/
/

بعد مرور عقد من الزمان على الركود الكبير ، ظل الإنفاق الحكومي على الجامعات ومؤسسات التعليم العالي أقل بكثير من المستويات التاريخية ، على الرغم من الزيادات الأخيرة. بلغ إجمالي التخصيص الحكومي العام للتعليم العالي  للعام 2018  ما يقرب من 2,19 ترليون دينار وبنسبة 2.3% من الموازنة الاتحادية للدولة ويعادل هذا التخصيص لحوالي 2.1 مليار دولار من اصل الموازنة العامة والتي بلغت 88 مليار دولار. بلغت تخصيصات الرواتب رقما هائلا يعادل 80% من نسبة تخصيصات التعليم العالي وهو يشكل 1,814 ترليون دينار مما لا يسمح الا ببقاء 458 مليار دينار فقط للمصروفات الاخرى. 

حسب معرفتي ان 80% من الميزانية تصرف للرواتب تعتبر من اعلى مستويات الصرف في العالم ويمكن مقارنتها مقارنة بمعدل 50% في جامعات العالم المتطورة. وما تبقى من الميزانية الا النزر اليسير وهو ما يؤكد لنا معاناة التعليم العالي من التضخم الذي يعانيه من كثرة التدريسيين والموظفين.  

ساهم انخفاض التخصيص المالي في ارتفاع نسبة ما يسمى بالتعليم الموازي والذي يعتمد على استحصال اجور دراسية من الطلبة مقابل تخفيض نسبي في معدل القبول وازدياد الدراسات المسائية بحيث وصل عدد الطلبة في بعض الجامعات الى اكثر من 80% من عددهم في الدراسات الصباحية. والدراسات المسائية خاصية تنفرد بها الجامعات العراقية بحيث لا تجد في جامعات العالم دراستين صباحية ومسائية تمنح نفس الشهادة (البرنامج الدراسي) وبنفس المفردات. لقد ادى هذا التقسيم الى جعل فترة الدراسة اليومية في الجامعات من اقلها في العالم وبحيث لا يمكن للطلبة من التواجد في الجامعة باكثر من 6 ساعات على اكثر تقدير مما يؤكد فقدان الجامعة لاهم معالمها وهو كونها بيئة حاضنة علم وفكر يتحسس فيها الطلبة بالانتماء والمشاركة بالانشطة المختلفة بضمنها تعليم المهارات والداعمة لهم بعد تخرجهم والتي هي بمثابة مؤثرات كبيرة على تكوين ثقافتهم المدنية.  

اضطرت الجامعات بسبب انخفاض المخصصات المالية إلى موازنة الميزانيات عن طريق الحد من فعاليات التعليم والتعلم وتطوير المناهج والبيئة الجامعية وتدريب أعضاء هيئة التدريس والحد من الدورات التدريبية في الداخل والخارج والمصروفات الضرورية لتحسين المرافق الاكاديمية والمختبرات وفعاليات البحث العلمي. والاخير من اكثر القطاعات تضررا حيث وكما جرت العادة عليه لم يخصص دينارا واحدا له فهل يمكن تصور دولة في عصرنا الراهن لا تعتمد عليه ادراكا منها بمدى اهميته في تحقيق التقدم والتطور الحضاري واستمراريته. وفي ظل انعدام التمويل للبحث العلمي نرى ازدياد هائل في الاقبال على الدراسات العليا وتشجيع الجامعات على توسيعها بحيث اصبحت في بعض الاختصاصات اوسع من الدراسات الاولية واهم منها بالرغم من سطحية الدراسة فيها واعتماد تمويلها على الطالب وعلى اجراء بحوث تقليدية نقلية تتخم بها المجلات العلمية الزائفة والضعيفة. 

وفي الوقت الذي لم تكن فيه فائدة التعليم الجامعي أكبر من ذي قبل ، فإن صانعي السياسة جعلوا الدخول للجامعات اكثر تكلفة وأقل وصولاً إلى الطلاب الأكثر احتياجا واقل ارتباطا بحاجة السوق والمجتمع فازدادت البطالة بين الخريجين وضعف تدريبهم واصبح طلاب الامس القريب من ضعيفي المهارات والمعرفة تدريسيين يؤتمنون على مستقبل الطلبة، والتفريط بالتدريسيين المتمرسين باجبارهم على التقاعد المبكر وبعكس الاتجاه العالمي في الاستمرار بالعمل الجامعي وبالاستفادة من خبراتهم من دون تحديد عمر للتقاعد. ولكن شائت الاقدار ان تستفاد الجامعات والكليات الاهلية من خبراتهم وان يستفادوا شخصيا من رواتب اضافية ومن استمرارية في العمل الاكاديمي.

لربما محدوية تخصيصات التعليم العالي الحقيقية من ميزانية الدولة تجهضها الاموال المستحصلة من طلبة التعليم الموازي والمسائي والدراسات العليا ومن طرق "تعضيم الموارد" التي تساعد الجامعات والوزارة في ملئ صناديق التعليم العالي باموال قد تحتاجها في تسير اعمالها الاعتيادية، علما ان صناديق التعليم العالي تعود الى فترة الحصار الاقتصادي عندما كان راتب التدريسي 3 دولار مما اضطر الى انشاء هذه الصناديق لفك اختناقات العملية التعليمية ولكن الوضع تغير الان فراتب التدريسي افضل بكثير مع انه لا يطالب الا بتدريس عدد محدد من الساعات وما غير ذلك كالبحث العلمي والاشراف على الدراسات العليا ومراقبة الامتحانات وخدمة المجتمع وما الى ذلك تدفع مقابلها اجور ومع انها اجور قليلة الا انها غير ضرورية لان كل ما يقوم به التدريسي من واجبات تعتبر من صلب عمله.  كما ان الكثير من اموال صناديق التعليم العالي لا تصرف باسلوب صحيح، وكمثال المؤتمرات العلمية الكثيرة التي تقيمها الاقسام والكليات والجامعات والتي لا تعود بفائدة تذكر فيما عدا انها تفسد البحث العلمي الرصين وتساعد في تبذير الاموال في مهام ليست من صلب عمل الكليات، بالاضافة الى استمرار المصاريف غير الضرورية لفعالية العمداء ورؤساء القسام ومنها السيارات الخاصة والسواق والحمايات. وتبقى كثير من اموال صناديق التعليم العالي حبيسة الصناديق نتيجة القوانين المالية الصارمة والمحددة للصرف فعلى سبيل المثال الا يمكن ان تصرف بعضها لتمويل زمالات دراسية وبعثات للدراسة في الخارج وفي استقدام اساتذة للتدريس والبحث العلمي او كمقيمين خارجين. ان بقاء اموال في الصناديق من دون صرفها يدل على انعدام كفاءة استخدام الاموال في مصلحة الجامعة وهي بذلك تعتبر اموال ضائعة لانها ليست اموال مخصصة للمستعجلات والحالات الطارئة.

ومع ان ضعف التخصيصات المالية للتعليم العالي يقوض مستقبل مجتمعنا، وتحديدًا التنمية الصناعية والزراعية والطبية وكل الفعاليات التي تعتمد على الكفاءات المهاراتية لكي تنهض البلاد من ركودها، لا نجد اهتماما ولا اكتراثا من قبل السياسين وقادة البلاد ولا من معظم اعضاء البرلمان او من رجال الدين والثقافة وعامة الناس خارج منظومة التعليم العالي والجامعات، لا بل انه في بعض الاحيان تساعد مواقف وتصرفات القوى السياسية المهيمنة ورجالاتها على تقويض نهضة الجامعات بالتدخل السلبي الواعي، وغير الواعي في سياسات التعليم العالي، وفي الأمور الاكاديمية للجامعات وفي أساليب ادارتها وتسيرها. ولقد أدت هذه الحالة الشاذة والغريبة الى تدني مستويات الجامعات العراقية وعرقلة تطورها مقارنة بالجامعات العربية والإقليمية والعالمية.                        

وفي ظل استمرار ازمة تمويل المشاريع الاكاديمية وتطوير فعاليات التعليم العالي اجد نفسي ملزما لتقديم بعض التوصيات والاقتراحات التي لو تبنتها الدولة لاستطعنا من وقف التدهور الذي يلازم عادة ضعف التمويل، وترتكز هذه التوصيات على:

1- تخصيص ما لا يقل عن 30% من ميزانية التعليم العالي للمصروفات الاكاديمية من غير الرواتب وسيتطلب هذا زيادة ميزانية التعليم العالي الى حوالي 3 مليار دولار وهي زيادة معقولة.

