السياسة الأمريكية إزاء دورها في المنطقة وبقاء ملفها النووي على الطاولة بالرغم من التسوية والاتفاق الاخير حوله.
إن تداعيات الصراع السني- الشيعي على منطقة الخليج يمكن أن تكون عميقة الأثر، وبينما يبدو التقسيم على الخريطة واضحاً بوجود إيران الشيعية في الجانب الشرقي من الخليج والدول السنية على الجانب الغربي منه، فإن الواقع أكثر تعقيداً. ففي دول الخليج العربية، ولا سيما الكويت والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين يوجد أعداد كبيرة من الشيعة (وفي البحرين يشكلون أغلبية واضحة) ومع وجود "القوس الشيعي" الممتد من لبنان إلى باكستان، فإنه يمكن القول أن الشيعة في الخليج يمثلون الغلبة بشكل واضح، وبتعزيز نظام "شيعي" في بغداد يؤدي دور المحفز بالنسبة إلى المجتمعات العربية الشيعية الأخرى، إلا أن كل ذلك لا يمكن تصور حدوثه بسهولة، فيجب الأخذ بنظر الاعتبار "ردود الأفعال" التي تصدر- أو صدرت أو من المحتمل أن تصدر- من الأنظمة الخليجية للحفاظ على نفسها والتكيف مع البيئة الجديدة التي توجد فيها.
ومن الواضح أن ثمة عناصر من سيناريو "الهلال الشيعي" تنطوي على جاذبية، وفي الحقيقة فإن الأفكار التي تحاول إعادة تحديد أراضي منطقة الشرق الأوسط، بعد قرن تقريباً من تحديدها في أثر الحرب العالمية الأولى، لا تلقي حماسة شديدة (الا من قبل البعض الذي قرأ الرسالة بمبالغة مفرطة!!!) ويبدو ذلك غير واقعي في ظل موازيين القوى الحالية، وبرغم ذلك فهل من الممكن حقيقة أن يكون هناك إعادة لرسم النظام الإقليمي- إذا لم تكن إعادة لرسم الخريطة- بحيث يشهد صعود جمهورية عربية شيعية أو "جمهورية كردستان" أو بروز "دولة سنيستان" (بمعنى تشكيل دولة سنية يتولى الحكم فيها نظام إسلامي يناقض الأنظمة الراهنة)، يمكنها أن تتحدى هيمنة الأسر الحاكمة في دول الخليج العربية؟؟ انه امر مشكوك به الى درجة كبيرة في المرحلة الحالية، إن تمزيق العراق، تعد في نظر الكثيرين في الخليج المصدر الرئيسي للقلق في المستقبل، أن السلطة السياسية في العراق قد آلت بشكل فوضوي إلى أطراف محلية نافذة وقوية تبحث عن راع قوي، وبالنسبة للأحزاب الطائفية الشيعية، يكون هذا الراعي هو إيران، ولهذا السبب، ونظراً للتاريخ الطويل من التفاعل الاجتماعي والثقافي والديني والاقتصادي بين إيران والعراق، فليس من الخطأ الآن وصف إيران بأنها أكثر القوى تأثيراً في العراق.
إن هذه الحقيقة والتطورات الإقليمية الأخرى مثل زيادة دور جماعات المقاومة مثل حزب الله وحماس في كل من لبنان وفلسطين، والتطورات في سوريا واليمن، قد أدى إلى زيادة وقوة نفوذ إيران في المنطقة، وقد أدركت المملكة العربية السعودية هذه التغيرات والتطورات، الأمر الذي يتطلب منها (كما تعتقد) بذل المزيد من الجهد من أجل بسط نفوذها في المنطقة، ولإيجاد حالة من التوازن تجاه إيران، ويعتبر الوضع في العراق المحور الأول في الصراع بين اللاعبين الأساسيين في المنطقة السعودية وإيران بالإضافة إلى تركيا وبعد خروج العراق منكسراً من دائرة الصراع، وعموماً بعد احتلال العراق عام 2003 ووصول التطورات الاستراتيجية وموازنة القوى الاقليمية إلى مرحلة أزعجت المملكة السعودية (حيث خرجت من المولد بدون حمص، سياسيا واقتصاديا.....) لأنه أدى إلى تغيير في القوى الاستراتيجية التقليدية لصالح غيرها (ايران خاصة) في المنطقة. يتبع>>>>>

المنبر الحر