المنبرالحر

العراق بلد النفط .. والبطالة والفقر / عادل عبد الزهرة شبيب

يتميز العراق بغناه بثرواته الطبيعية المتنوعة , الا أن هذه الثروات غير مستغلة بالشكل الأمثل وبالشكل الذي يحقق المستوى المعيشي الجيد على الأقل ان لم يكن تحقيق الرفاهية الاقتصادية لشعبه, وكل ذلك يعود الى سوء ادارة شؤون البلاد من قبل المتنفذين وعدم قدرتهم على حل مشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية والى نظام المحاصصة المقيت . ولكون السلطة قائمة على نظام المحاصصة الطائفية- الاثنية فقد عجزت عن ايجاد الحلول الناجحة لمشاكل البلاد وهي كثيرة ما ادى الى اتساعها وتعمقها وتحولها الى ازمة لنظام الحكم تجلت مظاهرها في غياب الرؤى والاستراتيجيات القريبة والبعيدة وفي الخلل الكبير في تطبيق مبدا الشخص المناسب في المكان المناسب وما يترتب على ذلك من استبعاد العناصر الكفوءة المخلصة والوطنية وفي تفشي الفساد والبيروقراطية والترهل في اجهزة الدولة والى شللها. ومن الظواهر الاقتصادية التي يمكن تلمسها في العراق بشكل واضح ظاهرة البطالة. فالعاطل عن العمل هو كل شخص قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ولكن دون جدوى. وتعني ظاهرة البطالة العجز عن ايجاد فرص عمل مناسبة للحصول على دخل ذي مستوى معيشي لائق , فلكل شخص الحق في العمل وحرية اختياره كما ان له حق الحماية من البطالة. فالعمل ليس فقط لزيادة الانتاج وتحسين نوعيته , بل هو حق من حقوق الانسان وتلبية لحاجة من حاجاته الأساسية.
في تقرير اعدته الامم المتحدة بالاشتراك مع البنك الدولي صدر في ايلول 2003 أن 50في المائة من قوة العمل العراقية عاطلون او لا يجدون عملا ثابتا. وقد تعرضت البنى التحتية للتدمير الى جانب الاثار السلبية للحصار المفروض عليه والذي ادى الى ارتفاع نسبة البطالة كثيرا وجاءت سلطة الاحتلال في العام 2003 لتزيد الفوضى ولتزيد من نسبة البطالة حيث ساهم الوضع الامني غير المستقر وتواصل عمليات السلب والنهب والسطو المسلح وتدمير البنى التحتية وخاصة الكهرباء الى ايقاف الاعمال سواء في القطاع العام او في القطاع الخاص. ويشير وجود البطالة وارتفاع نسبتها في العراق الى وجود خلل اقتصادي واجتماعي وفني كبير واستمرارها وعدم معالجة ذلك يشير الى خلل اكبر في السياسة المعتمدة من قبل الدولة.
ان تقارير وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في نهاية عام 2007 تشير الى تركز البطالة بين شريحة الشباب الذين تقل اعمارهم عن 30 سنة كما توجد بطالة مقنعة بنسبة كبيرة اضافة الى تشغيل الاطفال بشروط مجحفة للعمل وبأجور زهيدة بعيدا عن رقابة السلطة وتدخلها .
أسباب ظاهرة البطالة في العراق :
يمكن تشخيص عدة أسباب لهذه الظاهرة الخطيرة :
1. كانت الحروب التي خاضها النظام المقبور منذ ثمانينات القرن الماضي وما تبعها من حصار اقتصادي دولي شامل قد اثرت على عجلة الاقتصاد الوطني وتدمير البنى التحتية للبلاد، و ساهمت في ارتفاع نسبة البطالة وتدني مستوى الانتاج والتنمية الى ادنى مستوى وتوجيه الدخل القومي نحو متطلبات الحروب .وادى الى تراجع القطاع العام على التوظيف وضعف القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي ما ادى الى ان يكون معدل البطالة تراكميا .