2- دمج الجامعات المتقاربة في الموقع الجغرافي كمثل دمج جامعة النهرين بجامعة بغداد وجامعة القاسم الخضراء بجامعة بابل وجامعة ابن حيان بجامعة الكوفة.

3- إعادة تنظيم الكليات والاقسام على اسس ادارية سليمة وذلك بدمج الكليات والأقسام المتشابهة وإلغاء تلك الاقسام التي لا يتوفر لها سوق عمل، والفائضة عن الحاجة، وتقليل عدد الاداريين من عمداء ورؤساء اقسام مصحوبة بترشيد للنفقات والاعتماد على الخبراء الاقتصاديين لرسم السياسات المالية على ان تحصل الجامعات على فائض الاموال التي تنتج عن تطبيق هذه الاساليب وان لا تعود هذه الاموال الى وزارة المالية. في معظم الجامعات العالمية لا يزيد عدد الكليات على 5-10 كليات، بينما يصل العدد في الجامعات العراقية الى اكثر من 20 كلية، وهو ما يرهق ميزانية التعليم العالي من رواتب ومخصصات لا ضرورة لها. من الشائع في الجامعات العالمية انه كلما قل عدد الكليات تحسنت ادارة الجامعة وارتفعت الكفاءة الاكاديمية وخفضت التكاليف، وفيها ايضا تنعدم الازدواجية في البرامج والشهادات ويكثر التعاون المشترك في التدريس والبحث العلمي. يختلف هذا التنظيم الاداري عن ممارسات الجامعة في العراق حيث ترى كثرة الكليات والاقسام ذات الاختصاصات المتشابهة فليس غريبا ان ترى في جامعة واحدة عدة اقسام متشابهة الاختصاص لها اجهزة ادارية متشابهة وترى كليات لها نفس الاهداف والبرامج بالاضافة الى مراكز بحثية تفتقر الى ادنى مستلزمات البحث العلمي. اؤكد بأنه لو تمت اعادة هيكلية الجامعات على صورة الجامعات الغربية لتم توفير مبالغ مالية هائلة، ولقضي على فوضى تعدد الشهادات، وانتهت برامج اكل الدهر عليها وشرب، وأنشئت برامج يحتاجها سوق العمل.

4- التخلي عن السياسة البرغماتية التي تتبنى ظاهريا مبدأ التعليم المجاني في التعليم العالي بينما يتم استخلاص الاجور من مئات الالاف من الطلبة سواء عن طريق التعليم الموازي والدراسات المسائية والدراسات العليا والكليات الاهلية، وتبني سياسة واضحة عادلة تعتمد على مقاضاة اجور من كل طالب يعيد مقررا او مرحلة دراسية او لا يبذل جهدا مقبولا من اجل اكمال دراسته في الفترة المحددة لها، بالاضافة الى اعتماد سياسة استخلاص الاجور على حسب الامكانيات المالية للطالب وليس على اساس درجات الشهادة الثانوية وبالخصوص من الميسورين ومن ابناء العوائل الغنية. تذهب هذه الاجور مباشرة الى الجامعات ويتم التأكيد على استخدامها لتطوير الفعاليات والمشاريع الاكاديمية وليس لدفع رواتب او مكافأت للموظفين والتدريسيين. ستؤدي هذه السياسة الى الغاء الدراسات المسائية والتي اضرت كثيرا بالبيئة الجامعية بتحجيمها لساعات التدريس والتعليم والتعلم وللفعاليات الاكاديمية وغير الاكاديمية وقتلها لدور الابتكار واكتساب المهارات في تأهيل الطلبة.

5- أدعو قيادات الجامعات وقيادات العمل الإداري والمالي في الوزارة للتركيز على الإنجاز والشفافية في الأعمال الإدارية والمالية المسندة إليهم، وبأن تكون صفحة الجامعات صفحة بيضاء خاليه من الملاحظات والتجاوزات التي تتردد داخل الاوساط الاكاديمية بين الفينة والاخرى.

6- ترشيد او استبدال نظام المكافآت وكتب الشكر والترقيات العلمية المرتبطة بزيادة الراتب كونها تمثل نسبة عالية من مصروفات الوزارة بنظام اكثر عدالة واكثر كفاءة.

7- اعادة النظر بحزمة التشريعات والإجراءات التي تحكم عملية التعليم العالي، وتعوق تطويرها، بما يستدعي سرعة إصلاح التشوهات، لإحداث تغيير شامل في المنظومة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل