/
/

لم تعد تفصلنا عن الانتخابات العراقية المصيرية سوى ثلاثة أيام لا غير، هذه الانتخابات التي يعقد كل العراقيين عليها العزم للخروج من عنق الزجاجة التي حشر الطائفيون فيها العراق وكبّلوه بنظام محاصصة خطير اقتصرت منافعه الشخصية على أحزاب امتدت بشكل مخيف بكل مفاصل الدولة العراقية المنهارة أصلا مما تسبب في ادخال العراق في نفق مظلم بدد كل شيء لبلد قد خرج للتو من محن النظام الفردي الدكتاتوري والفاشي ليدخله القادمون الجدد والفاقدون للأهلية السياسية في متاهات، قصدا أو جهلا بفن القيادة التي تتطلب كفاءات ومهارات وتجربة سياسية وقبل هذا وذاك، أن يكون السياسي وطنيا مخلصا لبلده وانتمائه للشعب مغلّبا المصلحة الوطنية الصادقة على الانتماءات الحزبية والشخصية والطائفية الضيقة، وهذا ويا للأسف ما عشناه وعانيناه طيلة الخمسة عشر عاما الماضية على أيدي من مكنتهم الظروف الطائشة في قيادة البلد، فجروا العراق الى متاهات وخراب وتفتت وتمزق واستحواذ فئة ضالة على مقدرات البلد على حساب التنمية والبناء والتوزيع العادل للثروة الوطنية وإعادة اعمار ما خربته عقود المحن والمغامرات السياسية السابقة، حين استبشر العراقيون بقدوم عهد جديد ينتشلهم من الحرمان والاقصاء وافتقارهم لأبسط شروط الحياة الكريمة، لتخرج لنا غيلان مخيفة لا نعرف من اين أتوا وكيف وصلوا وما هي أهدافهم، ليتحولوا بين ليلة وضحاها الى مافيات لصوص وحرامية وسراق لخيرات العراق الذي كم كان محتاجا للقرش الواحد لإعادة البناء واسعاد الشعب المظلوم، لنكتشف ان من كانوا بالأمس يستجدون على أبواب دول الجوار وبلدان المنافي ويقتاتون على صدقات تلك الدول ليوفروا وبالكاد لقمة العيش، تحول هؤلاء جميعا بقدرة قادر الى اثرياء وأصحاب مليارات الدولارات ليقتنوا المشاريع والعقارات والمؤسسات، بما فيها الإعلامية منها، ليبقى العراقي في دهشة وصدمة وحيرة، لا لسبب إلا لكونهم وللأسف استغفلوه واستغلوا طيبته وصدق نواياه ليضعوا ثقتهم في أناس كانوا يخططون لنهب أموال العراق، وكأنهم مكلفون بتتمة الخراب الذي خرج العراقيون منه للتو، فشجت الفأس رؤوس المسحوقين والفقراء والمحتاجين، بتوسيع الهوة بين الفقراء من جهة، والأثرياء من جهة أخرى ممن كانوا بالأمس في ذات الوضع الحياتي المزري، كيف حصل ذلك؟

هذا ما بات واضحا للعيان لكل العراقيين بظهور طوابير من الفاسدين واللصوص والحرامية استولوا على مقدرات العراق بفرض نظام محاصصة مقيت ورث، موظفين يافطات الدين والمذهب والقومية وما سواها من شعارات زائفة لإضفاء مشروعية لصوصية على أساليب النهب الخبيثة.

لا نريد أن نعيد مرة أخرى هذه الملفات التي باتت معروفة للجميع والتي اساءت كثيرا لسمعة العراق وحولت البلد الى ساحة لكل من هب ودب من فاقدي الاهلية والوعي والوطنية والحس الأخلاقي، فكانت الكارثة.

ما السبيل اذن لإزاحة هذا الكابوس المخيف الذي اذا ما استمر لأربعة أعوام قادمة سيتحول العراقيون جميعا الى شعب مشرد يستجدي لقمة العيش من خارج الحدود؟ فهل يعي أولئك الذين ينوون العزوف عن المشاركة الفعلية في الانتخابات القادمة خطورة مواقفهم؟

يا لها من كارثة ستحل بالعراق إذا ما ركب الممتنعون عن الادلاء بأصواتهم من اجل كنس الفاسدين رؤوسهم وبقوا بذات العناد الذي سيجلب المصائب لهم قبل غيرهم، علما أنهم يتعكزون على تخريجات ليست بالمنطقية لقراءة الواقع العراقي وتحديد مستقبل العراقيين، بدعوى عدم جدوى التصويت، وسيأتي ذات الفاسدين، وغيرها من التبريرات الخاطئة التي تحول كافة العراقيين المنتخبين، الى فاسدين ولصوص، وهذا كلام معيب ومواقف مخجلة، لانهم يعرفون أن هناك من المرشحين من يتسم بالنزاهة والوطنية والضمير الحي والسعي للتغيير وكنس الفاسدين، والشيء الوحيد الذي يساعدهم على تحقيق هدف كنس اللصوص وتصحيح المسيرة السياسية، هو وقوف كافة العراقيين الى جانبهم ومساعدتهم على الصعود لاتخاذ القرارات التي من شأنها أن تخرج البلد من مسلسل الخراب الذي سببه ويسببه الفاسدون من السياسيين الطارئين.

ما يثيرنا ويحز في نفوسنا أن هناك من المثقفين من ذوي الوعي من يدعو الى العزوف عن الذهاب لصناديق الاقتراع، ولعمري أن هذا الموقف هو عينه ما يريده ويسعى اليه الفاسدون للبقاء على مسلسل النهب وإبقاء العراق يخوض في دوامة الكوارث، متصورين أن هكذا موقف هو احتجاج على الأوضاع المزرية التي سببها الفاسدون، في حين أنهم سيعمقون جراحات العراق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يعتبرون مساهمين بإبقاء الأوضاع الشائنة على ما هي عليه، بوعي أو دون وعي منهم.

إن من يتخذ موقفا سلبيا من التصويت، سيكون مشاركا شاء أم أبى بما ستؤول اليها النتائج، حتى وإن عزف عن الذهاب، لأنه موافق ومساهم وبشكل فاعل بنتائج التصويت، بمواقفه السلبية، ومن ثم لا يحق له الاحتجاج عن النتائج الكارثية التي سيتسبب فيها، و يا للهول.

المطلوب ممن يدعون لمقاطعة الانتخابات مراجعة مواقفهم وبأقصى سرعة، سيما أن الوقت يزحف لذلك اليوم الذي سيحدد مصير العراق والعراقيين، إن بزوال فلول الفاسدين وخروج العراق من محنه وبلاويه، أو أن نقرأ على هذا البلد الجريح السلام، وهذا ليس تهويلا، بل قراءة حكيمة تستدعي من كافة الفعاليات المجتمعية العراقية بكل تنوعاتها الخروج عن بكرة أبيهم لتنظيف العراق من الرثاثة التي ستفوح عواطنها إذا ما صحح العازفون من مساراتهم الوطنية.

إن العراق ينتخيكم بالخروج للقيام بدوركم الوطني، باختيار الأنسب وما اكثرهم، وهذه فرصتكم الأخيرة التي لم يتبق منها سوى أيام قليلة.

وإلا سوف لن ينفعكم الاطباق على اصابعكم ندما حتى وان اضطررتم لقطعها

وقد اعذر من أنذر

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل