المنبرالحر

انتفاضة آذار.. التحدي الكبير / خالد العبيدي

اكثر من ربع قرن مضى ولا يزال العراقيون كلما ضاقت بهم الدنيا واغلقت بوجوههم سبل الحياة يستذكرون انتفاضتهم التي انطلقت في آذار عام 1991، والتي كان لها معنى واهداف متميزة اتسعت بنقاوتها ومصداقيتها وشجاعة وبسالة رجالاتها وايمانهم بعدالة قضيتهم وتوجهاتهم لتحقيق رغبات وتطلعات شعبهم وتخليصه من الظلم والعذاب الذي عاشه في ظل نظام متوحش لا يرتوي من شرب الدماء وقتل الابرياء، وسار على نهج اسلافه من الفاشيست والنازيين. يعشق الحروب التي لا تنتهي الا بنهاية ودمار بلدانها وتطاير وتناثر اشلاء ابنائها وان كل الذي حدث من خراب وتعطيل لمفاصل الحياة تتحمله الولايات المتحدة الامريكية التي جاءت به ونصبته وصيا على عرش العراق واطلقت له العنان لفرض هيمنته وسيطرته بقوة الحديد والنار ذلك هو الضفدع الذي اراد ان يصبح فيلا بعد ان كان متسولا يذرع الشوارع عرضا وطولا ولم تشعر ربيبته التي ارضعته من ثديها حليبها المسموم الا بعد ان خرج من مسار الطريق الذي كان يفترض به ان يسير عليه فهي والحق يقال انتفاضة ولو انها لم تتوقف ولم يكتب لها النجاح الا انها كانت المسمار الذي دق في نعش النظام وجعله يفقد توازنه وتلحق الخوف والقلق اجهزته. انها انتفاضة وطنية شعبية بكل ما للكلمة من معنى ولا احد يشك بنظافتها ونزاهتها وسلامة اهدافها وهي صرخة عراقية عبرت عن الرفض والغضب والامتعاض نتيجة للجرائم التي ارتكبها النظام وفيها الحروب التي ازهقت كاهل الشعب وضيعت كل الفرص امام تقدمه وتطوره ورخائه وهو البلد الغني الذي يطفو على بحر من النفط ويمتلك الكثير من مصادر النعم والثروات ما يعجز اللسان عن وصفه وعدها ولكن رعونة هذا النظام وعنجهيته اضاع الكثير من الفرص وبدد احلام وتطلعات العراقيين في العيش بحرية وامان. وبحكم تعاطف وتأييد الجماهير للانتفاضة ورغبتهم بالتخلص من هذا النظام تمكن الثوار من اسقاط 14 محافظة كان يعتقد رئيس النظام انها عصية على الثوار ولكن الذي حدث خيب ظنه وطار صوابه وجعلته هذه الانتصارات اشبه بالمجنون ولم يعد امامه الا الارتماء باحضان اسياده والامتثال لاوامرهم وتنفيذ رغباتهم مما جعل الثوار واثقين من نجاح الانتفاضة واحتضانها من قبل الفقراء والمسحوقين هو الانهيار الذي اصاب الجيش العراقي اثناء المعارك التي اجبر على خوضها مع قوات التحالف الدولي والتي خرج منها مكسور الجناحين بعد طرده وخروجه من الكويت. وهنا شعرت الولايات المتحدة الامريكية بخطورة الموقف والخوف على مصالحها ليس فقط الموجودة في العراق بل في المنطقة عموما فوجدت نفسها امام خيارين هل تسمح للثوار باسقاط النظام وهم الذين يختلفون معها فكرا واسلوبا ويعارضون تواجدها على ارض العراق ام تمنح رئيس النظام فرصة لتصفية معارضيه وتحجيم قدراتهم وانهاء انتفاضتهم والبقاء في الحكم فوجدت نفسها منحازة الى الخيار الاخير فاعطته ما تستطيع اعطاءه من الدعم والتأييد شريطة ان لا يتصرف هذه المرة على هواه وان يمتثل لاوامرها ويلبي جميع قراراتها وطلباتها وهكذا سار الماء من تحت الروازين.
ولم يجد افضل من صهره المجرم حسين كامل وابن عمه علي حسين المجيد فاوكل لهم مهمة القضاء على الانتفاضة وقتل القائمين بها وبدأت العمليات تجري بعلم وتوجيه الامريكان انفسهم واستعاد النظام المحافظات واحدة بعد الاخرى وخاصة محافظتي النجف الاشرف وكربلاء المقدسة، اللتين كانتا مركز تواجد الثوار وهنا لا بد من الاشارة الى ان نجاح الانتفاضة كان يعتمد على تواجد قادتها مع الثوار وفتح المجال امام القوى الوطنية والديمقراطية التي كانت هي الاخرى من ضحايا النظام بالمشاركة ومد جسور التنسيق والتعاون معهم وعدم طرح الشعارات الطائفية التي كانت وراء هذا الاخفاق والانفتاح على الجميع لكي يؤدي كل طرف دوره الوطني في دعم الانتفاضة وتوفير كل المستجدات لانجاحها ولكن الذي حصل كان مخيبا للآمال وربما يعود السبب بالدرجة الاولى الى قلة الخبرة وضعف التجربة وعدم وجود اسناد عسكري يعطي البلسم الذي يشفي الجروح ولو كانت هذه الامور متواجدة لما فشلت الانتفاضة وضاع الخيط والعصفور.
انها تجربة من الممكن الاستفادة من اخفاقاتها والاخطاء التي حصلت من خلالها لان البلد يحتاج الى انتفاضة جديدة تضع حدا للفساد والمحاصصة والتوجه الى بناء دولة مؤسساتية تتوفر فيها الحقوق والعدالة الاجتماعية وتنهي والى الابد المنافع والمصالح الفئوية والنفعية وتحقق الامن والاستقرار، دولة لا مكان فيها للارهاب ولكن هذه المرة ليس بالسلاح وانما بالطرق الديمقراطية والضغط الجماهيري وعن طريق الانتخابات البرلمانية التي تعطي لكل ذي حق حقه.
فالف تحية حب واكبار لرجال الانتفاضة الشجعان الاحياء منهم والاموات
والمجد والفخر والاعتزاز لجميع الشهداء المدافعين عن العراق.

المنبر الحر