/
/

منذ عقود، والطبقة العاملة العراقية تخوض نضالات طبقية، تخفت احيانا، وتتصاعد احيانا اخرى، حسب الظروف السياسية السائدة في البلد، ففي ظل الانظمة الدكتاتورية، التي كانت تمارس العسف باعلى درجاته، تجاه الطبقة العاملة وطليعتها السياسية، وتنصَب عملاءها على راس النقابات العمالية، بقرارات سلطوية، دون اجراء انتخابات نزيهة، ليعبر العمال عن ارادتهم الحقيقية في اختيار ممثليهم الحقيقيين لقيادة نقاباتهم. كانت الحركة النقابية المجاهدة تتراجع امام الهجمة التي تشن ضدها وينحسر دورها في النضال الطبقي. وزاد الامر سوءا ابان النظام الدكتاتوري البعثي، عندما تحولت النقابات الى مراكز للتجسس، وتبعيث العمال عنوة، دون ارادتهم، تحت التهديد بالفصل من العمل وحتى الاعتقال. اثناء الحرب العبثية مع ايران كانت تقوم نقابات السلطة بتجنيد العمال وارسالهم الى جبهات الموت، وكثير من العمال ذهبوا ضحية لتلك الحرب المجنونة. اما في فترة النظام الملكي فكانت الحركة النقابية، بين المد والجزر، كلما كانت الطبقة العاملة تقوم باضرابات سلمية تحت قياداتها الثورية المنتخبة ديمقراطيا، كانت السلطة تعتقل قادة النقابات وتزجهم في السجون، وتغلق مقراتهم.
ولم يكن يمر عام، الا ونجد اضرابا او تظاهرة للعمال المطالبين بحقوقهم الانسانية المشروعة، كتحسين ظروف العمل وزيادة الاجور والضمان الاجتماعي والصحي اضافة الى حقهم المشروع في التنظيم النقابي الحر المستقل. ففي عام 1929 تجمع عدد من العمال الواعين، العاملين في بعض الورش الصناعية الاهلية، قاموا بتاسيس جمعية اصحاب الصنائع العراقية، وانتخبوا الناشط العمالي محمد صالح القزاز رئيسا للجمعية، وتعد هذه الجمعية من بواكير التنظيم النقابي لعمال العراق، قدمت الجمعية عددا من المذكرات الى السلطات المسؤولة تضمنت مطالب للعمال، كزيادة الاجور وتقليل ساعات العمل وغيرها من المطالبات. قادت الجمعية اول اضراب عمالي عام 1930، والمشهور، باضراب الكهرباء، كانت مؤسسة الكهرباء تدار من قبل ادارة انكليزية، لكن السلطات قمعت هذا الاضراب ووقفت الى جانب الادارة الاجنبية، بدلا من الوقوف مع العاملين العراقيين المطالبين بحقوقهم المشروعة، ثم قامت السلطة بحل الجمعية واعتقال رئيسها وابعد الى خارج بغداد، بعد هذه الضربة حدث انكفاء في الوسط النقابي العمالي، استمر ذلك الجمود الى اواسط اربعينيات القرن الماضي. بعد انتصار الحلفاء على المحور الفاشي النازي، بدا بعض العمال المنتظمين سياسيا في صفوف الحزب الشيوعي العراقي واصدقاؤهم، بالتحرك لتاسيس نقابات عمالية، بالفعل اجيزت بعض النقابات، من بينها نقابات عمال السكك والمطابع والميكانيك والغزل والنسيج وغيرها. كانت باكورة نضال النقابات العمالية هو الاضراب البطولي لعمال السكك، الذي قاده المناضل النقابي الراحل علي شكر الذي كان قد انتخب رئيسا للنقابة، كان يشرف على هذا الاضراب الرفيق الخالد فهد شخصيا، حقق الاضراب بعضا من مطالب العمال، اعقبها اضراب اخر في نفس العام، بسبب تنصل الادارة الانكليزية للسكك من وعودها بتلبية مطالب العمال، وهذه المرة ايضا انبرت السلطات للوقوف الى جانب الادارة الاجنبية ضد ابناء جلدتها من العمال العراقيين، وشنت حملة اعتقالات شملت قادة نقابة السكك وتعرض بعضهم الى الفصل من العمل في مقدمتهم المناضل علي شكر كما حلت النقابة. في عامي 1945 و 1946 اضرب عمال المطابع عن العمل لمرتين وتوقفت معظم الصحف عن الصدور، مطالبين بشروط عمل افضل ومطالب اخرى، جن جنون الحكومة، واعتقلت القائدين النقابيين، جعفر صالح رئيس النقابة وطه محمد صالح سكرتير النقابة، بعد ذلك انتخب محمد اسماعيل القريشي رئيسا للنقابة، وبعد الحملة القمعية التي شنتها السلطة واعتقلت خلالها قادة الحزب الشيوعي العراقي، (فهد، حازم، صارم) وعدد اخر من كوادر الحزب كان من بينهم، رئيس نقابة السكك علي شكر الذي سجن لمدة خمسة اعوام اضافة لسجن رئيس نقابة عمال المطابع، محمد اسماعيل القريشي، الذي سجن لمدة عام واحد، وتم تجميد معظم النقابات العمالية. في ذلك العام، اضرب ايضا عمال شركة نفط الشمال في كركوك وتجمع العمال في منطقة كاورباغي بشكل سلمي، لكن شرطة حكومة ارشد العمري فتحت النار على العمال واستشهد عدد منهم واصيب اخرون واعتقل عدد اخر من قادة الاضراب، مرة اخرى وقفت السلطات العراقية الى جانب شركات النفط الاجنبية التي كانت تنهب ثروات بلادنا بتواطؤ معها. بعد وثبة كانون المجيدة عام 1948، نظم العاملون في مصفاة )كي ثري) التي تقع قرب مدينة حديثة، مسيرة سلمية متوجهين الى العاصمة للمطالبة بحقوقهم، مرة اخرى تصدت شرطة الحكومة لتلك المسيرة السلمية وفرقتها بالقوة واعتقلت عددا من قادة المسيرة. في بداية عام 1951 اجازت الحكومة بعض النقابات للعاملين في القطاع الخاص، كنقابة عمال النسيج والمطابع والسكائر والبناء والخياطة والنجارة وسواق السيارات، قامت تلك النقابات بتشكيل مكتب نقابي مركزي لها، تم انتخاب النقابي عبدالقادر العياش سكرتير نقابة المطابع سكرتيرا له. بعد ان لاحظت السلطة النشاط الملموس لذلك المركز وعدم انصياعه لتوجهاتها عبر بعض النقابيين المندسين في صفوفه، قامت بغلق النقابات المذكورة، وسجن واعتقل عدد من قادتها منهم المناضل النقابي عبد القادر العياش. اواسط عام 1952 اعلن عمال الموانئ في البصرة اضرابا عن العمل، تم قمع ذلك الاضراب من قبل السلطة في بدايته. الا ان كل تلك الاجراءات القمعية لم تفت في عضد العمال، حيث اعلن العاملون في شركة نفط الجنوب في البصرة اضرابهم البطولي في خريف عام 1953. وكان الرفيق الخالد سلام عادل، يشرف شخصيا على الاضراب، اذ كان حينذاك مسؤول الحزب على المنطقة الجنوبية، على اثرها اعلنت حكومة فاضل الجمالي الاحكام العرفية في البصرة وشنت هجوما مسلحا على المضربين، حيث استشهد احد العمال وجرح آخرون واعتقل عدد من قادة الاضراب واصدرت المحاكم العرفية العسكرية احكاما ثقيلة بحق عدد من قادة الاضراب، كل تلك الاجراءت القمعية ضد العمال من قبل حكومات العهد الملكي، ووقوفها الى جانب شركات النفط الاجنبية ضد العمال العراقيين المطالبين بحقوهم، تثبت دون ادنى شك عمالة حكومات العهد الملكي للاجنبي وخيانتها للشعب العراقي ومصالحه الوطنية، بخلاف ما يروج له البعض من مزوري التاريخ الذين يحاولون عبثا من اضفاء صفة (الوطنية والديمقراطية)، على ذلك النظام، الا ان شمس الحقيقة والوقائع التاريخية لن تحجب بغربال. بعد ثورة 14 تموز المجيدة اجيزت النقابات العمالية وانظم اليها مئات الالاف من العمال وتشكل الاتحاد العام لنقابات العمال، وانتخب العمال قياداتهم بكل حرية وشفافية، فاز فيها من اضطلع بقيادة الحركة النقابية خلال عقود، وتحمل كل العسف الذي مورس ضدهم ابان النظام الملكي المباد. لكنه ومع الاسف انحرفت حكومة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم عن النهج الديمقراطي للثورة، بعد عامها الاول، عندما فسحت المجال امام العصابات الارهابية البعثية والرجعية للسيطرة على النقابات المجاهدة بالقوة، وبحماية الشرطة والامن العامة. وشنت حملة اعتقالات شملت قادة الحركة النقابية دونما سبب، حيث اعتقل العشرات من قادة الاتحاد والنقابات العمالية، وكان من ضمن المعتقلين، قادة الاتحاد العام لنقابات العمال، علي شكر وصادق الفلاحي وكليبان صالح وحسين علوان وعبدالقادر العياش وعاصم الخفاجي ومحمد غضان وشملت الحملة عددا من الكوادر النقابية من بينهم كاتب السطور وطارق السامرائي القياديان في نقابة المطابع وحسين ناجي وجاسم الدليمي من نقابة البناء وعلي الغزالي من نقابة الخياطة وصبحي المشهداني من عمال السكك وعدد كبير من نشطاء الحركة النقابية. بعد انقلابي 8 شباط 1963 وتموز عام 1968، زيفت الانتخابات العمالية، بل اكثر من ذلك كانت عمليات تنصيب قادة النقابات تتم بمراسيم من (قيادة الثورة المزعومة ). لا يفوتني ان اذكر الاضراب البطولي لعمال الزيوت النباتية الذي جرى في خريف عام 1968، بعد سيطرة البعث الفاشي بانقلابه المشؤوم على السلطة، حيث تم قمع ذلك الاضراب بقوة السلاح واستشهد عامل واصيب اخرون واعتقل عدد من قادة الاضراب. واليوم والطبقة العاملة العراقية تشارك رفاقها شغيلة العالم بعيدها المجيد، ننحني اجلالا واكراما لشهداء الحركة النقابية العراقية ونحيي الرواد الاوائل لها، الذين قضوا ردحا من اعمارهم في سجون ومعتقلات الانظمة الدكتاتورية والرجعية، من اجل حياة افضل لعمال وكادحي العراق، وتحية خالصة للسائرين على دربهم، المناضلون لغد افضل للطبقة العاملة العراقية. والمجد للاول من ايار العيد المجيد لشغيلة العالم.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل