المنبرالحر

استراتيجية اسرائيل ازاء العراق (1) / فارس كريم فارس

اتبعت إسرائيل على الدوام استراتيجية مستقبلية الاهداف ومرنة الوسائل ومتغيرة الأشكال وثابتة الغايات، تصب كلها في اطار اضعاف الدول العربية مقابل ضمان الامن والقوة الإسرائيلية. فإثارة الفتن وتضخيم الأحداث وبث الافكار والعقائد المشوهة داخل المجتمعات العربية أو الالتفاف حول القيادات السياسية وعقد التحالفات السرية والعلنية والمشاركة في المؤتمرات الاقليمية والدولية، كلها تصب في اطار مخطط صهيوني – إسرائيلي مستقبلي يهدف إلى إخضاع المنطقة العربية للإرادة الإسرائيلية والغاء فكرة الوحدة العربية أو الأمة العربية على الصعيد الفكري والعملي.
وشهدت البيئة الاستراتيجية لإسرائيل خلال العقد الاخير من القرن العشرين تحولات جذرية ايجابية بالنسبة لها، تمثلت في التحول البنيوي الذي ارتبط بانتهاء الحرب الباردة ليوفر فرصاً استراتيجية لإسرائيل تدعم موقفها في المنطقة مقابل تراجع الموقف الاستراتيجي للدول العربية لافتقادها الحليف الاستراتيجي، مما حتم عليها – أي الدول العربية- اعادة صياغة سياستها الخارجية تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية، وبالمقابل تحسن الوضع الاستراتيجي الإسرائيلي خاصة مع تولي الولايات المتحدة الأمريكية دوراً مهيمناً في منطقة الشرق الأوسط.
وازدادت الفرص المتاحة للاستغلال امام المفكرين الإسرائيليين في المنطقة منذ بداية حرب الخليج الأولى ومروراً بغزو العراق للكويت وحرب الخليج الثانية وصولاً إلى احتلال العراق بشكل مباشر في نيسان / ابريل عام (2003) م من قبل الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الرئيس لإسرائيل في المنطقة والعالم. وعلى الرغم من ان المخطط الصهيوني الإسرائيلي في السيطرة على العالم والتحكم بقراراته يرجع إلى بدايات الحركة الصهيونية، الا ان مفهوم الامن الصهيوني والإسرائيلي لا يقف عند حدود معينة بل يتطور باستمرار وتزداد ابعاده وأهدافه وأشكاله في كل مرحلة زمنية على وفق استراتيجية مرحلية مرنة بعيدة المدى.
عمدت اسرائيل على الدوام إلى توظيف تغير الظروف والعوامل الاقليمية والدولية لتغير من بعض مظاهر استراتيجياتها وخطوط تفاوضها محتفظة بأسسها ومبادئها دون تغيير، فاستغلت انكشاف الدول العربية استراتيجياً وفقدانها هامش الحركة وانشغالها بمجموعة شائكة من القضايا (الداخلية والخارجية)، كأرتهان الامن القومي العربي بوجود القوات الاجنبية في اراضيها وزيادة التناقضات العربية البينية.
وتتمثل الاستراتيجية الإسرائيلية لتحقيق الغايات والأهداف على المدى الطويل في مخططين وهي:
أولا: مخطط شد الأطراف (حلف الضواحي):- ويقوم على استغلال طرف لعدد من العناصر تتجاوز التصور التقليدي لتقدير قوة الخصم فتخلق هذه العناصر من الطرف المستخدم امكانية إضعاف الطرف الاخر في الصراع، وهو جزء من شمولية التحرك في المواجهة الاستراتيجية من خلال إضعاف قدرة الدولة على المقاومة عبر اللجوء إلى خلق الجيوب حول امتداداتها الاقليمية، وتشجيع تلك الجيوب أو الكيانات الضعيفة في حقيقتها للتطاول على ذلك الجسد وإضعاف قدرته على المقاومة، وإشغال الطرف المستهدف في ميادين ضعيفة تؤدي إلى تفتيت امكانيات الدولة وتعميق العداءات ومنع الاطراف من حماية القلب تمهيداً للنيل منه بإصابة مباشرة.
وهذا المبدأ هو المحور الحقيقي للاستراتيجية الإسرائيلية الشاملة التي تعبر عن منطق التعامل الاقليمي من خلال اعادة تفكيك الاقطار على وفق اعتبارات عرقية وطائفية مستغلة التركيبة الاجتماعية للدول العربية.
ويظهر من خلال الاتجاه الإسرائيلي نحو تفعيل دور القوى الاقليمية غير العربية المحيطة بالوطن العربي، التهديد الواضح للأمن القومي العربي عبر أولا شد الاطراف وإثارة الخلافات الداخلية، ورصد التحركات المختلفة للدول العربية لانتهاز فرص استغلالها لنقاط الضعف العربية، وتأمين الدفاع في حالات الخطر الكامنة أو القائمة فعلاً.
ثانيا: فيتمثل بمخطط تجزئة التجزئة (التفتيت الاستراتيجي): يهدف هذا المخطط إلى تكريس حالة التجزئة الحالية للوطن العربي وتعميقها نحو مزيد من التفتيت لتصبح الدول العربية دويلات صغيرة مقسمة على اسس عرقية وطائفية ومذهبية، من خلال استغلال مشكلة الاقليات والدعوة إلى الانفصال واثارة الخلافات الطائفية ليسهل اختراق الدول العربية وتقسيمها.
وتعبر طروحات القادة والمخططين الإسرائيليين ومشاريعهم عن حقيقة الاهداف البعيدة المدى وطبيعة الاستراتيجية المناسبة لتحقيقها، فلكل من هذه المخططات مراحل وحلقات متلاحقة، ولكل طرف دوره المحدد في الاطار العام للاستراتيجية الإسرائيلية.
فمصدر القلق الفعلي لإسرائيل هو الفعل العربي المشترك – ولو في حدوده الدنيا – مما يجعل من التفتيت والتجزئة استراتيجيات ثابتة في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي المستقبلي، فمخطط تقسيم الدول العربية بأكملها إلى دويلات صغيرة قائمة على انقاض الدول العربية بحدودها الراهنة ليست جديدة أو طارئة على التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، فهي تبرز بقوة في ظروف مواتية تبدو فيها قابلة للتحقيق، وما تلبث ان تتراجع في ظروف مختلفة عن سابقاتها فيبدو تحقيقها مؤجلاً أو مستحيلاً، وان خطة التوسع في اتجاه مجمل الشرق الأوسط تعتمد على التقسيم والتفتيت، لذا يعد التفتيت المقدمة اللازمة للتوسع، وان جدلية التفتيت والتوسع في التخطيط الصهيوني هي البداية والنهاية، فالأقليات وسيلة إلى التفتيت والتجزئة، والتفتيت وسيلة إلى التوسع والهيمنة.
وضعت العديد من المخططات الاستراتيجية في هذا المجال وكان اكثرها وضوحاً وشمولاً خطة (أوديد بينون)، التي نشرها في مجلة (اتجاهات) الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية في القدس عام (1982)م بعددها رقم (14)، التي اظهرت حقيقة الادراك الإسرائيلي للوطن العربي وتذكير الحكومات (الإسرائيلية) بأهداف قومية ثابتة، واستغلال الظروف المحيطة لضمان التحقيق. وتسعى الاستراتيجية الإسرائيلية المستقبلية إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى تتمثل بضمان الهيمنة والوصاية المباشرة على دول المنطقة، بعد ان يتم تفتيت دول المواجهة.
فأشارت خطة أوديد بينون إلى هذه الدول بالقول : "أما الاردن فيشكل هدفاً استراتيجياً مباشراً على المدى القصير وليس على المدى البعيد لأنه يشكل خطراً حقيقياً على المدى البعيد، ذلك بعد تجزئته وانهاء حكم الملك حسين وانتقال السلطة إلى الفلسطينيين ".
كما "علينا تقسيم سوريا إلى دولة علوية على طول الساحل ودولة سنية في حلب واخرى في دمشق، ودولة رابعة يقيمها الدروز في هضبة الجولان". و" تجزئة لبنان بأكمله إلى خمس مقاطعات من شأنه ان يخدم تقسيم العالم العربي بأجمعه... بل هو بداية المسيرة في هذا الاتجاه".
عزل العراق عن المشرق العربي وتفتيته إلى كيانات عرقية وطائفية. "ان حرباً عراقية ايرانية سوف تمزق العراق إلى اجزاء وتسقطه داخلياً... أما تقسيم العراق إلى مقاطعات على وفق تقسيمات عرقية ودينية امر ممكن، فثلاثة دول أو أكثر يمكنها ان تتواجد حول المدن الرئيسة الثلاث البصرة، بغداد، الموصل".
فما يحدث في العراق الان هو جزء من خطة وأحلام صهيونية واسعة بتنفيذ اميركي، فالمحاولات الرامية إلى اشعال الحرب الطائفية وتأجيج الفتنة بين العراقيين تصب في اطار الاستراتيجية الإسرائيلية المستقبلية, وهذا ما استطاع الاحتلال الأمريكي للعراق في 9نيسان/ 2003 من ترسيخه في الحياة السياسية العراقية من خلال عملية سياسية قائمة على المحاصصة الطائفية والعرقية واستنادا إلى دستور يكرس هذه الحالة وفيه من الاشكالات والغموض ما يعزز الصراع التناحري بين مختلف الاطراف، وتقسيم العراق لفيدراليات أو اقاليم على اسس عرقية ومذهبية غاية عليا في الفكر الإسرائيلي لتسهيل السيطرة على موارد العراق الاقتصادية الهائلة غير المستغلة وهذا ما تفعله الشركات الاجنبية في العراق بحجة اعادة الاعمار.
ان ايغال النخب السياسية العراقية في نهج المحاصصة الطائفية والعرقية, والصراع المتواصل على السلطة والثروة والنفوذ, سوف لن يؤدي إلا إلى تحقيق الحلم الصهيوني الإسرائيلي الأمريكي في تفتيت العراق أو على الاقل اضعافه لفترات طويلة سواء عن وعي او بدونه, وبهذا تتحمل النخب السياسية المتنفذة بالوضع العراقي وخاصة احزاب الاسلام السياسي مسؤولية تاريخية بهذا الصدد وترتقي هذه المسؤولية لمصاف الخيانة العظمى للمصلحة الوطنية العليا للعراق شعبا ووطنا, وتبعا لذلك عليهم ان لا يستبعدوا ((الوقوف في قفص الاتهام)) لاحقا امام محكمة الشعب اذا اصروا على نفس نهج المحاصصة الطائفية والاثنية والتفتيت المجتمعي والصراع من اجل المال والسلطة وتأصيل ظاهرة الفساد وحمايتها واضعاف مؤسسات الدولة ومدنيتها ان الاصرار على الاستمرار بنفس النهج لا يعني سوى المساهمة او لنقل تسهيل تحقيق ما تحلم وتخطط له الصهيونية واسرائيل ازاء العراق.
يتبع

المنبر الحر