2. الاحتلال الامريكي للعراق في العام 2003 وما رافقه من تدمير ونهب وحرق لمؤسسات الدولة وخراب البنية التحتية وخاصة المؤسسات الصناعية حيث توقفت العديد من الشركات الصناعية الحكومية عن العمل تماما وكان يعمل فيها المئات من العمال العراقيين .
3. حل الجيش العراقي والمؤسسات الامنية المختلفة ووزارة الاعلام من قبل سلطة الاحتلال اسهم في زيادة عدد العاطلين عن العمل حيث بلغ عدد هؤلاء بحدود المليون شخص .
4. كان للتهجير الطائفي الذي شهدته الساحة العراقية حيث تركوا اعمالهم ومزارعهم والذين يقدر عددهم بأكثر من 4 ملايين مواطن دور في ارتفاع معدلات البطالة في العراق .
5. فشل الأجهزة الحكومية في ايجاد فرص العمل للقادرين عليه من الخريجين وحملة الشهادات وكان لها نتائج سلبية في ظهور البطالة المقنعة في القطاع العام .
6. نظام المحاصصة الطائفية – الاثنية المعمول به من قبل السلطة الحاكمة اثر سلبيا على قوة العمل حيث ادى الى زيادة عدد العاطلين عن العمل واستفحال ازمة البطالة .
7. اثرت زيادة عدد السكان في العراق وتراجع التخطيط وتدني ربط المؤسسات التعليمية بسوق العمل وعدم قدرة القطاع الخاص على استيعاب البطالة الى رفع معدلات البطالة في ظل عدم قدرة الدولة على معالجة البطالة والحد منها .
8. سيادة قطاع الخدمات الهامشية في مكونات النشاط الاقتصادي, فالاقتصاد العراقي ( عدا القطاع النفطي ) اقرب ما يكون الى الاقتصاد الخدمي ولهذا تأثيرات سلبية على تكوين سوق العمل العراقية والقدرة على التوظيف والاستخدام المنتج .
9. تفشي ظاهرة الفساد المالي والاداري في معظم مؤسسات الدولة أدى الى ضياع فرص التنمية وتقليص فرص العمل , ولها الاثر في عدم ضمان وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ما ادى الى الهدر بسبب سوء الاداء .
10. تدهور الوضع الامني واحتلال داعش ثلث الاراضي العراقية، اثر ذلك في هجرة الاف الايدي العاملة الى المناطق الامنة وفقدانهم أعمالهم والتحاقهم بجيش العاطلين ليزيدوا عدده .
11. عدم توفر التسهيلات القانونية والائتمانية الكافية للقطاع الخاص الى جانب الوضع الامني الذي اعاق تدفق الاستثمارات الاجنبية الى العراق لإعادة بناء بنيته التحتية واقامة المشاريع ما ادى الى تراجع النمو .
12. عدم وضوح السياسة المالية والنقدية التي تحفز الانتاج والانتاجية وترفع من مستوى النمو الاقتصادي وتشجع القطاع الخاص الذي يسهم في استحداث فرص عمل جديدة .
13. الخلل في السياسة الاقتصادية عموما وانعكاسها في استمرار ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وما ينجم عنه من ظروف معيشية شاقة لقطاعات واسعة من ابناء شعبنا.
لا تزال البطالة تمثل احد التحديات الكبيرة التي تواجه عملية التنمية في العراق , حيث تتزايد اعدادهم وخاصة بين الشباب كما يعاني ربع سكان العراق من الفقر الشديد.
آثار البطالة :
1. تسهم البطالة في زيادة نسبة الجرائم وزيادة الهجرة غير الشرعية الى خارج البلاد .
2. الشعور باليأس والاقبال على الانتحار بسبب عدم قدرة العاطل عن العمل على اعالة اسرته .
3. قد تؤدي الى الارتماء في احضان الارهابيين والتأثير السلبي على السلام والاستقرار.
4. انحراف الشباب عن الطريق الصحيح وذلك لوجود وقت فراغ كبير وعدم توفر الوظيفة وقد تؤدي الى ادمان المخدرات والجريمة .
5. تهميش جزء مهم من قوة العمل وهذا يعتبر تبديدا لأحد مصادر الثروة في العراق.
6. تؤدي الى تدهور مستوى معيشة الفرد العراقي وبالتالي تفاقم ظاهرة الفقر في العراق .
7. تؤدي البطالة الى زيادة عدد المتسربين من الدراسة وارتفاع نسبة الامية .
8. تؤدي البطالة وخاصة بين الخريجين واصحاب المؤهلات العالية الى هجرة العديد منهم الى خارج البلاد بحثا عن فرص العمل وهذا يعد تبديدا للكفاءات الوطنية العراقية .
معالجة مشكلة البطالة :
ان تفاقم مشكلة البطالة في العراق يفترض بأصحاب القرار من المتنفذين أن يضعوا المعالجات الجذرية لحلها ولكن هذه المعالجات غائبة اليوم وهذا ما دفع بالشباب والفئات الاخرى من المجتمع من العاطلين عن العمل والذين يعانون ضنك العيش والفقر الى المشاركة بالحراك الجماهيري في بغداد ومحافظات العراق المختلفة مطالبين بالإصلاح وتوفير فرص العمل وتحقيق المساواة , الا أن مطالبهم السلمية التي يجيزها الدستور العراقي قد قوبلت من قبل السلطة الحاكمة مع الاسف الشديد بالرصاص الحي والغاز المسيل للدموع وبالهراوات .
1. تأهيل البنى التحتية وحل مشكلة الكهرباء وتحديث شبكة الطرق وتوسيعها .
2. فرض الأمن والاستقرار وتحرير كافة الاراضي المحتلة من داعش واعادة المهجرين الى مناطقهم بعد اعمارها وتأهيلها .
3. دعم القطاع الخاص وتفعيل القطاع التعاوني والمختلط .
4. تطوير القطاع الصناعي واستخدام التقنية الحديثة والتكنولوجيا المتطورة والتي تمكن من اقامة المزيد من المشاريع الصناعية التي تمتص الايدي العاملة العاطلة عن العمل .
5. تطوير القطاع الزراعي واستخدام التقنية الحديثة في الانتاج مما يساعد على زيادة الانتاج الزراعي وتشجيع الهجرة المعاكسة من المدن الى الريف .
6. تطوير قطاع السياحة وخاصة الدينية والاثارية والوصول الى المستويات العالمية مع توفير فرص التدريب السياحي حيث يمكن لهذا القطاع الحيوي امتصاص المزيد من الايدي العاملة العاطلة عن العمل .
7. توفير الدورات التدريبية في داخل العراق وخارجه لتطوير مهارات الايدي العاملة العراقية باستخدام احدث الوسائل التكنولوجية والادارية , الى جانب استحداث كليات ومعاهد التعليم العالي المتخصصة لخلق مهارات عالية على المستوى التقني والتعليمي .
8. الاستعانة بتجارب الدول المختلفة بما ينسجم مع ظروفنا وواقعنا .
9. اصدار القوانين والانظمة الادارية الداعمة للطبقة العاملة والعمل على الغاء القرار 150 لسنة 1987 السيئ الصيت والقاضي بتحويل الطبقة العاملة الى موظفين.
10. استخدام العوائد النفطية في اطلاق عملية تنمية حقيقية تخلق فرص عمل منتجة في القطاعين العام والخاص .
11. العمل على جذب الاستثمار الاجنبي بعد توفير الاجواء الطبيعية المستقرة بعيدا عن النشاطات العنفية والارهابية والتعقيدات القانونية والادارية ومظاهر الفساد الصارخة ,على ان ينظر إلى لاستثمار الاجنبي باعتباره عاملا مساعدا لتنمية الاقتصاد وليس عنصرا محددا لاتجاهات تطوره .
12. مكافحة الفساد المالي والاداري الذي يعتبر احد معوقات التنمية الاقتصادية ونهب المال العام .
ان السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة بعد العام 2003 لم تحقق حتى الان نجاحا على طريق معالجة البطالة ومكافحة الفقر وتضييق شقة التفاوت الاجتماعي وتغيير الصفة الاحادية للاقتصاد العراقي وزيادة مساهمة الصناعة الوطنية والزراعة والقطاعات السلعية في توليد الناتج المحلي الاجمالي .

المنبر الحر